أزمة التجنيد.. بين رفض الحريديم وتهديدات “الجهة الأخرى”: ماذا لو سن الجيش “قانون العقوبة”؟  

حجم الخط
0

أهارون رابينوفيتش

تهديد الأحزاب الحريدية بحل الحكومة وصل أمس إلى الذروة مع قرار تأييد “شاس” لحل الكنيست، الذي انضم إلى تعليمات أعطاها زعيم الجمهور الحريدي الحاخام دوف لنداو في هذا الشأن. في نفس الوقت، يحاول نتنياهو حل الأزمة الائتلافية، وقد التقى رئيس لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست، يولي ادلشتاين. “هآرتس” تشرح كيف وصلنا إلى الأزمة الائتلافية الحالية التي تظهر وكأنها الأزمة الأهم للحكومة، وكيف يمكن أن تتطور.

الحريديم لا يتجندون خلال عشرات السنين، ما الذي تغير؟

أعطي إعفاء طلاب المدارس الدينية من التجنيد عند إقامة الدولة من قبل رئيس الحكومة الأول دافيد بن غوريون، الذي استخدم أحد بنود قانون جهاز الأمن الذي ينص على أن وزير الدفاع هو المخول بإعفاء جنود من واجب الخدمة النظامية. ترتيب الإعفاء الذي أعطي في البداية لبضع مئات من الحريديم، تطور بعد أن ألغت حكومة بيغن في 1977 القيود على عدد طلاب المدارس الدينية الذين يستحقون الإعفاء. في 1998 قررت المحكمة العليا أنه ليس لوزير الدفاع أي صلاحية لإعطاء طلاب المدارس الدينية إعفاء من الخدمة، وطالبت بسن قانون مناسب. عقب ذلك، تم سن “قانون طل” لتأجيل خدمة طلاب المدارس الدينية، الذي تبين أنه غير ناجع، وتم إلغاؤه في النهاية من قبل المحكمة العليا في 2012.

في 2014 تم تعديل قانون الخدمة الأمنية، وتم وضع أهداف (عددية) سنوية متزايدة للتجنيد. مع ذلك، أعادت حكومة نتنياهو في 2015، التي كانت الأحزاب الحريدية مشاركة فيها، أعادت العجلة إلى الوراء بواسطة تعديل آخر، الذي بحسبه سيتم إلغاء العقوبة واستمرار الإعفاء حتى بدون تحقيق الأهداف. في 2017 قررت المحكمة العليا بأن قانون الإعفاء الجديد يضر بالحقوق الدستورية لمن يخدمون، لذلك يجب إلغاؤه. منذ ذلك الحين، طلبت الدولة من المحكمة التمديد للدفع بقانون جديد قدماً، إلى أن انتهت صلاحية القانون أخيراً في صيف 2023.

في السنة الأخيرة، قضت المحكمة العليا بأنه في ضوء انتهاء صلاحية القانون، لم يعد بإمكان الدولة إعفاء الحريديم من التجنيد، ولا تمويل المدارس الدينية والمدارس العامة التي لم يحصل طلابها على الإعفاء. منذ اتخاذ هذا القرار والجيش ملزم بإرسال أوامر التجنيد لطلاب المدارس الدينية، وبدأ في فعل ذلك بنطاق محدود. أرسل الجيش تقريباً عشرين ألف أمر تجنيد للحريديم منذ ذلك الحين، لكن لم يمتثل إلا بضع مئات.

بعد أن بدأ الجيش يرسل أوامر التجنيد للشباب الحريديم، طلبت الأحزاب الحريدية من رئيس الحكومة نتنياهو المصادقة على قانون يرتب إعفاء طلاب المدارس الدينية من الخدمة في الجيش. موعد الهدف الذي وضعه زعماء الحريديم كان الأسبوع الحالي – عيد الأسابيع – لأن آلاف طلاب المدارس الدينية في هذا الموعد أصبحوا متهربين من الخدمة ويهددهم خطر الاعتقال. موعد الهدف مر بدون أن يتمكن الائتلاف من ترتيب قانوني حول تهرب طلاب المدارس الدينية من التجند، وهكذا نشأت الأزمة الائتلافية الحالية.

ما الخلاف حول القانون الذي يُناقش الآن؟

صيغة قانون الإعفاء الذي طلب الائتلاف الدفع به قدماً ناقشته لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست، التي يترأسها عضو الكنيست يولي ادلشتاين. بعد عدة نقاشات في اللجنة، أعلن ادلشتاين قبل شهر انتهاء الجلسات حول بلورة القانون، وأن اللجنة ستنتقل إلى مرحلة كتابة القانون على يد طاقم قانوني في اللجنة. مع ذلك، لم يتم عرض القانون المقترح على الجمهور، لأنهم في اللجنة لم ينجحوا في بلورة صيغة نهائية له، حيث الخلاف الأساسي مع ممثلي الأحزاب الحريدية يتعلق بالعقوبة التي ستفرض على طلاب المدارس الدينية الملزمين بالتجند. مصادر في “يهدوت هتوراة” وصفت العقوبة التي يريد ادلشتاين فرضها بأنها “فظيعة”، وقالت إنها تعارض فرضها بشكل تلقائي بدون إعطاء أي اعتبار خاص لوزير الدفاع. حسب هذه المصادر، فإن عدداً من طلبات ادلشتاين طرح للمرة الأولى أمس في اللقاء بينه وبين ممثلي “شاس”.

“ليس هناك قانون يمكننا التعايش معه، ويستطيع العلمانيون التعايش معه”، اعترف مصدر في حزب حريدي في محادثة مع “هآرتس”. إذا تمت الموافقة على طلبات الحريديم، فسيواجه القانون المعارضة من جهة أخرى: عدد من أعضاء الكنيست في الائتلاف هددوا بالتصويت ضد القانون الذي لا يؤدي إلى تجنيد كبير.

ما الذي يطلبه الجيش؟

حسب موقف الجيش الإسرائيلي الرسمي، يجب تجنيد جميع طلاب المدارس الدينية. وأعلن الجيش حاجته بشكل فوري إلى 10 آلاف مقاتل آخر و3 آلاف جندي في وظائف أخرى. مع ذلك، فإن عملية إنفاذ القانون التي قام بها الجيش حتى الآن ضد طلاب المدارس الدينية الملزمين بالتجنيد كانت هامشية، وتقريباً لم يتم اعتقال أي متهرب حريدي فيها.

يريد الجيش فرض عقوبة مدنية أوسع على المتهربين لأنهم يعرفون بأنه لا يمكن اعتقال عشرات آلاف طلاب المدارس الدينية. “الوضع الأمني يحتاج إلى قوة بشرية بحجم كبير جداً، الأمر الذي له تأثير على الجيش النظامي والاحتياط وعبء الخدمة”، قال رئيس شعبة القوة البشرية في الجيش الإسرائيلي العميد شاي طيب، في نقاش داخل الكنيست. “العقوبة الموجودة الآن خفيفة جداً”. كما يريد الجيش أن تعمل الحكومة ضد المدارس الدينية التي يتهرب طلابها من التجنيد.

 ما العقوبة المفروضة الآن على طلاب المدارس الدينية الملزمين بالتجنيد؟

آلاف طلاب المدارس الدينية يعتبرون متهربين من الخدمة الآن، وعشرات الآلاف ربما يصبحون متهربين من الخدمة في الأشهر القريبة القادمة، الأمر الذي يعرضهم للاعتقال في أي لقاء مع شرطي. مع ذلك، لا ينفذ الجيش الآن اعتقالات بشكل ناجع، ولا يعتقل المتهربين الذين يعتبرون خطاً أحمر لدى الأحزاب الحريدية.

من يعتبرون كمتهربين من الخدمة لا يمكنهم السفر إلى الخارج. في جلسة في الكنيست في نيسان الماضي، قال رئيس شعبة الحريديم في قسم القوة البشرية في الجيش الإسرائيلي، المقدم افيغدور ديكشتاين، بأنه تم تنفيذ 340 عملية توقيف منذ بداية السنة لأشخاص ملزمين بالخدمة في مطار بن غوريون، نصفهم كانوا من الحريديم. وقال إن التأخير في المطار هو العقوبة “الهامة والفعالة” التي يفرضها الجيش، وأن الاعتقال لا يعتبر ناجعاً لأنه لن يؤدي بالضرورة إلى تجنيد من يتم اعتقاله.

في نهاية المطاف، عقب قرار المحكمة العليا، فالحريديم الذين لا يمتثلون للتجنيد لا يستحقون تسهيلات في رياض الأطفال. فقدان التسهيلات يخلق صعوبة اقتصادية مهمة يشعر بها المجتمع الحريدي تحديداً. حسب معطيات وزارة المالية، حصل 10 آلاف طفل الذين يعتبر آباؤهم طلاباً في المدارس الدينية، على دعم بتكلفة إجمالية تبلغ 200 مليون شيكل في السنة الدراسية السابقة.

ما الذي يريد الحاخامات فعله؟

الحاخام مغور هو من قاد الخط المتشدد لحل الحكومة، وهو الزعيم الروحي لوزير الإسكان اسحق غولدكنوفف ومن رؤساء “اغودات يسرائيل”، والتيار الحسيدي في “يهدوت هتوراة”. في الأشهر الأخيرة، انضم إلى هذا الخط أحد رؤساء “ديغل هتوراة”، الحاخام دوف لنداو، الذي يخضع له أعضاء الكنيست موشيه غفني ويعقوب اشر واوري مكلاف وإسحق بندروس.

أمر لنداو ممثليه في الكنيست بتأييد حل الكنيست. في حين أن الحاخام موشيه هيلل هيرش، شريك لنداو في قيادة التيار الليطائي، تحدث عن الانسحاب من الحكومة. في الوقت الحالي، ليس معروفاً ما الذي سيتقرر في نهاية المطاف، وحتى الآن يبدو أن التوجه هو تأييد حل الكنيست.

وقرر “شاس” أمس تأييد حل الكنيست، رغم ميل الحزب للبقاء في الحكومة. حسب مصادر في محيط رئيس الحزب اريه درعي، فإنه أثناء الجلسة التي عقدها أمس مع أعضاء الكنيست للحزب ووزرائه، أوضح بأن “شاس” غير معني بإجراء الانتخابات، بل “يتم جره إلى هناك” لأن الحكومة تخفق في تسوية مكانة طلاب المدارس الدينية. مع ذلك، قالت مصادر سياسية مطلعة على القرار إن الأمر يتعلق الآن بعملية محدودة فقط، تستهدف تمكين درعي من اعتباره “البالغ المسؤول” للمناورة بين طلبات الحاخامات من جهة وموقف المحكمة العليا وادلشتاين من جهة أخرى، ومحاولة التوصل إلى إنجاز.

ما الفرق بين حل الكنيست والانسحاب من الحكومة؟

في حين أن الانسحاب من الحكومة عملية يمكن تنفيذها بشكل فوري، فإن حل الكنيست يحتاج إلى طرح مشروع قانون لحل الكنيست في جلستها، وهي العملية التي تستغرق بضعة أسابيع على الأقل إذا تم انطلاقها. هذه العملية ستسمح للأحزاب الحريدية القيام بانعطافة كاملة إذا رغبوا في ذلك، وستبقي الوزراء الحريديم في مكاتبهم إلى حين يقوم وزراء الحكومة الجديدة بأداء اليمين.

هكذا يمكن للأحزاب الحريدية أن تحافظ على مراكز القوة حتى في زمن الحملة الانتخابية، ويستطيع غولدكنوفف مثلاً الدفع قدماً بمزيد من مشاريع الإسكان للجمهور الحريدي.

على طاولة الكنيست عدة اقتراحات لحل الكنيست. فقد سارع كل من “يوجد مستقبل” و”إسرائيل بيتنا” وحزب العمل إلى التطوع بطرحها في الأسبوع القادم. هذا الإجراء سيكون مثل الدفع قدماً بكل مشروع قانون خاص، الذي يجب أن يمر بأربع قراءات، حيث يستطيع مشروع القانون اجتياز القراءة التمهيدية الأربعاء القادم.

دورة الكنيست الصيفية ستنتهي في نهاية تموز، بعد ذلك ستبدأ العطلة الصيفية التي تستمر إلى ما بعد الأعياد. الأحزاب الحريدية يمكنها الدفع قدماً بقانون حل الكنيست بالقراءة التمهيدية، ووقفه قبل الإجازة، وهكذا سيستخدم كوسيلة فعالة للتهديد في إطار المفاوضات بدون سقوط الائتلاف.

في الائتلاف الآن 68 عضو كنيست، و”يهدوت هتوراة” بممثليها السبعة لن تتمكن من حل الكنيست أو إسقاط الحكومة بدون “شاس”. إذا انسحب “يهدوت هتوراة” وحده من الائتلاف، فيمكنه مواصلة العمل بأغلبية صوت واحد، وهناك احتمالية في أن يواصل أعضاء الكنيست من “يهدوت هتوراة” تأييد الائتلاف من الخارج.

إضافة إلى ذلك، ثمة احتمالية انسحاب وزراء ونواب وزراء الأحزاب الحريدية من الحكومة بدون الانسحاب من الائتلاف. هكذا، ستستمر الكنيست في العمل كالعادة. ثمة مثال مشابه لذلك حدث عندما تركت “قوة يهودية” الحكومة لبضعة أشهر عقب صفقة لتحرير المخطوفين، وأبقى على أعضائه في مناصب رئيسية في الوزارات الحكومية ثم عاد إلى الحكومة.

كيف تؤثر خطوات احتجاج الحريديم على الائتلاف؟

في الشهر الماضي، بدأت الأحزاب الحريدية بمقاطعة التصويت على مشاريع قوانين خاصة للائتلاف. استمرت المقاطعة خمسة أسابيع، واضطر الائتلاف إلى شطب مشاريع القوانين الخاصة من جدول الأعمال خشية من ألا تحصل على الأغلبية. المقاطعة تسبب اختناقة تشريعية تغضب أعضاء الكنيست في الائتلاف، الذين لا دور آخر لهم، مثل وزير أو رئيس لجنة، كما تضررت قدرتهم على التأثير والحصول على الفضل على سن التشريعات. بسبب المقاطعة الحريدية، لم يتم الدفع قدماً بمشاريع قوانين لفصل وظائف المستشار القانوني للحكومة، وكذلك اقتراح رئيس لجنة الدستور والقانون والقضاء سمحا روتمان (الصهيونية الدينية) لتحديد تشكيلة قضاة المحكمة العليا بواسطة الحاسوب.

هآرتس 10/6/2025

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية