أزمة العقل الكنَسيّ في الغرب:

حجم الخط
0

أزمة العقل الكنَسيّ في الغرب:

الكنيسة الغربية ليست سلبيّة ومنعزلة ومبعَدة وهي تسجّل في الواقع حضورا اجتماعيا وسياسيا في مجتمعاتهاتأخر الاعتراف بحقوق المهاجرين بتأثير الكنيسة والحوار الاسلامي ـ المسيحي يعاني من خلل بنيوي وعقدة استعلاء أزمة العقل الكنَسيّ في الغرب:د. عزالدين عناية ہ يأتي حضور الدّين بشكله المؤسّسي، في الغرب، من بين أكثر الأنماط المؤسّسية الاجتماعية تركيبا وتداخلا ونشاطا، وفي مقابل ذلك يحضر التديّن بمفهومه الفِطْري الرّوحي دون ذلك بكثير، لضمور أثره وتواري ملامحه. خلّف ذلك التوّازي اللاّمتوازن عدّة أوجه من التّضارب، كانت وراء توليد أزمات مختلفة داخل الهيكل الدّيني العام، انعكست آثارها في الدّاخل كما الشّأن في الخارج. من ذلك التضارب، بين الدّين كمؤسّسة، والتديّن كتفعيل، نحاول استعراض بعض أوجه تلك الأزمة. 1- الكنيسة وخيار المحرومين أو المترفينبرغم فسيفساء النّحل والعقائد التي تميّز الواقع الدّيني المسيحي الغربي، يجمع رابط مشترك بين كنائسه المختلفة، مما يجوّز إطلاق نعت كنيسة علي شتاته المتنوّع، نظرا لوحدة الإيقاعات التي تضبط علاقاته الدّاخلية ونظرته للآخر الحضاري. فجرّاء القوّة المادّية التي تميّز الغرب الحالي، وسمات الهيمنة التي تطبع سياسته الخارجية، رافقتها قناعة لدي السّاهرين علي مؤسّساته الدّينية، ترنو للعب نفس الدّور في مجال النّفوذ الرّوحي علي العالم أيضا. تلخّص ذلك في السّعي للوصاية علي الأخلاق الدّينية ، والتطلّع لإعادة تربية الجنس البّشري، بغرض إعادة تهيئته روحيّا عبر مداخل مختلفة، منها ما سمّي بالأنجلة، أو بإعادة الأنجلة، أو بحوار الأديان أو بحوار الحضارات. وهو ما جعل بعض المفكّرين واللاّهوتيين المنشقّين، ينتقدون بشدّة هذه المركزية، فقد دعا اللاّهوتي الألماني السّويسري هانس كونغ في كتابيه: الأديان والأخلاق العالمية و نحو أخلاق عالمية للسياسة والاقتصاد ، الصادرين بإيطاليا سنة 2002، لأخلاق كونية شاملة كبديل لمركزية طروحات الكنيسة الحالية.وتحاول الكنيسة، في التاريخ المعاصر، وخصوصا منها تفرّعيها الكاثوليكي والإنجيلي الأمريكي، أن تبقي عين الغرب الرّاصدة في الخارج، عبر تنبيه العقل السّياسي وإشعاره، بنقاط التحذير والانتقاد للعالم الإسلامي أو للعالم الكنفوشيوسي، وغيرها من الفضاءات الحضارية التي تشهد تدافعا مع الغرب أو مع الكنيسة. فنظرا لما تملكه المؤسّسة الدّينية الغربية من قدرات علمية وإمكانيات، متمثّلة في مراصد ومعاهد ورجالات وخبراء، تحاول من خلالهم صنع تلك الهيمنة، تعضدها في بلوغ مقصدها ارتباطات مع أقلّيات دينية منتشرة في أرجاء العالم، استطاعت أن تستوعبها وتحتضنها، تارة عبر التحذير من الذّوبان في الدّاخل وطورا عبر الإغراء بربط مصالحها بالخارج، موظّفة إياها لصنع الحدث السّياسي الدّيني الإشكالي الذي تنتَقَد منه بلدانها، أو مجتمعاتها، خصوصا إذا ما كانت متعدّدة الأعراق والدّيانات، سواء في خياراتها الثقافية أو الاجتماعية أو السياسية. وضمن لعبة التوظيف تلك، غالبا ما أخطأ مسيحيو الشّرق التّقدير حين اعتبروا الغرب حامي المسيحية وراعيها، ولم يدركوا أنه مجموعة من المصالح الوطنية المختلفة، استغلّت مسيحيي الشّرق لتفتيت عديد المجتمعات، وفي أيّامنا لصياغة توازنات قوي خارجية وربط تطلّعات الأهالي المحليين وإرادتهم بالخارج.فأحيانا يحاول الغرب السّياسي، عبر الكنيسة، أن يبرّر فعله بخلفية خلقية وإنسانية، تتستّر وراء يافطات متنوّعة: حوار الأديان، حوار الثّقافات، ادعاءات القضاء علي الفقر والأوبئة، تدعمه في ذلك آلة دعائية، تحاول توجيه الوعي العالمي، حتي وفّقت في إلحاق هزيمة دلالية بقضايا مشروعة، لدي مظلومين عدّة، وقد حازت الكنيسة نصيبا معتبرا في تلك المهمّة.فذلك الارتباط المتين بين استراتيجيا السّياسة وتطلّعات الكنيسة، والذي حضر فيه رجل الدّين، مبرّرا ومباركا لا فاعلا ومبادرا، غالبا ما انعكس أثره سلبا وقلّص من فرص بناء ثقة مع التكتّلات الحضارية والدّينية الأخري، بغرض تأسيس إيلاف جامع بين أتباع الأديان. وقد تولّد اقتناع الإكليروس في العهود السابقة بإقرار الارتباط بالآلة السّياسة، بعد يقين الكنيسة من دحرها خارج مجال النفوذ السّياسي المباشر في السّاحة الغربية، فرضيت بما منح لها من موقع خلفي. وفي الزّمن الحالي، تحاول اكتساب ما فرطت فيه، عبر امتلاك الحقيقة الخلقية كونيا، بالاستناد إلي قوي هيمنة دولية في المجال السياسي. والواقع أنه ليس من الهيّن للكنيسة، في ظلّ تحالفها الجليّ والخفيّ مع الآلة السّياسية، التي يطبعها التجبّر، إرساء حوار شفّاف مع الأديان الأخري أو مع الفضاءات الحضارية المحاصَرة نهضتها، تكسب فيه ثقة أتباعها، نظرا لمحاولة الكنيسة الصّعبة للإمساك بالمتناقضات في الآن نفسه، المتمثّلة في الولاء للمستكبِر والدّعم للمستضعَف. لذلك تأتي مساعيها للحوار مع الحضارات الأخري باهتة ومفتقدة لدعامات القوّة، لعلّ هذا الوهن ما جعل الكنيسة تتعثّر حتي الآن في إرساء حلف ديني عالمي، برغم توفّر قدرات هائلة مؤسّسية وتكنوقراطية ومالية لديها.فممّا قلّص الثّقة بين التكتّلات الدّينية العالمية المختلفة، أن الجانب القوي منها -وهو الطّرف الكنسي- يهدف في انفتاحه علي الفضاءات الحضارية الأخري لاحتوائها، وليس لتطارح الإشكاليات معها والبحث لها عن حلول مشتركة وعادلة، تُبني علي أساسها خلقية كونية جامعة، في كنف الندّية الحضارية والدّينية. استلزم بلوغ ذلك الهدف توظيف مقولة الحوار بدل مقولة التبشير المحورية، بعد أن صارت الأخيرة تلاقي انتقادا. وحتي علم التّبشير و لاهوت الأديان ، النّاشطان داخل المؤسّسات الأكاديمية الكاثوليكية، في الجامعات البابوية الرئيسية بروما، الغريغورية والقدّيس توما الأكويني، لم يقدرا حتي الرّاهن علي تجاوز الإرث اللاّهوتي القديم، وإنتاج خطاب منفتح يتجاوز ضيق الرّؤي القروسطية، المتلخّصة في ألاّ خلاص خارج الكنيسة.جاء في وثيقة صادرة عن مجمع عقيدة الإيمان ـ ، وهي أعلي الهيئات الفاتيكانية السّاهرة علي العقيدة، ضمن تصريح Dominus Iesus ، بإمضاء مفتّش العقائد السّابق، الكردينال جوزيف راتزينغر، بنيدكتوس السّادس عشر، الذي يشغل في الرّاهن منصب الحبر الأعظم في حاضرة الفاتيكان: الحوار وإن كان يشكّل جانبا من رسالة الأنجلة، فهو واحد من أدوات الكنيسة لتبشير الأمم، والندّية المطروحة أثناء الحوار، تتعلّق بتساوي الكرامة الذّاتية للأطراف، لا بالمحتويات العقدية التي بحوزتها ، الأمر الذي جعل أحد منتقدي الكنيسة من الدّاخل، ليوناردو بوف في كتاب صدر سنة 2005 بإيطاليا، بعنوان: بابا تتعذّر محبّته ، يعلّق علي هذا الموقف المتملّك للحقيقة بقوله: هذا ليس حوارا بل ذمّا . تلك العَقَدِيّة الخلاصيّة تشترك فيها كبري التيّارات المسيحية الكاثوليكية والإنجيلية، ففي منطقة حزام التوراة ، في الولايات الجنوبية في الولايات المتّحدة الأمريكية، أين تهيمن التيّارات الإنجيلية، يبقي الشّعار الأساسي المرفوع المسيح هو الحلّ Jesus is the answer . 2- تحدّيات الدّاخل:علي خلاف الرّؤية الشّائعة عن الكنيسة الغربية كونها مؤسّسة سلبيّة، منعزلة ومبعَدة، تسجّل في الواقع حضورا نشيطا في المجتمعات التّابعة لها، تختلف حدّته من بلد لآخر. ولم يخل ذلك الحضور من إثارة عديد الانتقادات لها، سواء في ما تعلّق منها بالشأن الدّيني أو بالشأن المدني. عبّر عن ذلك العنت الاجتماعي منشقّون داخليون، لعلّ أشهرهم اليسوعي كارل راهنر (1904ـ 1984)، الذي أجبر علي الصّمت من نظامه الكهنوتي في الخمسينيات، بضغط من الفاتيكان؛ وكذلك اليسوعي تايلار دي شاردان (1881 ـ 1955)، الذي منع من نشر مؤلّفاته، بغرض تحييد حضوره العلمي؛ وكذلك الدّومينيكاني ايفاس كونغار (1904 ـ 1995)، عقل جماعة اللاّهوت الجديد – Nouvelle thژologie ـ، الذي نفي من فرنسا إلي القدس بسبب آرائه المغايرة؛ وفي الرّاهن الحالي نجد الذّائع الصّيت اللاّهوتي السويسري الألماني هانس كونغ.يَعتبِر هذا الأخير أن تثبيت بني السّلطة في الكنيسة الكاثوليكية، تعود منطلقاته للقرون الوسطي، ثم جري تدعيمه أثناء الإصلاح المضاد ، واستحضر كمفاتيح مضادة للحداثة خلال القرنين الأخيرين. يحدّد كونغ مجموعة انتقادات للكنيسة الكاثوليكية، ممثّلة في هرم قيادتها البابا السّابق كارول ووجتيلا، تتلخّص في ما سماه بـ أزمة الأمل . فالبابا يوحنا بولس الثّالث كارول ووجتيلا يدعو للحوار في الخارج وينقضه في الدّاخل. كما أن سعي الكنيسة للحوار مع أديان العالم يصحبه في الآن تواصل احتقارها معتبرة إياها أشكالا ناقصة من الإيمان ، كما لا زال البابا يعرض نفسه مبشّرا بالشّكل القديم. بالإضافة، أن الفاتيكان عادي في السّابق حقوق الإنسان ثم تراجع عن ذلك وسعي للاندماج مع السّياسات الأوروبية، لكنّه رغم ذلك لم يوقّع بعد علي إعلان حقوق الإنسان للمجلس الأوروبي.كما تتواصل مواقف الكنيسة السّلبية من الشأن العائلي، حيث تستمرّ معارضتها لوسائل منع الحمل. وهي تعارض الفقر، وتمنع في الآن تنظيم النّسل، الذي يحدّ منه ومن مرض فقدان المناعة. كما يري كونغ أن ترويج الأنموذج الكهنوتي الذّكوري العزوبي، كان وراء انحرافات خلقية خطيرة، مثل انتشار الاعتداء الجنسي علي الأطفال واللّواط والسّحاق بين رجال الدّين والرّاهبات، مبيّنا أن العزوبة المفروضة هي تنكّر لما ساد في الألفية الأولي، التي لم تعرف فيها المسيحية هذا المنع. أـ الاحتكار الكاثوليكيكتب ويليام. ف. باينبريدج رئيس المؤسّسة المعمدانية الأمريكية ورئيس وفود التبشير الخارجية سنة 1882، أنه خلال زيارة لروما فتّش مراقبو شرطة البابا بيو IX كافة أمتعتنا لمنعنا من إدخال الكتاب المقدّس إلي المدينة المقدّسة . جري هذا الأمر في وقت سالف، بيد أنه حتي سبعينيات القرن الماضي، لا يزال بإمكان الكهنة الكاثوليك فقط إجراء قُدّاس الزّواج في إيطاليا، كما ليس بمقدور البروتستانتيين فسخ عقود زواجهم، إذا ما أقرّت من الكنيسة الكاثوليكية. ونجد الإذاعات والتلفزات الحكومية في إيطاليا تبثّان كلّ أسبوع عدّة ساعات من البرامج الكاثوليكية، في حين تبقي الأديان الأخري مغيبة كلّيا. وقد يحضر بعضها، مثل الإسلام، في برامج احتقار وتجريح، تمس كرامة أتباعه وسماحة تعاليمه، برغم أن الإسلام الدّين الثّاني في إيطاليا من حيث عدد الأتباع.وفي الثلاثين من شهر تشرين الاول (أكتوبر) سنة 1981، سحبت الحكومة البلجيكية بشكل نهائي تحجيرها التام، عبر السّكك الحديدية وعبر البريد، نقل مطبوعات شهود يهوه، والتي من ضمنها الكتاب المقدّس. بالمثل حتي كانون الاول (ديسمبر) 1974، كانت الشّرطة البرتغالية تُصادر وبشكل روتيني كتابهم المقدّس ومطبوعاتهم الدّينية، وعادة ما تعنّفهم بشكل مفرط. وفي كانون الثاني (يناير) 1991، نقّحت البرتغال قانونا كان يسمح للكاثوليك فقط بتدريس مادة الدّين، منِحت بموجبه بعض الحقوق للبروتستانيين أيضا.وفي سنة 1970، أصدرت إسبانيا مرسوما للتسامح الدّيني، يجيز لغير الكاثوليك تولّي بعض الوظائف الدّينية. وفي 1992، وسّعت الحكومة الإسبانية إعفاءاتها المالية لتشمل تكتّلات الجماعات البروتستانية الإنجيلية، سامحة لهم بحق تشييد المدارس، ومعترفة بالرّعوية البروتستانية شغلا قانونيا. كيفما كان، فإن الحقوق الجديدة لم تتوسّع لتشمل الجماعات البروتستانية التي لا تنضوي تحت الفيدرالية أو غير المسيحيين. تلك أوضاع المسيحيين، أما أوضاع الإسلام فهي الأكثر سوءا بين مجمل النّحل والدّيانات الأخري، فمثلا في إيطاليا التي تضم ما يقارب المليون مسلم، يحوز مسجد واحد -مسجد المركز الإسلامي بروما- اعترافا قانونيا، في حين لم تنل المصليات الأخري ذلك الاعتراف. فالإقرار للمهاجر المسلم بأن إتيانه للغرب للعمل، وأن الصّلاة لا تشكّل جانبا من عِقْد العمل بين الطّرفين، هو شكل من التّمييز، الذي يلغي بعنف حقّا أساسيا متمثّلا في حرية التديّن، ويستند هذا التأخّر في الاعتراف الحقوقي للمهاجر المسلم لتخوّفات متنوّعة، تدعمها وقائع عن تآكل ديمغرافي، مرفوق بتنام حثيث لأبناء الجالية المسلمة المقيمة داخل الغرب.فبرغم ما دبّ من وهن في عديد المؤسّسات الاحتكارية الكاثوليكية في أوروبا، فإن جانبا كبيرا من الدّول الكاثوليكية لم تحرّر اقتصادها الدّيني بعد، ولا زالت تفتقر لهيكلية تعدّدية عادلة وسويّة.ب- الاحتكار البروتستانتيفي أغلب البلدان البروتستانتية الأوروبّية، تواصل الدّولة توفير الأديان بشكل مجاني، أو علي الأقل، الدّين الذي دفع المستهلِك سهْمه فيه عبر الضّرائب. كما تستمرّ تلك الدّول في نصب العراقيل البيروقراطية أمام المؤسّسات الجديدة التي تحاول دخول سوقها الدّينية أو تتطلّع للنشاط فيها. ففي بعض الدّول تتوفّر المساعدة لكنائس مختلفة، وفي أخري لواحدة فقط. كما نجد إكليروس تلك الكنائس البروتستانتية التابعة للدّولة يوجّه الأمور حسب مراده. في السّويد، تمثّل اللّوثرية أنموذجا للشّكل الذي تسير عليه كنيسة الدّولة، فمنذ النّشأة كانت الكنيسة جهازا تابعا للدّولة، حيث تتواجد عديد القوانين الخاصة التي تضبط نشاطها مع الملك، بصفته راعي الكنيسة والمكلّف بتعيين الأساقفة ورؤساء الأساقفة. وكما هو معلوم يولد المواطن السّويدي منتميا بالوراثة للكنيسة.وبكون السّويد يسمح لعقائد أخري بالتواجد، فليس صحيحا أن تلك العقائد تتمتّع بحرية تامة، لمجرّد نعتها بالكنائس الحرّة. فمثلا، غالبا ما تلاقي الجماعات البروتستانتية الإنجيلية صعوبة في الحصول علي ترخيص لعقد لقاءاتها العامة. كما ترتفع العراقيل أمامها عند الاحتكاك ببيروقراطية دولة، تخلو من أي تعاطف عند تحدّي اللّوثرية الرّسمية.تهيمن تلك الأوضاع علي البلدان الاسكندنافية بشكل متشابه، فقد لاحظ بيتر لودبيرغ، الأمين العام للمجلس المسكوني بالدّنمارك، أن البرلمان له سلطة مطلقة في تسيير الكنيسة الوطنية (الكنيسة اللّوثرية) ، وأضاف، أن إكليروس الكنيسة الوطنية يعتبر النِّحل المسيحية الأخري عبثية. 3- المركز والأطرافطيلة بداية حقبة الحرب الباردة بين المعسكرين الشّرقي والغربي، كان تحالف الكنيسة مع الآلة الرّأسمالية الغربية في العمل علي نخر الكتلة الاشتراكية خفيّا، وحتي زيارة البابا يوحنا بولس الثاني سنة 1979، التي مثلت اختراقا للفضاء البولوني، إحدي الأركان الأساسية للمعسكر الاشتراكي، ما كان العداء صريحا وعلنيا. ولكن إثر تفاعلات تلك الزّيارة، تم التنبّه لانحياز الفاتيكان في الصّراع الإيديولوجي ضدّ الكتلة الاشتراكية، بعد أن صار علنيا. وقد مثّل البابا الرّاحل الوجه البارز في العملية، يسنده في ذلك الكاردينال شيبرياني لوباز تروجيلو، المكلّف بتنقية الكنيسة من أي نفس اشتراكي. فعلي مدي حقبة الثمانينيات، تمتّنت عري التنسيق بين كنيسة البابا البولوني كارول ووجتيلا وحكومة الرّئيس الأمريكي السّابق رونالد ريغن، مبدع شعار مملكة الشرّ في الثامن من اذار (مارس) 1983. فقد دفع توافق مصالح موظّفي البيت الأبيض مع نظرائهم في الفاتيكان للتنسيق فيما بينهم، شمل من جملة ما شمل تبادل المعلومات الاستخباراتية، كما بين ذلك ويليام ب. كلارك المستشار السّابق للرّئيس الأمريكي، في حوار مع ـ Catholic World Report ـ في تشرين الثاني (نوفمبر) 1999، برغم مظاهر التّعادي السّابق بين الكنيسة الإنجيلية الأمريكية وكنيسة روما. كما لا زالت تبعات الخلاف الرّوسي الفاتيكاني السّابق تخيم بظلالها علي تطبيع العلاقات الكاثوليكية الأرثوذكسية حتي الراهن. فلم يُسمح للبابا السّابق ووجتيلا بزيارة روسيا، كما لم يأت الرّئيس الرّوسي لجنازته عند مماته. وتعدّ المشاكل المعلّقة بعد الفترة الشّيوعية مما عكّر صفو تطبيع العلاقات بين الفاتيكان والكنيسة الأرثوذكسية. وما يزال حضور المؤسّسات الكاثوليكية في روسيا والمتّهمة بالتبشير، إضافة إلي انبعاث الكنيسة الأوكرانية الإغريقية الكاثوليكية، من المسائل العالقة التي منعت اللّقاء بين ألكسيج الثاني، زعيم الكنيسة الروسية، ويوحنا بولس الثاني.كان من الضروري التعريج علي دور الكنيسة الهام في نخر المعسكر الاشتراكي السّابق، لتبين ملامح الاستراتيجية الكنسّية المستقبلية. فبعد انتهاء الكنيسة الغربية من ملحمتها مع الكتلة الاشتراكية، والتي انهدّت إثرها عديد الأسوار تحاول في الزّمن الحالي بناء سلطة عالمية، توجه من خلالها المسيحية الواقعة خارج الفضاء التقليدي الغربي والتحكّم بمصيرها، وهذه الهيمنة غالبا ما تجلّت في تطلّعات روما التي تصرّ علي التكفّل بتعيين الأساقفة والكرادلة في الأطراف، دون تنازل في ذلك للكنائس المحلّية. فنهجها العَقَديّ الملزِم والرافض لأيّة استقلالية، غالبا ما أرهق الكنائس المحلّية، فرأت في المعيَّنين أجانب وغرباء عن الكنيسة المحلّية، مما خلق تململات في عديد الفضاءات. أ- التّناقض مع أمريكا اللاّتينية:بدا ذلك جليّا في الموقف مما عُرِف بـ لاهوت التحرّر ، إثر التجمّع الأسقفي العام بمادلين بكولمبيا سنة 1968. فقد فرض تحالف الكنيسة مع آلة الهيمنة الغربية، التنكّر لذلك اللاّهوت، عبر سحب المشروعيّة منه واتهام رجالاته بموالاة الكفر (الإلحاد الشيوعي)، ونعتهم بوصمة الأساقفة الحمر ، ومن ثمّة محاصرتهم، لما يطرحونه من مراجعة جذرية تعيد تعريف ماهية الكنيسة، ورسالة المسيح. فالمسيح لم ينهر كهنة هيكل أورشليم وفي باله رهبة من سلطان قيصر، الجاثم علي البلاد والعباد، بل صدح مملكتي ليست من هذا العالم، متجاوزا كافة الرّهانات الزّمنية، بصفة الدّين إن لم يحالف الفقراء مبدأ يوالي الأغنياء مقصدا، وإن لم يناصر المقهورين فسيدافع عن العشّارين، فلا منزلة له بين المنزلتين.كتب غوستافو غوتيراز، الأب الرّوحي للاهوت التحرّر، في نهاية الستّينيات، في كتابه الشهير: لاهوت التحرّر : منذ أمد جري الحديث في العالم المسيحي عن المشكلة الاجتماعية، أو ما يسمّي بالمسألة الاجتماعية، ولكن فقط في السّنوات الأخيرة جري التنبّه لعمق البؤس، وحياة العسف والاغتراب التي ترزح تحتها الأغلبية السّاحقة من البشرية، ضمن أوضاع مذِلّة للإنسان، وبالتالي لله . فحياة البؤس، لأولئك الذين ألغي حقّهم في الوجود، من خلال دوْس علي كرامتهم الإنسانية، مرتبطة بنظام خضوع، تصير بموجبه بلدان وطبقات اجتماعية أكثر غني وأشدّ قوّة، في حين تصير غيرها أكثر سوءا وتدهورا. لا يكفي التدخّل، عبر إيديولوجيا النّهوض الاقتصادي، للحدّ من هذه الأوضاع، لأن ذلك الفعل يبقي خاضعا لإرادة الأقوي، الذي يحافظ علي شدّ تلك الدّول والتجمّعات لأوضاع استغلالها. فالذي يدفع بالمضطَهدين، لهجران أوضاع اغترابهم، نوع من الوعي يجعلهم صانعي تاريخهم. ولكن هذا الوعي الذاتي لدي الفقراء غير كاف، ما لم يعضده تطوير نظام اقتصادي عالمي يحوّر بني الاستغلال السّائدة، ويدفع الدّول الضعيفة باتجاه اقتدار ذاتي من أجل نماء فعلي، هكذا يري اللاّهوتي الإيطالي برونو فورتي السّبيل للخروج من هذا المأزق. لقد أثارت كنيسة أمريكا اللاّتينية بدورها عديد الانتقادات المتعلّقة بالشّأن، خصوصا في المؤتمرات العامّة لأسقفية القارة، في مدلين بكولمبيا سنة 1968، وفي بوبلا بالمكسيك سنة 1979. كما نادي التجمّع المنعقد بسانتو دومنغو، في 1992، بضرورة التّنمية الشاملة للشخصية البشرية، ودعا في نفس السّياق لاهتمام خاصّ بالثّقافات الأهلية، الإفريقية ـ الأمريكية وتلك المولّدة. لقد تلخّصت محاصرة لاهوت التحرّر وإدانته، في محاكمة غوستافو غوتيراز (1983ـ 1984)، وفي محنة منظّره، ليوناردو بوف، الذي حوكم من طرف هيئة عقيدة الإيمان بروما، بين سنتي (1984ـ 1985)، التي كان يترأّسها البابا الحالي جوزيف راتزينغر (بنيدكتوس السّادس عشر). أُجلِس بوف علي نفس كرسي المحاكمة الذي أجلس عليه غاليلو غاليلي وجردانو برونو، بتهمة الانحراف عن الصّراط المستقيم، إثر صدور كتابيه، اللّذين لخص فيهما فلسفة لاهوت التحرّر: Jesus Cristo Liberador يسوع المسيح المحرّر ، و Igreja, carisma e poder الكنيسة والكاريزما والسّلطة .أراد الرّجل إعادة صياغة فلسفة المسيحية خارج معادلات الزّمن الحالي، ضمن رؤية طهريّة أصيلة. يقول بوف في كتابه: بابا تتعذّر محبّته : علي ما أعتقد يصعب الحديث عن المسيح الفقير والوديع داخل قصور روما… فالبديل، في فعل ما فعله عديد أساقفة أمريكا اللاّتينية، باعوا قصورهم وتحوّلوا للسّكني في بيوت متواضعة . فبموجب تلك الرّؤي الانقلابية، تم عزله وتجريده من كافة مهامه الأكاديمية والدّينية.ب- الكنيسة الإفريقيةلا يزال النّفوذ الفعلي داخل الكنيسة الكاثوليكية بأيدي البيض الغربيين، برغم التطوّر العددي الهائل للكاثوليك خارج الفضاءات التقليدية. ففي إفريقيا، تعرف أعداد الكاثوليك نموا لافتا يصل إلي 148 بالمئة، من جملة عددهم البالغ 135.660 مليونا، وهو تنام يفوق نسبة الازدياد الدّيمغرافي في القارّة، الذي يقدَّر بـ 83 بالمئة. برغم ذلك لا يزال حضور الأفارقة هامشيا في مؤسّسات القرار في الفاتيكان، حيث يقدّر عددهم في مجلس الكرادلة بـ 12،83 بالمئة من المجموع العام، ويمثّلهم في التكتّل الانتخابي عشرة كرادلة، أي 8،7 بالمئة من مجموع النّاخبين، واحد فقط منهم له مهمّة في الكوريا رومانا ، وهو فرانشيس آرينزي كبريفاتو، في مجمع الشّعائر الإلهية وتنظيمات الأسرار، بعد أن شغل طويلا مهمّة رئيس مجلس الحوار الدّيني. فتنصيب الأساقفة في الأصقاع الخارجية لا يزال شأنا فاتيكانيا، بدون ترك الخيرة لرجال الدّين المحلّيين، لتسيير شؤونهم، والعملية تعبّر عن إرادة إخضاع الأطراف للمركز.كان من أبرز ما خلّفه الإحساس بتدنّي نفوذ الأفارقة، تولّد مظاهر تململ داخل الكنيسة الإفريقية، نظرا لمشاكلها المغايرة عن الكنيسة الغربية الممسِكة بمقاليد الأمور، الأمر الذي جعل الفاتيكان يسعي جاهدا لمحاصرة بوادر ذلك الانشقاق قبل انفلاته. فقد دعا البابا السّابق، يوحنّا بولس الثّاني، للتفكير بجدّية في تشكيل كنيسة أفروأوروبية لاحتواء الأزمة بغرض تجنّب انشقاق شبيه بما هزّ كنيسة أمريكا اللاّتينية. وقد اتخذت خطوات جادة في ذلك بعقــــد الملتقي الإفريقي الأوروبــــي بروما، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2004، بمشــــاركة 50 أسقفا أوروبيا و 50 أسقفا إفريقيا، لتطارح المسائل ذات الشأن.ففي كنيسة إفريقيا هناك إلحاح علي ضرورة الخروج من رهن المسيحية الاستعمارية، المثقلة بمركزيتها الأوروبية. جري التأكيد علي ذلك خصوصا مع الكاثوليكي جون مارك إلاّل ومع الأنجليكاني جون امبيتي، كما يُعتـــبر انبعاث المجلّة الإفريقية للاّهوت Revue africaine de thژologie ـ بكنشاسا في الكونغو، موحيا في ذلك الشأن.ج- آسيا والكنيسةلا تزال تحدّيات عويصة تعترض الكنيسة الكاثوليكية في آسيا، جرّاء مظاهر نفور متأصّلة، عبّر عنها البابا السّابق ووجتيلا (يوحنّا بولس الثّاني) في مقدّمة رسالته Ecclesia in Asia ـ لأعمال مجمع أساقفة آسيا المنعقد بالفاتيكان بين نيسان (أبريل) وايار (مايو) 1998 بقوله: إنه لغريب سبب بقاء مخلّص العالم، المولود بآسيا، مجهولا بشكل واسع لحدّ الآن بين شعوب القارّة . سعي البابا السّابق لاختراق ذلك النّفور، من خلال زيارات لأذربيجان وكازخستان وباكستان والهند وسيريلانكا وبانغلاديش وتايلاندا وسنغافورة وأندونيسا واليابان وكوريا الجنوبية والفلبين. فالكاثوليك يمثلون أغلبية في الفلبين فحسب، بنسبة 63 مليونا من جملة 76، أي قرابة 83بالمئة؛ وفي المرتبة الثانية تأتي الهند بـ13 مليونا، بنسبة مئوية 1،5 بالمئة؛ ثم أندونيسيا بـ7،5 ملايين أي 3،6بالمئة؛ والفيتنام بـ6 ملايين بنسبة 7،5بالمئة؛ وكوريا الجنوبية 3،1 مليونا بنسبة 6،6بالمئة؛ وسيريلانكا 1،3 ملايين بنسبة 6،9 بالمئة. لا زال النّفور من الكاثوليكية يحرج الكنيسة، فمثلا في ماكاو التي حكمها البرتغال الكاثوليك مدّة تزيد عن الأربعة قرون، من 1576 إلي 20 كانون الاول (ديسمبر) 1999، تاريخ انتقالها للسّيادة الصّينية، رضخت طيلة تلك الفترة لسيطرة الكنيسة الشّاملة علي مجالات التربية والتعليم، تدعمها في ذلك شبكة خورنات نشيطة، بيْد أن عدد الكاثوليك لم يتجاوز 20 ألفا، أي 4،5بالمئة، من جملة 450 ألف ساكن. وبالمثل تجلّي ذلك البحث عن الاستقلالية مع الكنيسة الوطنية الصّينية، منذ قطع العلاقات مع حاضرة الفاتيكان وطرد المبشّرين الكاثوليك سنة 1951، والإصرار علي رفـــــض المركزية الكنسية الغربية، بناء علي مقولة ماو تسي تونغ حتي السّماء في الصّين صينيّة ، لتجنّب أي نفـــوذ خارجي في الدّين، والذي لا زال الفاتيكان يصرّ عليه، كما قام به أخيرا من خلال تنصيب أسقف هونغ كونغ، المونسنيور زان كردينالا، في تحدّ للكنيسة الوطنية الصّينيّة. وبالمثل كردّ فعل علي الموقف الصّيني الباحث عن الاستقلال الدّيني، سعي الفاتيكان لـ تطويب صينيين في يوم العيد الوطني لجمهورية الصّين الشّعبية، في أوّل تشرين الاول (أكتوبر) سنة 2000، كضغط علي خيار الاستقلال الدّيني الصّيني. ولا تزال العلاقة بين الدّولتين مأزومة برغم ما يبدو من سعي جاد نحو التّطبيع، فقد أعربت الصّين عن رفضها تدخّل روما في شأنها الدّاخلي، عبر غياب وفد بكين عن المشاركة في جنازة البابا الرّاحل كارول ووجتيلا، كما لا زالت متمسّكة بمنع تنصيب قساوسة من الفاتيكان لديها. 4- تعثّر حوار الكنيسة الغربية مع الإسلامتبدو لأغلب الأوروبيين، أديان الصّين ـ الكنفوشيوسية والتاوية ـ نائية ومجهولة وشرقا قصيّا، فهي لا تشكّل أيّة خطورة بالمرّة، وحتي وإن شهدت توتّرات معها فهي تنحصر بالسّياسي لا الدّيني. كما تبدو أديان الهند -الهندوسية والبوذية- للعديد أدني قربا وأوفر إلماما بها، وقد تظهر لدي البعض وديعة وسلميّة ولا تتضمّن تهديدا، لما تفتقده من حدود صراع مع الدّول المسيحيّة؛ برغم تصاعد الأصوليّة الهندوسية العنيفة، التي بدأت في الانتشار بالهند مع منتهي القرن المنصرم. علي خلاف ذلك، فإن الإسلام، الذي تشترك المسيحية معه، في عدّة آلاف من الكيلومترات فهو يحضــــر دائما تهـــديدا مفتوحا. ذلك ما يلخّص به هانس كونغ الوضع الحالي لنظرة الغرب للإسلام في كتابه الحديث الصدور الإسلام: الماضي والحاضر والمستقبل ، الصادر بميلانو سنة 2006. تلك الأوضاع جعلت من الإسلام عنوان التحدّي، في الدّاخل وفي الخارج، الأوّل مثّله المهاجر والثّاني المسلم في وطنه البعيد. وترافقت تلك الهواجس بتراجع بيّن وفعلي للمسيحية في فضائها التاريخي، أي في أوروبا الغربية، الأمر الذي يُخشي أثره علي قلب المسيحية في روما، يصحبه قلق من الصّحوة الإسلامية وتطوّراتها المجاورة المنتظَرة. أمام تلك المخاوف، استُلزم إنتاج أواليات دفاعية، تلخّصت في ما يمكن أن نطلق عليه السّور الحضاري ، أُرْسي بناء علي اصطفاف ثقافي مصطَنع، أُسّس علي مفهوم التراث اليهودي المسيحي ، والذي انطلق الترويج له منذ تأسيس دولة إسرائيل ومسعي الغرب لموضعتها ضمن شموله الحضاري. انساقت الكنيسة الكاثوليكية في المساهمة في تشييد ذلك السّور الحضاري والترويج لدعمه منذ المجمع الفاتيكاني الثاني، وهو ما يكشف عن ارتباط الكنيسة الاستراتيجي بالقوي السّياسية الغربية، عبر ترويج المقولات البراغماتية والدعاية لها، علي حساب الوقائع الحضارية التاريخية. وقد بلغ التأسيس النّظري لتلك المقولة أوجه في خطاب الكنيسة، مع إصدار وثيقة نحن نتذكّر: تأمّلات في المحرقة (12 اذار ـ مارس 1998) بالفاتيكان، التي لخّصت اعترافات الكنيسة وتكفيرها عن مواقفها السّابقة تجاه اليهود، والتي يرد في إحدي فقراتها: بالنظر إلي آفاق علاقات اليهود بالمسيحيين، نطلب، في مستوي أوّل، من إخواننا وأخواتنا، الكاثوليك والكاثوليكيات، تجديد الوعي بالجذور اليهودية لإيمانهم. كما ندعوهم لتذكّر أن يسوع المسيح منحدر من داود، وأن مريم العذراء والتلاميذ الأوائل من سلالة ذلك الشّعب اليهودي أيضا؛ وأن الكنيسة تستمدّ جذورها من تلك الزّيتونة الطيّبة التي طعّمت بها غصون الزّيتون البرّي للأغيار؛ وأن اليهود اخوتنا الأعزّة والأحبة، وبمعني ما هم (اخوتنا الكبار) . والواقع أن مفهوم الحضارة اليهودية المسيحية اللاّتاريخي، يتغافل عن مفهوم الحضارة المسيحيّة الإسلامية التاريخي، لاغيا قرونا من التّماس والاندماج الحضاري، بما فيها من سلام وحروب وتوتّر وتفاعل.وفي الآن الذي تتكثّف فيه هواجس الكنيسة من الكتلة الإسلامية، يتعدّد عقد مؤتمرات الحوار الدّيني، المصحوبة بنزعة بطرياركية للكنيسة علي الدّيانات الأخري. ففي كتاب الحوار الإسلامي المسيحي ، الصادر بفرنسا سنة 2002، الذي أصدره الأب الأبيض، موريس برمانس، يُلخِّص تلك النزعة البطرياركية، حيث يترجم صاحبه أطروحة التعالي الحضاري الغربي دينيّا، إذ يتناول بالتفصيل الهندسة الإصلاحية للعالم الإسلامي، محدّدا مقياسين للصواب لها: التّشريعات الاجتماعية الغربية والمناسك الدّينية الكنسية، وما عداهما فهو هراء.نقيصة الحوار المركزية تلك، شكّكت في قدراته، علي شكله الحالي، لإرساء إيلاف بين الطّرفين، وبرّرت مقولة منتقديه كون الأمر يتجاوز نشاطه الظّاهر إلي مقصد مضمَر، متشابك مع استراتيجيات هيمنة، خاصة وأن الحوار علي شكله الحالي، هو فعل كنسي واستجابة إسلامية له، وليس فعلا متوازنا بين الطرفين.لقد انطلق حوار الكنيسة مع الإسلام بشكل مكثّف، منذ ستّينيات القرن الماضي، في وقت كان فيه العالم الإسلامي مشغولا بتثبيت قدميه، بعد ليل استعمار بغيض. كانت أثناءها قدرات العالم الإسلامي، المعرفية والعلمية متواضعة جدّا، ولا تسمح له بمشاركة فعّالة في صياغة فلسفة الحوار، الذي بادرت الكنيسة الكاثوليكية به، إثر تسريحها من عقالها بعد المجمع الفاتيكاني الشّهير (1962ـ 1965). لذلك لا يزال الحوار في المنظور الإسلامي في بداياته، من حيث تعريفه، وأشكال ممارساته وأدواته، مما أبقي تفعيله غائبا من حيث أغراضه، وجعل الكنيسة متفوقة في جني ثماره. فهو لديها فعل براغماتي، مندرج في مخطّط تبشيري أوسع، أكثر مما يتخيّله العالم الإسلامي مجرّد تفاهم أخوي علي أساس وحدة الرّوابط الإبراهيمية. ولكن منذ فترة الثمانينيات من القرن الماضي بدأ يدبّ تحوّل في المجتمعات الإسلامية، وبدت مظاهر وعي ومناعة في الجسد الإسلامي، جعلت الكنيسة تتنبّه الي أن أسلوبها السّابق ما عاد يسير حسب مرادها. ولعل آخر تداعيات ذلك ما أقدم عليه البابا الجديد جوزيف راتزينغر (بنيدكتوس السّادس عشر) من إغلاق مجلس الحوار بين الأديان والانطلاق في استراتيجية جديدة تتناسب مع التطورات الجارية. والواقع أن الحوار، بعيدا عن أغراض توظيفه، قيمة سامية، ولكن بشكله الحالي، المستتبَع بعنف رمزي واستعلاء حضاري، يكشف عن خلل بنيوي في التواصل الحضاري وفي مطلب المثاقفة الأصيل. ولذلك لزم التمعّن، في المقاصد العــــليا التي يحتكم إليها، وفي الموجّهين له، لتبيّن المنطق الذي يسير ضمنه، والمقاصد العليا التي يسير نحوها. فإلحاح الكنيسة الغربية علي الحوار، في وقت تعرف فيه الكتلة الإسلامية شيطنة موسّعة، من مؤسّسات مجتمعات الكنيسة يدعو للرّيبة. لذا يبدو مشروعا طرح عديد التساؤلات، بشأن هوية الحوار، وسبله، وتفعيل أخلاقياته في النسيج الاجتماعي. فمن مأزق الإسلام الحالي، وبحث أبناء حضارته عن العودة للسّاحة الحضارية، تتولّد إحدي الاختبارات العسيرة للعقل الحواري، والتي تلحّ بالمراجعة الإبستيمية لمعقولية الغرب.فإحدي مسبّبات أزمة الحوار الجوهرية، تعود بالأساس إلي خطاب الغرب المنفلت والمتنكّر للأخلاقيات الكونية. ففي العقود الأخيرة تشكلّت شراذم، كُلِّفت بمهمّة عرض الإسلام، منها ما أفرزته الكنيسة ومنها ما استصنعه الإعلام، داخل عملية فبركة مستعجلة. يُطلَق عليهم نعت المستعرِبين أو المتخصّصين بالإسلاميات، يتولّون تقديم الإسلام وعرض مواقفه بشكل مغرض، يفتقر للموضوعية والرّصانة. والواقع أن المقاربة الهشّة، المستحدثة مع هؤلاء الوكلاء، الذين أنشأتهم الظّروف الطارئة ولم يقدّهم التمحيص العلمي، استعراضية وغير رصينة، وغالبا ما سممت مناخ المثاقفة بين الحضارتين.تلك بعض مظاهر الأزمة التي يعاني منها العقل الدّيني الغربي، والخطير فيها أن مؤسّسته الدّينية ناشطة بشكل لافت وفاعل في تحديد توجّهات الغرب السّياسية، في الخارج بالأساس. لذلك إن يبدو التديّن فاترا ويشكو جيش الكهنوت تراجعا، من حيث أعداد الرّهبان والرّاهبات، فإن الاستعاضة عن ذلك النّقص بحضور فاعل علي مستوي القرار والتوجيه في السياسات العامة، يبقي إحدي مظاهر قوة المؤسّسة الدّينية الغربية. فهي تستند إلي جيش من العلمانيين واللاّئكيين المأجورين، يعضدهم رجال دين منحدرون من المجتمعات الفقيرة، مسلوبي النفوذ والقرار، يخضعون لنواة المؤسّسة المركزية الغربية. يبقي ذلك الترميم، إحدي مبتكرات الحلّ المستعجل للأزمة المتحكّمة بالمؤسّسة الدّينية في الغرب.ہ أستاذ من تونس بجامعة لاسابيينسا بروما7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية