أزمة الخطاب الحكومي حول دارفور ومسائل أخري
د. عبدالوهاب الافنديأزمة الخطاب الحكومي حول دارفور ومسائل أخريأعلنت السلطات المعنية، وبعد مخاض طويل، ملامح الاتفاقية التي طال انتظارها حول حقوق ومطالب المتضررين من قيام سد مروي في منطقة المناصير. وشملت الاتفاقية الاستجابة لجل مطالب المتضررين، وعلي رأسها اعتماد ممثليهم المنتخبين في عملية التفاوض، وفصل قضية تعويضات المتضررين عن إدارة السد واعتماد جهة حكومية مستقلة تتولي التعامل مع القضية، وإشراك ممثلي المتضررين في عملية صنع القرار، وإعادة النظر في التعويضات، والسماح للمناصير بالبقاء علي أرضهم وأن تكون ملكية كل الأراضي المحيطة ببحيرة السد لقبيلة المناصير، وعدم نزع أي جزء من الأراضي عدا تلك التي يغمرها السد.ولا شك أن هذه الخطوة التي تأخرت كثيراً تمثل عودة لمنطق العقل في معالجة أزمة كانت مفتعلة إلي حد كبير، وناتجة كلياً من سياسات إدارة السد المتعسفة التي كانت ترفض التعامل مع ممثلي المتضررين وتصر علي فرض الحلول أحادية الجانب، وعموماً تتصرف بطريقة تفتقد الشفافية ويلفها الغموض والشكوك. ويعتبر القرار أيضاً انتصاراً للجنة المنتخبة للمتضررين التي ظل يقودها الدكتور عثمان المقدوم وأحمد عبدالفتاح ورفاقهما، وأيضاً للدكتور الطيب ابراهيم محمد خير مستشار رئيس الجمهورية صاحب المبادرة التي أدت إلي التوصل إلي هذا الاتفاق، إضافة إلي والي ولاية نهر النيل غلام الدين عثمان الذي بذل أيضاً جهداً مقدراً لمعالجة الأزمة، وأعقب الاتفاق بإصدار قرارات فورية لوضعه موضع التنفيذ.ولكن يبقي التساؤل هو: كيف سمح لهذه الأزمة بالتفاقم من الأساس حتي وصلت إلي سفك الدماء وإزهاق الأرواح وهددت أمن البلاد في حين أن حلها كان ممكناً بهذه البساطة؟ وما هي الدروس المستفادة من هذه الوقائع، خاصة لجهة تحديد المسؤولية وتجنب تكرار مثل هذه الأخطاء؟فقد ظلت الحكومة حتي قبل أيام قليلة تنظم حملة إعلامية تولي أمرها مسؤولون كبار، وكان من أهم حلقاتها استدعاء جماعي لقيادات العمل الصحافي وتحميلهم رسالة إلي الرأي العام تلخص وجهة نظر الحكومة في الأمر علي أمل أن ينقلها رجال الإعلام، ثم يتم تلقيها فتنتهي الأزمة التي هي في عرف من رتب لهذه الحملات مجرد سوء فهم من قبل الشعب السوداني ومعظم سكان الكرة الأرضية. وقد جاءت هذه الحملة في أعقاب تحقق ما كان كل العقلاء ينبهون إليه من انفجار لا يقل كارثية عن أزمة دارفور. وكما هي العادة في كل أمر يخص حكومتنا الرشيدة فإن الكارثة حين وقعت كانت أسوأ من كل التوقعات. فقد تفجرت أحداث العنف في منطقة أمري التي لم تكن فيها مشلكة أساساً، وكان المسؤولون عن إدارة السد يضربون بها المثل في أن حلولهم لمشاكل النازحين ناجعة ومقبولة للمتضررين. ووصل التوتر في منطقة المناصير درجة كان الانفجار فيها علي وشك أن يقع في أي لحظة.وحين وقعت الكارثة لجأت السلطات إلي حلول عكست التخبط وعدم فهم المشكلة. فقد بدأ الأمر بحشد عشرات الصحافيين الذين نقلوا جواً وبتكاليف باهظة كان المتضررون أولي بها، حيث خاطبهم المسؤولون وعلي رأسهم السيد نائب رئيس الجمهورية بخطب ركزت علي الإشادة بمزايا السد وما سيوفره للبلاد من طاقة وفوائد أخري. وهذا الأسلوب كان الأسلوب الخطأ لأكثر من سبب. أولاً لأن مشكلة الحكومة لم تكن مع الصحافة والرأي العام وإنما كانت مع المتضررين في منطقة أمري وأرض المناصير. وثانياً لأن القضية لم تكن يوماً التشكيك في مزايا السد وما سيقدمه للبلاد، بل بالعكس، فإن قيمة السد وأهميته هي تحديداً المبرر للاستجابة للمطالب العادلة لمن قام السد علي حسابهم. فإذا كان السد بهذه القيمة والأهمية، فإن التعويض العادل والمعاملة الكريمة التي يطالب بها المتضررون من قيامه تبدو زهيدة جداً بالمقابل.من جهة أخري فإن الحكومة كشفت عن تخبط أكبر في التعامل مع المتضررين. فمن جهة لجأت إلي أسلوبها القديم بتقديم أشخاص ظهروا في أجهزة الإعلام ليزعموا أنهم الممثلون الحقيقيون للمتضررين، ويقوموا بإدانة ما وصفوه بتصرفات القلة الرافضة لنهج الحكومة في فرض الحلول قسراً علي أهل المنطقة. ولم يكلف من حاول إخراج هذه المسرحية المخزية نفسه ليتساءل عن السبب في احتشاد الآلاف من المتضررين (ولعلهم كانوا كل السكان) في المنطقة لإعلان رفضهم لهذه السياسة إذا كان المواطنون وممثلوهم الحقيقيون راضين عن سياسة الحكومة؟ ولماذا لجأت السلطات علي إطلاق النار عليهم وقتل العديد منهم إذا كان الأمر كذلك.علي كل لم تكن هناك حاجة لتأمل طويل في هذه الأسئلة، لأن الحكومة سارعت بدورها بتفنيد هذه الدعاوي بنفسها حين أرسلت عدداً من كبار مسؤوليها إلي المنطقة للاعتذار لأهلها ثم لإعلان خطوات للسماح للمواطنين لانتخاب ممثليهم للتفاوض معها. وكان هذا اعترافاً متأخراً من قبل الحكومة بأن قضية التمثيل كانت هي جوهر الخلاف حالياً بين الحكومة والمتضررين. ذلك أن الحكومة ظلت تصر علي التعامل فقط مع أشخاص عينتهم هي وأعطتهم صفة التمثيل وترفض التعامل مع اللجان المنتخبة من قبل المواطنين. وقد أطلق المواطنون علي أعضاء هذه اللجان تسمية الـ كارزايات (نسبة إلي رئيس أفغانستان المعين من قبل الاحتلال حامد كارزاي). ولا شك أن التشبيه المتضمن للحكومة بسلطة احتلال أجنبي في منطقة كان من المفترض أن تكون منطقة نفوذها الطبيعية كان ينبغي أن يكون مبرراً للاستقالة (إن لم يكن لإجراء أكثر راديكالية) لكل من لديه أحاسيس طبيعية، ولكن!مهما يكن فإن الحكومة قد عادت أخيراً إلي جادة الصواب، فقبلت الحوار مع الممثلين الحقيقيين للمتضررين، وهو الطريق الأقصر والطبيعي لحل المشكلة. يبقي السؤال هو: لماذا إذن كان كل هذا اللف والدوران، ولماذا لم تقم الحكومة منذ البداية باتخاذ هذه الخطوة الطبيعية بالتعامل مع الممثلين الحقيقيين للمواطنين والتعامل مع مطالبهم بشفافية وموضوعية؟ ولماذ تنتظر كعادتها حتي تحول سياستها المناطق الآمنة إلي مناطق للقتل والدمار قبل أن تتحرك نحو تصرف عقلاني لا مفر منه؟ ولماذ تتبني الحكومة من الأساس مثل هذا الخطاب العقيم الذي لا يخاطب القضية ولا يقنع أحداً؟ ألا يوجد من أهل العقل من ينصح هؤلاء القوم بألا يطلقوا النار علي أقدامهم في كل مرة؟يمكن تلمس بعض الإجابة هنا في المنهج السياسي ـ الإعلامي الذي تتبعه الحكومة كما يتجلي في حملة إعلامية أخري تزامنت مع حملة سد مروي، وكان من معالمها كذلك لقاء صحافي جامع بمناسبة اتفاق دارفور احتشد له عدد ضخم من كبار الصحافيين حشروا للاجتماع حشراً وخاطبه أيضاً السيد نائب الرئيس علي عثمان محمد طه. وكان مما هون عليهم الاستجابة للاستدعاء شبه القسري الإغراء بأنهم سيمنحون الفرصة للتداول مع المسؤول الكبير وتوجيه الأسئلة له. ولكن الذي حدث أن السيد نائب الرئيس أطل علي الحفل وتلا عليهم خطاباً أعد سلفاً ثم انصرف دون أن يتيح لهم أي فرصة لطرح الأسئلة. وعلاوة علي كون هذا الأسلوب المخيب للآمال مما لا يسهل التعاون المطلوب مع قادة الصحافة الذين ضيعوا كثيراً من الوقت والجهد لحضور تلاوة بيان كان بوسعهم الاستماع إليه من الإذاعة او تلقيه عبر الفاكس، فإن مثل الخطاب الأحادي الأجانب يعيد انتاج المشكلة. فحتي بافتراض صحة تشخيص الحكومة لمشكلتها مع الرأي العام المحلي والدولي (عدم الفهم الجماعي) فإن تصحيح هذه المشكلة يتطلب الاستماع إلي القوم المصابين بسوء الفهم، وتلمس طبيعة سوء الفهم الذي ابتلوا به حتي يتسني وصف العلاج المناسب لكل حالة. ولكن ما حدث كان كحال الطبيب الذي يصف للمريض العلاج مقدماً دون أن يستمع إلي شكواه أو يقوم بالكشف عليه.في الحديث حول دارفور مثلاً نجد الأخ نائب الرئيس يطلق الدعوة الحكومية المعهودة للمعارضين للعودة إلي البلاد لأن البلاد لا تضيق بأهلها كما قال. هذا الخطاب إشكالي لأكثر من سبب. أولاً لأن من وجهت إليهم الدعوة ليسوا خارج البلاد، وإلا فكيف يقاتلون الحكومة وليس عندهم صواريخ كروز أو طائرات ب 52؟ وثالثاً لأن مثل هذه الدعوة تتضمن الادعاء المغلوط بأن البعض أصبح أحق بالبلاد من بقية أهلها بحيث يتصرف كصاحب الدار ويدعو الآخرين للدخول، مما يعني أنه أيضاً يملك الحق في حرمانهم من ذلك. وثالثاً لأن البلاد فعلاً ضاقت بأهلها تحديداً لأن الحكومة تتبع سياسات تضيق علي الناس في أرزاقهم وحرياتهم وحتي مقامهم. وهل هناك تضييق (بالمعني الحرفي للكلمة) من أن يخرج الناس من بيوتهم ويشردوا إلي معسكرات النزوح، أو تغرق أوطان بكاملها بالماء ثم يقال لسكانها أنه لا مسكن لكم إلا الصحراء التي لا تصلح لسكني بشر ولا دابة؟وهذا يعيدنا إلي لب الموضوع، وهو أن القضايا المطروحة هي قضايا سياسية، تحتاج إلي معالجة سياسية، وليست قضايا تقنية تتعلق بالتعويضات وما شابه ذلك. وهذا خلط وقع فيه حتي بعض قادة حركات دارفور، حيث قرأت لأحدهم تعليقاً يقول فيه إن نخل الشمال أغلي عند الحكومة من إنسان دارفور، لأن الحكومة بزعمه عوضت متضرري السد عن نخيلهم وترفض تعويض أهل دارفور. وهذه نظرة خاطئة للموضوع، بداية لأن الحكومة لم ترفض تعويض أهل دارفور، بل إنها لم تقبل مجرد البحث في التعويضات العادلة لمتضرري السد إلا بعد أن قبلت وتعاهد معها المجتمع الدولي علي تعويض متضرري دارفور. إضافة إلي ذلك فإن التعويض في الحالين هو للإنسان المتضرر، فالمقارنة إذن ليست بين نخيل وإنسان، بل بين إنسان متضرر وآخر. وأخيراً لأن الوضع في الحالين مختلف، فأهل دارفور متهمون بقتل بعضهم بعضاً، والشخص المتحدث قد لا يكون بريئاً من دماء الأبرياء، ولعل هناك من يستحق التعويض والقصاص منه بسبب ما جنت يداه. أما متضررو السد فلم يقتلوا أحداً ولم يعتدوا علي بريء أو مذنب، علي الأقل حتي الآن. إذن فالمقارنة خاطئة وظالمة، وكان الأولي بالجميع المطالبة بإنصاف كل طالب حق، بدلاً من السقوط في فخ التعميم والانحياز الطائفي والدعاية المضللة.هناك بالطبع إشكال أعمق أشرنا إليه أكثر من مرة من الصعوبة التي يواجهها جماعة “السوبر تنظيم” الذين مردوا علي العمل السري وتفوقوا فيه حين يواجهون بمتطلبات العمل السياسي العلني وما يستدعيه من حوار وأخذ وعطاء وتبرير للمواقف. فشروط النجاح في العمل السري تختلف، وأحياناً تتناقض مع شروط ومطالب العمل السياسي العلني. ولكن هذا مبحث يطول ولنا إليه عودة إن شاء الله.9