أزمة الطاقة تضع أكثر خطط العالم طموحاً بشأن مكافحة تغير المناخ على المحك

حجم الخط
0

واشنطن – د ب أ: لم يكن الارتفاع القياسي في أسعار الطاقة ليأتي في وقت أسوأ من هذا بالنسبة لخطة الاتحاد الأوروبي الطموحة لمكافحة تغير المناخ، حيث شرع الساسة للتو في الحديث عن كيفية تنفيذ الإستراتيجية الأكثر شمولاً في العالم لخفض الانبعاثات الكربونية.
فحسب تحليل نشرته وكالة بلومبرغ للأنباء، فإن إزمة الطاقة تشكل تهديداً بحدوث زيادة كبيرة في فواتير استهلاك الكهرباء قبل قدوم فصل الشتاء القارص، كما أنها تشكل ضغطاً كبيراً على عمالقة صناعة الطاقة.
وفي الوقت الذي تهرع فيه الحكومات الأوروبية لتخفيف حدة تداعيات زيادة أسعار الطاقة على المستهلكين، تعهدت اليونان، على سبيل المثال، بدعم فواتير الكهرباء، في حين ظهرت مخاوف من حدوث انقطاع في التيار الكهربي في المملكة المتحدة الأسبوع الماضي لتشكل ذكرى حية للهشاشة التي تتسم بها إمدادات الطاقة.
وبالنسبة للاتحاد الأوروبي، الذي يقترح حظر السيارات التي تعمل بالوقود الأحفوري (النفط والغاز) بحلول عام 2035، وفرض تكاليف جديدة على التدفئة غير النظيفة في المنازل، ستشكل الأسعار الباهظة لمثل هذه الخطة الطموحة خيبة أمل أكثر قسوة للناخبين الذين يعانون بالفعل جراء الارتفاعات الكبيرة لفواتير استهلاكهم للطاقة.
ونقل التحليل عن بيتر فيز، المستشار البارز في مؤسسة «رود بيديرسون» للاستشارات الخاصة بالشؤون العامة، قوله «بالطبع، من الممكن للمستوى الحالي لأسعار الطاقة أن يجعل المناقشات الخاصة بحُزمة مكافحة تغير المناخ أكثر صعوبة.»
وأضاف فيز، الذي كان مساعدا لأول مفوض أوروبي لشؤون المناخ «ولكن إضعاف الحُزمة بسبب أزمة الطاقة الحالية سوف يصرف الانتباه عن الحل على المدى الطويل، والذي يتمثل في خفض اعتماد أوروبا على الوقود الأحفوري، دون التعامل مع السبب وراء أزمة الغاز الطبيعي القائمة حالياً».
وتشهد أسعار الغاز الطبيعي والطاقة في الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أكبر ارتفاع لها على الإطلاق، في الوقت الذي تتعافي فيه اقتصادات هذه الدول من تداعيات جائحة كوفيد-19. وتأتي الزيادة في الطلب في وقت تراجعت فيه إمدادات الغاز من النرويج وروسيا، التي تتهمها بعض الدول بالتلاعب.
وفي الوقت نفسه، أدت إستراتيجية الاتحاد الأوروبي لتسريع وتيرة خفض الانبعاثات في جميع القطاعات إلى تعزيز الطلب على تراخيص الكربون، حيث تجاوزت الأسعار الضعف خلال العامين الماضيين لتصل إلى مستوى قياسي جديد.
ويريد الاتحاد الأوروبي قيادة الجهود العالمية لمكافحة التغير المناخي، ليعطي مثالا للدول الأخرى صاحبة معدلات الانبعاثات المرتفعة، مثل أمريكا والصين. والهدف الأسمى من وراء الاتفاق الأخضر الأوروبي الذي تم التوصل إليه في تموز/يوليو الماضي هو الوصول إلى «صفر انبعاثات بحلول عام .2050»
ويهدف الاتفاق إلى موائمة الاقتصاد مع هدف ملزم وأكثر صرامة، يتمثل في خفض الانبعاثات بنحو 55%، على الأقل، بحلول عام 2030، مقارنة بمستويات عام .1990
أما بالنسبة للدول الأوروبية الأقل دخلا- وأيضا بالنسبة للصناعات كثيفة الطاقة- سيكون أثر أي عملية انتقالية موجعا، وسيقع الاتحاد الأوروبي تحت ضغوط لتخفيف حدة الصفعة جراء القفزة الحالية في الأسعار.
وقد بدأت الحكومات الأوروبية، من مدريد إلى أمستردام، اتخاذ خطوات لتخفيف التداعيات المباشرة لأزمة الطاقة والحيلولة دون صدور رد فعل حاد على سياسات خفض الانبعاثات.
وقالت إسبانيا في خطاب للاتحاد الأوروبي يحمل تاريخ 20 أيلول/سبتمبر الجاري إن إجراءات خفض الانبعاثات «قد لا تصمد أمام أسعار الكهرباء التعسفية إذا امتدت لفترة طويلة، مشيرة إلى مظاهرات أصحاب «السترات الصفراء» التي عصفت بفرنسا قبل عامين.
وفرضت أزمة الغاز نفسها بقوة على اجتماع وزراء الطاقة الأوروبيين الأسبوع الماضي، والذي عقد بالأساس لمناقشة مشروعات قوانين تهدف إلى تعزيز دور مصادر الطاقة المتجددة، وزيادة ترشيد الطاقة.
ويتمتع الاتحاد الأوروبي بصلاحيات محدودة فيما يتعلق بسياسة الطاقة، والتي تظل إلى حد بعيد في متناول الدول الأعضاء. وتعهدت المفوضية الأوروبية بأن تنشر خلال الأسابيع المقبلة الخطوط الاسترشادية الخاصة بالأدوات التي تستطيع الدول الأعضاء توظيفها على المدى القصير، فيما يتعلق بقانون الاتحاد الأوروبي. وتتضمن الاختيارات المتاحة، خفض ضريبة القيمة المضافة، والضرائب على الطاقة.
وفي اليونان، تعهد رئيس الوزراء، كرياكوس ميتسوتاكيس، في وقت سابق بضمان تقديم دعم للمستهلكين خلال الربع الأخير من العام لجميع الأسر بهدف تغطية الجزء الأكبر من الزيادة المتوقعة في فواتير الكهرباء. كما أعلن خفض قيمة الضريبة على المبيعات حتى شهر حزيران/يونيو 2022، على البن والمواصلات والمشروبات غير الكحولية، ودور السينما، وصالات اللياقة البدنية، ومدارس الرقص وحزم الرحلات السياحية.
وقامت هولندا بتعديل الميزانية لتشمل 500 مليون يورو (585 مليون دولار) من أجل خفض تكاليف الطاقة على الشركات والأُسر.
وستفرض إسبانيا ضريبة لم تكن متوقعة على مرافق الطاقة، وستضع سقفاً لفواتير استهلاك الكهرباء، وهي خطوات يرى معارضون أن من شأنها الحد من الاستثمارات في مصادر الطاقة المتجددة.
ويقول المحلل في بنك «آر بي سي يوروب ليمتد» جون ماسك «يبدو من غير المحتمل أن يعكس الساسة المسار ليعودوا إلى توليد الطاقة باستخدام الفحم، أو إدخال تعديلات على نهج التعامل مع انبعاثات الكربون… من الصعب تحديد الإجراءت التي يمكن تبنيها لتخفيف قيود العرض والطلب على الغاز والكهرباء في المدى القريب.»
وتختتم الوكالة تحليلها بالقول أن أكبر مستهلكي الطاقة في مجال الصناعة يواجهون خطر التعرض للآثار المباشرة لارتفاع الأسعار. وتشير إلى أن شركة «نيرستار إن في» لإنتاج الزنك أعلنت يوم الخميس الماضي خفض الإنتاج في مصنع رئيسي لها في الدنمارك خلال ساعات الذروة اليومية.
وبالنسبة لمنتجي الألومنيوم في أوروبا، قد تصل تكاليف الكهرباء إلى حوالي 80% من السعر الكلي للمنتج، حسب ما ذكرته وكالة «يوروميتوكس» التي تمثل منتجي المعادن في القارة، لمفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون الطاقة كادري سيمسون، ودعت إلى مزيد من الدعم للقطاع.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية