مدريد-القدس العربي»: تسبب الرئيس الأمريكي السابق الجمهوري دونالد ترامب في اصطدامات سياسية كثيرة وسط منظومة الغرب بقراراته التي نتج عنها شرخ كبير في العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة، وكان هناك رهان كبير على إرساء تفاهم صلب مع قدوم الرئيس الديمقراطي جو بايدن، لكن الأخير فاقم الشرخ أضعافا إلى مستوى الحديث عن منعطف تاريخي في منظومة الغرب هذه بسبب «أزمة الغواصات».
واعتبر الأوروبيون الرئيس السابق ترامب سياسيا خطيرا على وحدة الغرب في وقت تتعاظم فيه قوة الصين العسكرية والاقتصادية وقوة نفوذ روسيا في الخريطة الدولية، لاسيما بعدما طرح مخطط تولي أوروبا الدفاع عن نفسها إذا لم تقم بالرفع من ميزانية الدفاع العسكري إلى 2 في المئة وهدد بالانزواء الأمريكي مثلما كانت عليه قبل الحرب العالمية الأولى. وبعد رحيله وقدوم الرئيس الديمقراطي جو بايدن، وبينما كان الأوروبيون ينوون تعزيز التحالف الغربي لاستمرار الغرب قيادة العالم عسكريا واقتصاديا يأتي قرار الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا بتأسيس حلف «اوكوس» البحري الثلاثي خلال الأسبوع الماضي بدون باقي الشركاء الغربيين ثم حرمان فرنسا من صفقة الغواصات مع أستراليا والتي تبلغ قيمتها عشرات الملايير من الدولارات. وفي القاموس السياسي والعسكري للولايات المتحدة يوجد مفهومان أساسيان حول طبيعة ونوعية التعاون مع الآخرين، هناك الحليف التاريخي وهناك الشريك الرئيسي. وهذان المفهومان يتحكمان كثيرا في القرارات التي تتخذها واشنطن في علاقاتها الدولية وخاصة العسكرية. وتنتمي إلى فئة الحليف التاريخي الدول الأنكلوسكسونية وهي بريطانيا ونيوزيلندا وكندا وأستراليا التي تشترك في الكثير من المقومات، بينما تعتبر دول أخرى شريكة وبدرجات متفاوتة. ومن ضمن الأمثلة، لا يمكن أن تشارك واشنطن برلين القرارات نفسها التي تتشارك فيها مع لندن، ذلك أن ألمانيا ليست بالحليف التاريخي بل هي المسؤولة عن الحرب العالمية الأولى والثانية، وعندما خاضت واشنطن حروبها الأولى في القرن العشرين والأكثر دموية كانت ضد ألمانيا بالضبط. كما لا يمكن لواشنطن وضع باريس في مرتبة لندن في حين تقود فرنسا سياسات أحيانا متعارضة مع المصالح الأمريكية منذ عهد الرئيس شارل دوغول بل حتى مع الرئيس الفرنسي الأكثر ميلا للأمريكيين وهو نيكولا ساركوزي.
ومن ضمن الأحداث التاريخية التي ترجمت رؤية أو تصور واشنطن حول الحليف والشريك هو التصور الذي تحكم في إقامتها لأكبر شبكة للتجسس في التاريخ ومعروفة باسم «إيشلون» أو باسم «أوكوسا» وهي الأحرف اللاتينية الأولى للدول الخمس الأنكلوسكسونية وتستمر في العمل حتى يومنا هذا.
كان هدف إيشلون هو التجسس على الاتحاد السوفييتي إبان الحرب الباردة ومحاصرته. لكن عمليات التجسس شمل لاحقا كذلك الدول الشريكة في أوروبا بدون استثناء وكانت فرنسا الهدف الرئيسي بسبب سعيها إلى سياسة أوروبية مستقلة وبسبب صفقات الأسلحة التي توقعها. وتجسست واشنطن على صفقات السلاح الفرنسية وحرمتها من الكثير منها حتى انفجرت الأوضاع بسبب فقدان باريس صفقة صواريخ مهمة مع البرازيل نهاية الثمانينات لصالح الولايات المتحدة ليظهر أن الأمر يتعلق بتجسس واشنطن على صفقات باريس وتقدم عروضا أحسن منها للزبناء، وبالتالي تخسر باريس وتربح واشنطن. وكانت صفقة البرازيل فضيحة كبيرة هيمنت على العلاقات الأطلسية وتراجع تأثيرها لأنها تزامنت مع تفكك الاتحاد السوفييتي وبدء تشكيل عالم جديد. وما وقع في صفقة البرازيل تكرر في صفقات أخرى وآخرها صفقة «الغواصات مع أستراليا» الأسبوع الماضي، حيث وقعت فرنسا سنة 2016 أكبر صفقة عسكرية في التاريخ مع هذا البلد، ثم فقدتها بسبب التدخل الأمريكي، حيث فازت الشركات الأمريكية والبريطانية بالصفقة بمبرر أن «التحالف البحري اوكوس» يتطلب تناسقا في نوعية السلاح. وكان تصريح وزير خارجية فرنسا جان إيف لودريان على فقدان الصفقة وتهميش فرنسا في الحلف البحري الجديد بليغا عندما قال «فرنسا تعرضت لطعنة في الظهر».
فرنسا شريك غير وفي
ولا يرى الإستبلشمنت الأمريكي (الدولة العميقة صانعة القرار) بعين الارتياح مواقف فرنسا الاستراتيجية التي دائما ترغب في التميز في الساحة الدولية على حساب المصالح العميقة للغرب. وتبدي واشنطن قلقا من تصاعد هيمنة الصين وتسعى إلى تعزيز تحالف ضدها يضم الغرب ودولا أخرى، لكن فرنسا على رأس مجموعة من الدول الأوروبية وخاصة المانيا وإيطاليا تسعى إلى حوار مع الصين وروسيا. وخلال السنوات الأخيرة وقع اصطدام كبير مع واشنطن في ملفين، الأول وهو معارضة باريس الاعتماد على الغاز الأمريكي بديلا للروسي، إذ ترى أن صفقات الغاز مع روسيا قد تقلل من التوتر، في حين ترى واشنطن أنه لا يمكن نهائيا منح أفضلية في الطاقة لدولة عدو. وكانت باريس في هذا تؤيد رؤية برلين التي ترى الغاز الروسي لا غنى عنه. وإذا كانت واشنطن تريد محاصرة النفوذ الصيني، تدعو باريس إلى حوار مع العملاق الآسيوي بعيدا عن إحداث صراع جديد يدخل العالم في حرب باردة.
وترى واشنطن في سعي فرنسا للسيادة الأوروبية، بمعنى استقلالية القرار السياسي والعسكري عن الولايات المتحدة، بمثابة خيانة نسبية تستوجب التقليل من الاعتماد على فرنسا مستقبلا والتركيز على الحلف الأنكلوسكسوني. وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد وصف الحلف الأطلسي «بالمريض السريري» الذي لا يستطيع الحركة. وبعد أسابيع قليلة من تولي الرئيس بادين السلطة في البيت الأبيض، صرح ماكرون في اجتماع مع «أتلنتيك كونسيل» أن «هدف فرنسا إبان رئاستي كان هو إرساء سيادة أوروبية حقيقية». وترى واشنطن أن السيادة الأوروبية تعني تقسيم القرار الغربي.
فرنسا نحو زعامة غرب آخر
اعتاد المحللون والمؤرخون التعاطي مع الغرب كوحدة متجانسة علما أن هذه الوحدة حدثت فقط إبان الحرب الباردة، ففي الماضي كان الغرب فريسة حروب تعد الأكثر وحشية في التاريخ مثل الحرب العالمية الثانية. ويهيمن غياب الثقة ثم المنافسة وسط صفوف الغرب. فمن جهة، هناك معسكر فرنسا وألمانيا المؤمن بأوروبا قوية، ومن جهة أخرى المعسكر الأنكلوسكسوني الواثق في ريادة العالم. وفي أعقاب «أزمة الغواصات» علاوة على بريكست، مغادرة بريطانيا الاتحاد الأوروبي، تجد فرنسا الفرصة الذهبية لترجمة حلمها ببناء أوروبي موحد قد يشمل عددا من الدول فقط ذات التوجه الأوروبي القوي وهي ألمانيا وفرنسا وبلجيكا وإيطاليا واسبانيا والبرتغال لأن باقي الدول وخاصة أوروبا الشرقية تميل إلى واشنطن. وبهذا سيصبح الغرب منقسما إلى قسمين، الجناح الأنكلوسكسوني بقيادة واشنطن، والجناح الأوروبي بقيادة باريس.
وتذهب مراكز التفكير الاستراتيجي إلى وعي بكين وموسكو بأهمية الخلافات وسط الغرب، ولهذا يحاول البلدان استغلالها من خلال سياسة متصلبة ضد الولايات المتحدة ولينة تجاه الاتحاد الأوروبي، وهو ما سيزيد من تفاقم الشرخ وسط الغرب الذي يعتبر حاليا منقسما إلى قسمين، غرب أنكلوسكسوني بزعامة واشنطن وهو متماسك تاريخيا وقوي وغرب أوروبي بزعامة باريس التي تسعى إلى تعزيزه وتقويته، وإن كان المسار ليس سهلا.