مدريد ـ ‘القدس العربي’ ـ من حسين مجدوبي: على الرغم من أن الاقتصاد الإسباني يمر بأصعب فترة في تاريخه قد تستدعي المؤسسات المالية لإنقاذه لتفادي انهيار العملة الأوروبية، اليورو، إلا أن المشهد السياسي يعيش بشكل لافت جدلا واسعا ومحتدا حول موضوع الصحراء الغربية في أعقاب أحداث مخيم العيون. ويبقى الجديد هو الموقف الذي تبنته حكومة مدريد بعدم التنديد بالرباط، الأمر الذي يؤكد بداية الرؤية المؤسساتية البراغماتية تجاه المغرب.
لقد كشفت هذه الأزمة لأول مرة عن نضج مؤسساتي في العلاقات الحكومية بين البلدين. فرئيس الحكومة خوسي لويس رودريغيث سبتيرو الذي كان قد أعلن إبان وصوله للسلطة في نيسان/أبريل 2004 أنه سيستمع إلى وسيحترم آراء الرأي العام الإسباني في القضايا الدولية، وارتكز على هذا المبدأ لسحب الجنود الإسبان من العراق بعدما كان قد أرسلهم إلى هناك سلفه خوسي ماريا أثنار، لم يخضع هذه المرة للضغط الهائل الذي يتعرض له من الشارع الإسباني وحكومات الحكم الذاتي ومن الحزب الشعبي ومن الإعلام في أزمة مخيم العيون للانحياز للبوليزاريو. وأقدمت معظم برلمانات الحكم الذاتي في اسبانيا على التنديد بقيام المغرب بتفكيك مخيم العيون، بل ان رئيس حكومة جزر الكاناري، باولينو ريفيرو، أدلى بتصريحات سياسية مثيرة ومستفزة من الناحية اللفظية مما جاء فيها: ‘يجب على حكومة جزر الكاناري أن تتوفر على سياسة خارجية مستقلة عن مدريد حتى لا نضطر إلى إنزال سراويلنا أمام المغرب’. وأقدمت الحكومة الاشتراكية الإسبانية على قرارات من الصعب تصورها حتى الأمس القريب، أولا رفضت التنديد بالمغرب في أحداث مخيم تندوف، ثانيا أجبرت أعضاء الحزب الاشتراكي على الالتزام بالتوصية الحكومية رغم ارتفاع الكثير من الأصوات المناهضة وسط هذه التشكيلة السياسية لهذه التوصية، ثالثا، طلبت من البرلمان الأوروبي عدم إدانة المغرب والأخذ بعين الاعتبار سقوط 11 من قوات الأمن والوقاية المدنية المغربية في هذا النزاع.
وتأتي هذه المواقف لدى الحزب الاشتراكي الحاكم كمنعطف حقيقي في رؤيته لنزاع الصحراء، وكشف سبتيرو عن السر في هذا التغيير بقوله ‘الحكومة تعطي الأولوية للدفاع وحماية المصالح الإسبانية’. وأكدت مصادر بالحزب الاشتراكي الحاكم لـ’القدس العربي’ ان الحكومة الاسبانية ‘براغماتية في تعاطيها مع المغرب’، وقالت: ‘مع هذا البلد تجمعنا ملفات كبيرة مثل مكافحة الهجرة السرية والإرهاب والإجرام المنظم وكذلك التبادل الاقتصادي الضخم والتفاهم السياسي في ملفات أخرى’. وكانت وزيرة الخارجية ترينيداد خمينيس قالت ان اسبانيا لا يمكنها التنديد بالمغرب في وقت توجد حقائق تؤكد سقوط أفراد من قوات الأمن المغربية خلال تفكيك مخيم العيون وفي وقت تتريث فيه الدول الكبرى مثل فرنسا والولايات المتحدة ومنظمات مثل الأمم المتحدة’. وذهبت هذه المسؤولة أبعد من ذلك بتصريحها في مجلس الشيوخ يوم الأربعاء الماضي عندما أعلنت أن المغرب ‘ليس قوة احتلال في الصحراء بل يوجد هناك بموجب اتفاقية مدريد سنة 1976’، مضيفة أن إدارته (المغرب) للصحراء ‘ليست نتاج حرب عسكرية أو غزو (..) وكل انحياز ضد الرباط سيفقد اسبانيا دورها كوسيط مقبول من طرف المغرب والبوليزاريو’. وفي المقابل، ورغم هذه الرؤية الجديدة، فاسبانيا تحاول خلق توازن في نزاع الصحراء بعدما ضاعفت منذ مجيء سبتيرو للحكم المساعدات الإنسانية للبوليزاريو أربع مرات عما كانت عليه إبان مرحلة حكومة خوسي ماريا أثنار حتى 2004.