أزمة الحديث عن الأزمة

حجم الخط
0

البشير رويني

في إطار بحث خاص حول واقع الشعر الجديد فوجئت بأكثر من 20 مقالا كلها تدور وتلتف حول كلمة أزمــة.

كانت الأولي هي فصل مهم من كتاب للباحثة كاتيا زكرياء وصفت فيه ازمة الشعر منذ ثمانينات القرن الماضي. وعنوان الكتابA la douverte de la lirature arabe du VIe siٹcle … nos jours وقد طبعته مطابع فلاماريون الشهيرة في باريس.

وجودت نور الدين من النقاد الذين يحبون الحديث عن أزمة الشعر العربي المعاصر، وهم بدل ان يحاولوا النظر إليها في سياق تاريخي علي أنها مرحلة كغيرها، فانهم يركزون عليها علي أنها من معوقات القصيدة العربية.

هذه قضية جديرة بالنظر والتأمل: لماذا يحب العرب دائما حديث الأزمة؟

من السياسة الي الاقتصاد الي المجتمع الي الثقافة والادب.. هناك دائما نزوع الي حديث الازمة!

هل الأزمة هي قدر العرب والواقع العربي والثقافة العربية؟

أم وضعية الادب والشعر خصوصا ليست الا مرحلة من مراحل التاريخ كغيرها، لها ما يميزها وما يصورها فيفصلها عن غيرها.

حديث الازمة في موضوعنا هذا يقتضي ـ في تقديري ـ تصور نموذج ما، متكامل للشعر العربي، وأين هو هذا النموذج؟

مباشرة نهرب الي التفكير في الشعر الجاهلي، ولكن هذا لا يعتبر في الواقع الا مرحلة تأسيس، لا أقل ولا أكثر، ثم هي في الاخير مرحلة كغيرها من المراحل لها ما لها وعليها ما عليها.

وشعر صدر الاسلام كان استمرارا مباشرا للاشكال القديمة مع تجدد في الموضوعات.

في تقديري هناك اضافات تأتي مع كل عصر وتمس كل ميدان بما فيها الشعر، فعندما جاء شوقي تم انتخابه لإمارة الشعر، واصبح هو الذي يلخص شعر العرب قديمهم وحديثهم، بل وبلغ الامرالي ان قيل ان الشعر انتهي الي شوقي ومع شوقي.

وعندما جاء السياب اهتز الشعر العربي هزة عميقة عنيفة جميلة، ولكن السياب نفسه كان إضافة جديدة وفتحا ادبيا مهمًا، ومعه نظر الناس الي الشعر السابق علي انه في ازمة وعلي أن الشعر الحاضر في ازمة.

وكلمة الازمة هنا هي تعبير عن القطيعة التي حاول السياب ان يحدثها مع المنظومة الشعرية التقليدية وما ترتب علي ذلك من آثار تم اعتبارها حينهاعلي انها سلبية جدا.

هذه القطيعة التي اثارت حينها ألسنة وأقلام الكتـــّاب والنقاد باعتبارها حربا علي النموذج الشعري العربي الكلاسيكي هي نفسها التي أثارت لعاب النقاد والكتاب الجدد أصبحت مذهب الكثيرين منهم.

الحديث عن الازمة عند العرب ـ في تقديري ـ هو وصف دائم لحالة من الاحباط او الخوف إبان المرور من مرحلة الي اخري.

وهو في تصوري وليد الثقافة العربية الكليانية ذات الاصول الدينية والتي تجد صعوبة في الانفكاك من ماضيها، وتربط عادة نهضتها وتقدمهاوكل مستقبلها بارتباطها بالماضي. ومن كثرة ترديد الازمة أصبح كل شيء في ازمة، وحتي نقاشاتنا في ازمة وهي تمتاز بسطحيتها او بحدتها وعنفها او بدورانها في الفراغ.

واذكر مرة نقاشا دار عن أزمة الحداثة (!!) وهو موضوع يحب الكثيرون التعالم بالخوض فيه، وانطلقت المهاجمات والمصادمات والردود الي درجة الاتهام والتكفير.

والحق اقول ان الموضوع ذاته (ازمة الحداثة) لم يناقش البتة وانما ظل القوم يرقصون حوله تجريحا وتكفيرا.

هنا ازمة بالفعل.. واسمح لنفسي هنا ان استعمل كلمة ازمة لانني شعرت حينها بمدي الورطة التي دخلنا فيها. أننا نطوف حول الاشكالية ولا نلمسها.

وعندي هنا عندما يتكلم رجل دين عن الحداثة فانه تماما مثل الطبيب الذي يتكلم في عرض الازياء اوالكهربائي عن فلسفة بوذا او تاجر خضار عن ميشال فوكو. وعندما تقرأ في الشعر ـ موضوع حديثنا ـ وفي الادب عموما حديثا عن الازمة تشعر بعد القراءة بأن النقد في جانب والادب في جانب ثان والازمة في جانب ثالث بعيد.

واذا ما طُلب إليّ كيف تفهم حديث الازمة فانني احب ان اقوم بعملين مهمين في آن: أن ارجع الي اصل الاصطلاح، ثم اعود الي الواقع الذي يلـــفنا.

فمصطلح الازمة حديث جاء ليصف تلك الحالة من الضغط و اللاهدوء والاضطراب الاجتماعي.

وكان دقيقا في علم الاقتصاد (أزمة مالية مثلا) فلما خرج الي علم الاجتماع بدأ فيه الغموض. فمصطلح (أزمة اجتماعية) او (ازمة مجتمع) مثلا فيه غموض والتباس ولا يحمل علي نفس المعني وفي جميع الظروف والاحوال والمجتمعات.

فقد كان ماركس يطلق هذا المصطلح ليصف المواجهة بين البروليتاريا والنظام الحاكم، يعني المواجهة بين المالك وغير المالك.

وكان ماكس فيبر يري ان رجال الدين هم علامة أزمة اخلاقية خانقة، فهم لا يظهرون الا عند انحراف المجتمع، فظهورهم اذن دليل حالة مرضية (ازمة اخلاقية) وعلاجها في ذات الوقت.

وكان دوركايم يري ان مصطلح الازمة يطلق علي حالة المجتمع لحظة اطلاق الحريات الاقتصادية والتغير في تقسيم العمل مما يؤدي الي خلل وعدم احترام للقواعد المتعارف عليها والتي هي في حد ذاتها حالة مرضية للمجتمع.

وعموما فان مصطلح الازمة نطلقه في ايامنا هذه علي احدي ثلاث حالات:

ـ حالة الخصائص السوسيو سياسية وعلاقات السلطة كما عند كروزي.

ـ حالة الخصائص الهيكلية للتقسيم الاجتماعي كما عند بورديو.

وحالة ازمات الاخلاق والثقافة والهوية، وهنا ينصب حديثنا هذا.

واذا ما عدتُ الي واقع كلامنا، فان حديث الازمة اتصوره تشخيصا دقيقا لحالتين: حالة الكمال او المرجع وحالة الموضوع (Reference) (Sujet)، وللمقارنة بين الاثنتين نحتاج الي ادوات فهم نستعملها في تحليلنا، والي منهجية دقيقة في عرض اشكاليتنا، مع التطرق الي مختلف وجهات النظر هنا ومن مظانها.

والابتعاد قدر الامكان عن دس الدين علي الاقل في بعض القضايا الفكرية التي محورها العقل، ولستُ هنا من دعاة التكفير اوالتفسيق وليس هذا مجال حديثي ولكن لان هذه قضايا عصرية جديدة متفتحة متسعة.

ومناهج العلوم الانسانية تصبح هنا مهمة جدا لانها هي المفاتيح الضامنة علي الاقل سلامة الطريق الذي سلكناه وسلامة النتائج ـ بعضها علي الاقل ـ التي وصلنا اليها.

بقيت نقطة مهمة احبُ ان اشير اليها وهي حالتنا النفسية عند الحديث عن الازمة، فمجرد ترديد هذه الكلمة يعني أننا في احدي اربع حالات:

إما ثقة بالغة في ما لدينا تحجب عنا انوار النقد والانفتاح باسم الخصوصية الثقافية والحضارية فننكر سنة التطور ومبدأ الحوار، وهذه حالة عمي ونحن هنا دعاة جمود!

وإما عدم ثقة بالغ فيما لدينا، في ثقافتنا، ونحن هنا دعاة طلاق، وهذه خطيرة، وإما خوف مبالغ فيه من الآخر (من الغرب هنا)، خوف فكري علي الاقل، وهنا في رأيي تكمن فكرة الخوف من الحداثة مثلا، وهنا نحتاج الي هدوء وتعقل لفصل دائرة المخاوف عن دائرة اللامخاوف!! وإما ترف ورياء وحب ثرثرة، وتلك لعمري داهية الدواهي!! فأين نضع حديثنا عن أزمتنا في الشعر وأزماتنا في الحياة ككل؟!

الشعر عندي كالانسان يمر بمراحل من الرضاعة الي الطفولة الي المراهقة الي الكهولة.. ، وكل مرحلة لها متاعبها وصعوباتها، ولكننا في جميع الحالات أمام انسان يمارس تطوره الطبيعي.

هذا الانسان يشكو في كل مرحلة من ان الناس حوله لا يفهمونه، ولا يقدرون عقله وجهده. فهل وعينا ما يجب ان نعي قبل أي حديث عن الازمـــــة؟ أتمــــــــني.. شاعر من الجزائر يقيم في فرنسا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية