أزمة الإسلام: حوار وتعايش

حجم الخط
0

منذ ظهور الإسلام في الجزيرة العربية وحتى اليوم وهو يمر بصعوبات شكلت التاريخ الإسلامي بكل تفاصيله ومازالت تحدد الحركة التي يأخذها ليصل الى مبتغاه، فقد عاني صاحب رسالة الإسلام (سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم) الأمرين مع بداية الجهر بالدعوة لكنه كان يسير وفق منهجية سياسية تستدعي ان يدركها الفكر الإنساني اليوم لما لها من أهمية قصوى ليس في حل الأزمة العربية للإسلام فحسب بل وفي حل الأزمة العالمية للإسلام أيضا فقد دخل ( بدر) وهو بالمقياس الواقعي للإمكانيات يعتبر خاسرا لا محال لكنه اخضع الظروف واعتمد على التعبئة الروحية وكان له النصر، واختلفت معه الحسابات في (أحد) رغم الأخذ بكل الاحتياطات فهو لم يحصد النتائج المتوقع لها ان تحدث وخسر المعركة وعلى هذا الأساس لم تقف المرحلة عنده في هزيمة (أحد)، وفي صلح الحديبية غلب الرسول صلى الله عليه وسلم المصالح الجوهرية والأساسية والمستقبلية، على المصالح والاعتبارات الشكلية، فقبل من الشروط ما قد يظن لأول وهلة أن فيه إجحافًا بالجماعة المسلمة ورضي أن ٌتحذف البسملة المعهودة من وثيقة الصلح، ويكتب بدلها: ‘باسمك اللهم’. وأن يُحذف وصف الرسالة الملاصق لاسمه الكريم: محمد رسول الله، ويكتفي باسم محمد بن عبد الله ليكسب من وراء ذلك الهدنة التي يتفرغ فيها لنشر الدعوة لقد أثرت المفاهيم البالية لعلماء الدين الذين اخذوا الإسلام كموروث ثقافي يجب الحفاظ عليه وعلماء الدين الذين أخذوه كمشروع اقتصادي وشيدوا حصنا منيعا بين قلب وفكر الإنسان العربي ودينه فحالت أساليبهم بالدرجة الأولى دون الوصول بالإسلام الحقيقي للفكر مما جعل الفكر العربي ينشغل عن قضيته الاساسية ألا وهي العالمية ويحصر دائرته في التصدي للغرب وأفكاره واتجاهاته وسياسته بمعاداته ومهاجمته من جهة وبالانفتاح والانجراف نحوه من جهة مناقضة مما يحتمني ان أقول إن الفكر العربي تعامل مع الغرب بنفاق بغض النظر عن كونهم أعداء سواء له أو لإسلامه ويعكس هذا النفاق التناقض الواضح في هويته العربية التي ترسم صورة إسلامه رافضا فكرة الحوار والتعايش التي تأسس عليها الإسلام الحقيقي وبني عليها رهان تقدمه.

لقد بدأ الإسلام بعد ثلاث سنوات من نزول الوحي بالحوار في أول مواجهة له بعد ان تلقى الرسول الكريم صلى الله عليه واله وسلم الأمر الإلهي بالجهر بالدعوة ‘واصدع بما تؤمر’ ولم ينطلق إلا بعد ان كون رابطة تتنوع وتختلف في مستوياتها داخل ذلك المجتمع، ورغم ذلك الاختلاف والتنوع أحبت الهدف وفهمت المنهج فقررت ان تمضي هذه الرابطة ضمن مؤسسة الإسلام لتحقق ذاتها وغايتها فيه وهي تعي أن الالتزام بالفكرة الانسانية سبيل للحل أو بالأحرى لتصحيح الاتجاهات الخاطئة وتوطيد ودعم الاتجاهات الصحيحة.

لقد كانت الهجرة النبوية الشريفة الثانية من مكة الى المدينة جراء ضغوط سياسية ولكنها حققت هدفا من ارقي ما نادى به الإسلام إذ أن المدينة كانت العينة الأنسب لبداية توطيد وتدعيم فكرة التعايش والمواطنة والتي نعتبرها اليوم من اعقد المشاكل التي تشكل هيكل الأزمة العربية للإسلام حيث ان المدينة كانت تتنوع وتختلف مما يسمح للمسلم المهاجر أن يتعامل مع اليهودي والنصراني، العربي والأجنبي ويشكل هذا التنوع والاختلاف أكبر الفرص لنشر الفكر الإسلامي الذي يطمح لخدمة الإنسان مهما كانت ديانته. لقد حاولت في هذا المقال ان أشير لسببين مهمين في إشكالية الأزمة الراهنة للإسلام وهما:

الأول: الحوار المنطلق من سياسة قوة الفكرة والمنتهي حيث الحرية في الاختيار وهذا ما تشير إليه آية ‘لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي.’الثاني: وهو المتأسس على مدى نجاح الحوار الفكري الديني الثقافي بين كل الأطراف المختلفة داخله والتعايش أو المواطنة وفق منظومة الهوية فلكل منهم هويته التي يعترف بها الآخر نتيجة للحوار ويحترمها وفقا للتشريعات السماوية الواحدة مهما اختلفت الديانات واختلف بداخلها الفكر الذي يقدمها.

مريم محمد الغزاوي – ليبيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية