بغداد ـ «القدس العربي»: تعوّل الحكومة العراقية على موافقة مجلس النواب العراقي على مشروع قانون يتيح لها الاقتراض «داخلياً وخارجياً» لتأمين مرتبات الموظفين والمتقاعدين والمستفيدين من شبكة الرعاية الاجتماعية للأشهر المقبلة، في ظل أزمة مالية ـ اقتصادية خانقة تعاني منها.
وعدّ عضو اللجنة المالية النيابية أحمد الحاج، تصريح المتحدث باسم الحكومة، أحمد ملا طلال، بأن لا رواتب للموظفين إلا بإقرار قانون الاقتراض، بإنه «إعلان للإفلاس».
وقال في «تغريده» له، إن «صح التصريح للناطق الرسمي للحكومة أن لا رواتب الا بعد موافقة البرلمان على قانون تمويل العجز فهو اعلان للإفلاس».
وأضاف: «أو يريدون (الحكومة) خلق أزمة بين الحكومة ومجلس النواب لنسيان فشل الحكومة وعدم قدرتها على المضي بالإصلاحات الاقتصادية والورقة البيضاء. صار مثل أرض جرداء لا ينبت الزرع ولا يسقي الحرث».
في زاوية أخرى، أكد النائب عن ائتلاف «دولة القانون» منصور البعيجي، أن أغلب النواب لن يسمحوا للحكومة باقتراض الأموال وإرسالها إلى حكومة إقليم كردستان «تحت ذريعة تسديد الرواتب».
وقال، في بيان صحافي، إنّ «وزارة المالية والجهات المختصة قد صرحوا نهاراً وجهاراً عند تصويت مجلس النواب على الاقتراض من أجل دفع الرواتب، أن رواتب موظفي الدولة مؤمنة حتى نهاية العالم حتى تفاجأنا بتقديم طلب آخر للاقتراض، والأموال ترسل إلى الإقليم بدون قيد أو شرط».
وأضاف: «على الحكومة الحالية عدم إرسال دينار واحد إلى حكومة إقليم كردستان بسبب عدم التزامها واحترامها للقانون والدستور بتسليم إيراداتها إلى الحكومة الاتحادية، الأمر الذي يحتم على الحكومة الاتحادية تطبيق القانون والدستور وعدم إرسال الأموال مهما كان السبب، لأن حكومة الإقليم لم تلتزم بواجباتها تجاه الحكومة الاتحادية».
وتابع: «من غير المعقول أن يتم تأخير صرف رواتب الموظفين لأكثر من 45 يوماً والأموال ترسل إلى حكومة إقليم كردستان بدون قيد أو شرط، لذلك على الحكومة الاتحادية، أن تطبق القانون والدستور وأن لا تجامل حكومة الإقليم على حساب محافظاتنا لأن هذا الأمر غير مقبول ولا يمكن القبول به نهائياً وسيكون لنا موقف داخل قبة البرلمان».
في السياق، حذّرت منظمة عراقية مُستقلة، من خطورة تآكل الطبقة المتوسطة في العراق، وزيادة نسب الفقر التي تعزز الشعور بالتهميش المؤدي إلى العنف، ملوحة بقرب زيادة التوترات الاجتماعية والسياسية والأمنية في العراق خلال الأشهر القادمة، فيما لا تزال الحكومة تسعى لتأمين معاشات الموظفين عبر «الاقتراض».
تحذير من أن زيادة نسب الفقر تهدد بارتفاع التوترات الاجتماعية والسياسية والأمنية
ونشرت «المجموعة المستقلة للأبحاث» تقريراً لمنسق المنظمة في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، منقذ داغر، جاء فيه: «التآكل الشديد في حجم الطبقة الوسطى والمصحوب بهذا النمو الشديد في حجم الطبقة الفقيرة، لابد من أن ترافقه جملة من المظاهر الاجتماعية والسياسية والثقافية التي تزيد من احتمالات الصراع الاجتماعي والسياسي، فضلاً عن تقليصها لإمكانيات الروافع الاقتصادية التي تؤدي إلى نهوض الاقتصاد الوطني ككل. فمثلاً يلاحظ تصاعد كبير في حدة الخطاب الشعبوي في العراق، كما بات القادة الشعبويون يحظون بمقبولية من قطاعات مختلفة في المجتمع العراقي».
وأضافت: «لعل من الطبيعي افتراض أن زيادة الفقر يؤدي إلى زيادة الشعور بالتهميش وبالتالي يزيد من احتمالات العنف. ففي بلد مثل العراق يمتلك مصادر ضخمة من الثروات الطبيعية، تزداد توقعات السكان لما ينبغي أن يحصلوا عليه، أو ما يعتبروه حقهم الإلهي في الثروة. هذا يرفع من مستوى التوقعات بين العراقيين ويجعلهم يقعون تحت تأثير ما يسمى بالحرمان النسبي. وهناك علاقة ارتباط إيجابية بين مستوى الشعور بالحرمان النسبي ومستوى عدم الرضا، وأحياناً العنف المتوقع. من هنا يمكننا فهم أسباب الانتفاضة العراقية المستمرة منذ 2019».
وزاد: «تفحص مستويات العنف اليومي في العراق يوضح كيف أن العنف قد ازداد في شوارع العراق ومدنه خلال السنوات الماضية.
كما أن زيادة أعداد ونفوذ المجاميع المسلحة والعشائر المسلحة في العراق يعطي هو الآخر مؤشر على تأثير تآكل دخول العراقيين على حياتهم بشكل عام، وزيادة مستوى شعورهم بالحرمان النسبي».
ووفق المصدر «شهد العراق تغيراً واضحاً في هيكل الطبقات الاجتماعية خلال السنوات الماضية. وعلى الرغم من الطفرة الكبيرة التي حصلت في انتاج النفط وعائداته خلال السنوات الخمس عشرة التي سبقت جائحة كورونا، فإن تآكلاً واضحاً في الطبقة الوسطى العراقية قد حصل، صاحبه طفرة كبيرة في مستويات الفقر».
وتابعت الدراسة: «لقد كان للتأثير المركب للحرب ضد الإرهاب في العراق وهيمنة الأشباح الثلاثة- كما وصفها أنثوني كورزمان- على امكانات الدولة العراقية اقتصادياً وأمنياً وبيروقراطياً دور كبير في جعل عوائد النفط العراقي تتحول إلى نقمة مضاعفة بدلاً من أن تكون نعمة للتنمية والرفاه».
وأشار إلى أن «هذا التأثير المركب لتقلص الطبقتين الغنية والوسطى والقفزة، زاد من احتمالات التصادم الاجتماعي والسياسي في بلد يعاني أساساً من هشاشة مؤسساته وقلة الثقة بقدراتها وإمكاناتها. لذا فإن من المتوقع جداً زيادة التوترات الاجتماعية والسياسية وحتى الأمنية في العراق خلال الأشهر المقبلة. وليس من المستغرب رؤية الانتفاضة الشعبية وقد امتدت للمحافظات السنية والكردية. ومما قد يزيد الأمر سوءاً أن تأثيرات جائحة كورونا الاقتصادية والاجتماعية لم تصل ذروتها بعد، مما يعني أن العراق مازال في عملية هبوط حر ولم يبلغ القاع بعد!».
ووفقاً لداغر فإن «لم تستطع حكومة العراق، وربما لأول مرة منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921، من دفع رواتب الموظفين والمتقاعدين وبقية من يتقاضون رواتب عامة والذين يزيدون عن 8 ملايين عراقي باتوا يستنزفون كل الإيرادات العامة (النفطية وغير النفطية)!! وإذا علمنا أن الغالبية الكبرى ممن تبقوا ضمن نطاق الطبقة الوسطى هم من موظفي الدولة، وأن تقديرات اليونسيف تشير الى زيادة متوقعة في اسعار المواد الغذائية قد تصل الى 20 ٪مما يستنزف دخول كثير من هؤلاء الموظفين، فعلينا توقع سقوط عدد أكبر من العراقيين في براثن الفقر».
ورأى إن «مشكلة التنمية في العراق تثبت مرة أخرى، وكما ثبت في كثير من دول العالم الأخرى، أن الاقتصاد هو متغير تابع للسياسة. بالتالي لا يمكننا توقع أي تحسن في مستوى النمو الاقتصادي مادامت السياسات البائسة في مجالات الحوكمة، والأمن، ومكافحة الفساد، والبيروقراطية، والعدالة الاجتماعية، والمشاركة السياسية لم تتحسن. باختصار فأن العراق يحتاج لانتفاضة سياسية ـ مؤسسية كي يتمكن من تصحيح أوضاعه الاجتماعية والاقتصادية».