أزمة تهريب دولار العراق… نزيف متصاعد

مصطفى العبيدي
حجم الخط
1

بغداد ـ «القدس العربي»: مع انتهاء عام 2024، كشفت العديد من المصادر عن ارتفاع هائل في تهريب الدولار من العراق من قبل معظم البنوك الحكومية والأهلية إلى الخارج، وسط مخاوف من فرض المؤسسات المالية الدولية عقوبات على العراق جراء استمرار تهريب الدولار في ظل شبهات غسيل الأموال ودعم الإرهاب ودول خاضعة للعقوبات الدولية.

وبالرغم من تحذيرات خبراء الاقتصاد والمؤسسات المالية المختلفة من تداعيات استمرار نزيف تهريب الدولار على الاقتصاد العراقي، ورغم وعود حكومة بغداد بالحد من ظاهرة تهريب العملة الصعبة، فإن معدلات بيع البنك المركزي للدولار واصلت التصاعد بشكل غير مسبوق تحت ذريعة تغطية مشتريات العراق من السلع والخدمات.
وتعكس أزمة ارتفاع حجم مبيعات الدولار وتحويلها إلى الخارج، أحد وجوه عمليات واسعة لتهريب الدولار من العراق تحت مختلف المبررات منذ عام 2004، ما دعا المؤسسات المالية الدولية إلى فرض عقوبات على العديد من البنوك العراقية للحد من تهريب العملة الصعبة إلى جهات خاضعة للعقوبات المالية الدولية، أبرزها إيران والنظام السوري السابق وحزب الله اللبناني وغيرهم.

إجراءات البنك المركزي

وضمن إجراءات الحد من التهريب الهائل للدولار من العراق، واستجابة للضغوط الأمريكية، أعلن البنك المركزي العراقي، اعتباراً من الأول من كانون الثاني/يناير الجاري، إيقاف العمل بالمنصة الإلكترونية المعتمدة لبيع الدولار إلى البنوك والشركات وفقا للسعر الرسمي البالغ 1320 ديناراً للدولار الواحد. وهو النظام الذي اعتمده البنك المركزي سابقا لبيع الدولار للبنوك والمصارف والشركات التجارية بهدف تمويل تجارتها وتعاملاتها الخارجية، حيث تقدر يوميا كمية المبالغ المباعة بنحو 300 مليون دولار.
وقال نائب محافظ البنك المركزي عمار خلف، في تصريحات للصحافيين، إن العمل بالمنصة الإلكترونية المتعلقة بالدولار توقف، لكن تمويل التجارة الخارجية مستمر عن طريق البنوك (الوسيطة) وفقاً لآليات توازي المعمول به في دول العالم.
وأوضح البنك في بيان «أن هذا الانتقال مرّ عبر مراحل متعددة مرت بها عملية التحويل الخارجي التي بدأت بنافذة بيع وشراء العملة الأجنبية وانتقلت إلى مرحلة المنصة الإلكترونية للتحويلات الخارجية، وانتهت بعمليات تعزيز الأرصدة تدريجياً خلال عام 2024 وتحققت بشكل كلي في الأسبوع الأخير من ذلك العام».
كما أشار البنك إلى أنه سيستمر بتعزيز أرصدة المصارف العراقية لدى البنوك المراسلة (الوسيطة) بالدولار الأمريكي إلى جانب مجموعة من العملات الأخرى، مثل الروبية الهندية، اليوان الصيني، اليورو، الدرهم الإماراتي، الريال السعودي، والدينار الأردني.
وتعد هذه الإجراءات محاولة لتحديث آليات التحويل المالي في العراق بما يتماشى مع المعايير الدولية، إلا أن بعض الاقتصاديين عبروا عن مخاوفهم من تحول نظام البنوك المراسلة الذي اعتمده العراق مؤخرا، إلى طريقة جديدة لتهريب العملة وغسيل الأموال عبر «تضخيم قيمة الفواتير» مع ارتفاع متواصل في حجم مبيعات وتحويلات العملة.
ويذكر أن اللجنة المالية النيابية قامت باستضافة محافظ البنك المركزي علي العلاق ورئيسي هيئتي الكمارك والمنافذ الحدودية، لبحث أزمة تهريب الدولار ولعدم الحصول على بيانات دقيقة من البنك المركزي العراقي لمعرفة الاستيرادات الواردة للعراق والتي يتم على أساسها بيع الدولار.

تحذيرات

الخبير الاقتصادي الدكتور نبيل المرسومي تحدث لـ«القدس العربي» قائلا «إن المنصة الإلكترونية ونافذة بيع العملة، هي آليات رقابة تديرها المؤسسات الأمريكية والعراقية لتحويلات الدولار من العراق إلى الخارج وقد جرى إلغاءهما لاحقا. والآن تحولت قضية تحويل الأموال العراقية من خلال البنوك المراسلة (الوسيطة)، حيث يقوم البنك المركزي العراقي بتعزيز الأموال إلى بنكين أمريكيين مع سبعة مصارف أجنبية إماراتية تركية أردنية، تقوم بعمليات الاعتمادات والتحويلات المصرفية للمصارف العراقية لتغطية احتياجات التجارة الخارجية للعراق».
وعن جدوى الإجراءات التي ينفذها البنك المركزي للحد من تهريب العملات وغسيل الأموال، وهل هي كافية للجانب الأمريكي، أكد المرسومي، أنه «ما زالت هناك فجوة كبيرة تصل إلى 15 في المئة بين سعر الصرف الرسمي للدولار وسعر السوق. والأهم من ذلك انه خلال نافذة البيع السابقة في البنك المركزي، كانت الفجوة أقل ولكن بعد المنصة الإلكترونية زادت، ما يدل على ان إجراءات البنك المركزي لم تؤت ثمارها المطلوبة، حيث ما زالت الفجوة كبيرة وخاصة في التعامل مع إيران تحديدا، إذ ان التجارة الحدودية كبيرة مع إيران».
وعن توقعات فرض الولايات المتحدة بعد مجيء الرئيس الجديد ترامب عقوبات على العراق إذا بقيت الأوضاع المالية المتردية كما هي عليه الآن، قال الخبير: «كل شيء متوقع مع الرئيس الأمريكي الجديد وخاصة مع ارتفاع حجم التمويل للتجارة للعام 2024، حيث باع البنك المركزي العراقي أكثر من 81 مليار دولار، وهو أعلى مبلغ قام العراق بتحويله في تاريخه خلال عام واحد. وهو ما أدى إلى تراجع في الاحتياطي النقدي العراقي، لأن البنك المركزي أصبح يبيع أكثر مما يشتري من الدولار».
وتأكيدا لما صرح به الخبير الاقتصادي أكد النائب مصطفى سند قبل أيام، إن حجم مبيعات الدولار للعام الماضي بلغ 81 ملياراً، وهو الأعلى في تاريخ العراق.
وذكر سند في تدوينة، أن «81 مليار حجم مبيعات الدولار خلال عام 2024، وهو أعلى من مجموع سنتين 2019 و2020».
وأضاف: «بالرجوع إلى تقنية الفار فإن هناك تصريحاً لرئيس الوزراء قال إن 12 مليار دولار في السنة كافية لسد الاستيرادات وما تبقى تهريب وقضينا عليه».
أما عضو مجلس النواب العراقي سجاد سالم، فقد كشف أن جزءاً من تهريب الدولار يذهب إلى إيران، مشيراً إلى أن الاقتصاد العراقي خاضع لقرارات النفوذ الإيراني.
وقال سالم في لقاء تلفزيزني، إن «تهريب الدولار من العراق يذهب لعدة دول، وجزء كبير من هذا التهريب يذهب إلى إيران».
وأوضح أن «مسألة العقوبات المفروضة على إيران هي السبب لتهريب الدولار إليها، وهي جزء أساسي في هذا المجال».
وأشار إلى أن «الاقتصاد العراقي خاضع لقرارات النفوذ الإيراني، وهذه المشكلة مستمرة ودائمة».

اعتراف حكومة بغداد بأزمة الدولار

ولا تنكر حكومة بغداد، وجود أزمة تهريب الدولار، حيث صرح رئيس الوزراء محمد شياع السوداني في شباط/فبراير 2023 عندما تسلم منصبه، لقناة «العراقية» الرسمية محتجاً على حجم مبيعات مزاد العملة في البنك المركزي العراقي.
وقال السوداني وقتها «دائماً نتحدث عن وجود فواتير مزورة وخروج الأموال إلى الخارج عن طريق التهريب وهذا واقع»، مبديا استغرابه من استيرادات كانت تصل قيمتها لنحو 300 مليون دولار يوميا، فيما الحاجة الفعلية لا تتجاوز 50 مليون.
وأعرب عن قناعته «إن ذلك يفسر أن العملة كانت تهرب إلى الخارج، وكانت هذه مشكلة مزمنة منذ سنوات». إلا أن الخبراء أشاروا إلى أن حكومة السوداني لم تستطع الحد من التهريب بل ازدادت وتيرته أكثر من السابق.
وضمن السياق ذاته، أقر مستشار رئيس الوزراء للشؤون المالية، مظهر محمد صالح، بأن «العراق لا يحتاج إلى هذه المبالغ الهائلة بحجم الاستيرادات الكبيرة، وتنوع وتعدد السلع التي يتم استيرادها بدون فرض رقابة عليها، خصوصاً السلع الكمالية أو التافهة التي نراها في الأسواق ويتم إنفاق العملة الأجنبية عليها». ودعا إلى «تنشيط القطاع الصناعي العراقي والتحول إلى نظام أتمته لتسجيل البضائع الواردة، ليتبين لنا ما هي البضائع التي تصل فعلاً والتي تم تزويد التجارة بمبالغ مالية من العملة الصعبة وشراء الدينار منهم مقابلها»، بالإضافة إلى «اخضاع المنافذ الحدودية ومعاملتها على انها منطقة واحدة»، بدون ان يذكر سبب عدم تطبيق الحكومة لهذه المقترحات.
وفي تقرير نشرته هيئة النزاهة بعنوان «دور نظام الرقابة المالية في منع ظاهرة تهريب العملة الأجنبية» الذي اعتمد على بيع العملة في البنك المركزي العراقي أنموذجاً، توصل إلى أن هناك العديد من المخالفات والخروقات الكبيرة في التعليمات والقوانين التي صدرت من البنك المركزي، نتيجة إهمال متعمد أدى إلى حدوث تجاوزات خطيرة أفرزت ظاهرة تهريب العملة كأحد أهم أوجه الفساد في العراق. وذكر تقرير «هيئة النزاهة» عدة مظاهر لتهريب العملة أهمها تضخيم «الفواتير الخاصة بالاستيرادات السلعية الوهمية».
ويذكر أن مبيعات البنك المركزي من العملة الأجنبية كانت في 2023 نحو 40.9 مليار دولار، وفي عام 2022 وصلت إلى 48.5 مليار دولار، اما في عام 2024 فقد قفزت إلى 81 مليار دولار.
فيما أشار مركز التجارة العالمي الذي يصدر تقريراً سنوياً عن حجم التجارة: «أن 85 مليار دولار هي قيمة الاستيرادات العراقية لعام 2023».
وقد دفع تضخم حجم المبالغ المحولة إلى خارج العراق إلى اتخاذ المؤسسات المالية الأمريكية إجراءات وعقوبات على بنوك عراقية عديدة بتهمة غسيل أموال وتهريب الدولار إلى إيران ونظام الأسد وحزب الله اللبناني، كما أجبرت البنك المركزي العراقي على اتخاذ إجراءات لإصلاح النظام المالي.
ويتفق خبراء الاقتصاد أن حل أزمة تهريب الدولار وإيقاف نزيف العملة الصعبة في العراق، تتطلب إجراءات حكومية سريعة ورادعة، وإرادة سياسية لمواجهة حيتان الفساد من البنوك والتجار المرتبطين بأحزاب مؤثرة بالقرار السياسي، حيث انه وبالرغم من كل ادعاءات حكومة بغداد حرصها على الحد من الهدر الهائل وتهريب الدولار، فالمؤكد أن إجراءات البنك المركزي لا تؤدي إلى تحقيق هذه النتيجة لوجود تأثيرات قوية عليه من القوى المتنفذة، وهو ما يهدد بلجوء واشنطن إلى فرض عقوبات مالية مدمرة على الاقتصاد العراقي لايقاف جعل العراق بقرة حلوب للدول الأخرى.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية