أزمة جامعة بير زيت.. إضراب وانسحاب طلبة.. ومحللون: نسخة مصغرة عن الفشل الفلسطيني

 سعيد أبو معلا
حجم الخط
1

رام الله- “القدس العربي”: من أزمة لأزمة.. هكذا يبدو حال جامعة بير زيت، شمال مدينة رام الله، بعد أن دخل إضراب نقابة العاملين فيها إلى اليوم 45، إضافة إلى إعلان أعضاء الهيئة الإدارية للنقابة عن إضراب مفتوح عن الطعام.

وينظر إلى بير زيت على أنها من أعرق الجامعات الفلسطينية وأكثرها حرية، لكنها تمر بمجموعة من الأزمات المالية، إلى جانب أزمات طلابية قبل أشهر عطلت أعمالها لأكثر من شهر أيضاً.

ودخلت الأزمة في الجامعة طوراً جديداً مع إعلان الهيئة الإدارية الإضراب عن الطعام قبل نحو 5 أيام، حيث شرعت الهيئة، بأعضائها التسعة، إلى اعتصام مفتوح داخل الحرم الجامعي، متهمين إدارة الجامعة بالتخطيط للانقضاض على حقوق العاملين، وإنهاء أي وسيلة نقابية فاعلة.

ونفت إدارة الجامعة، في أحاديث وبيانات صحفية، اتهامات الهيئة الإدارية لنقابة العاملين، مؤكدة أنها ملتزمة بتطبيق الاتفاقات السابقة الموقعة مع الهيئة.

عقود مجحفة تلتف على قانون العمل للتخلص من موظفين يعملون في الجامعة لسنوات طويلة بدوام كامل.

وتؤكد نقابة العاملين في الجامعة أنها انخرطت في حوارات طويلة ومستمرة مع إدارة الجامعة منذ بداية العام الأكاديمي الحالي حول تطبيق اتفاق الكادر للعام 2016 الذي يقود إلى إضافة نسبة الـ 15% على الراتب الأساسي، والذي تصر الإدارة على إبقائها كمبلغ مقطوع، الأمر الذي يحرم العاملين من الحقوق المترتبة على الاتفاق، بما فيها تلك المرتبطة بزيادة الراتب التقاعدي، وصندوق التوفير للعاملين، ونسبة غلاء المعيشة.

وإلى جانب اتفاق الكادر، تطالب النقابة بمطالب متعلقة بالتأمين الصحي تتضمن تحويل فرق سعر الدينار المقتطع من مساهمة الموظفين للتأمين الصحي، الأمر الذي يحول دون الحفاظ عليه وتطويره واستدامته كتأمين صحي تكافلي يدار من خلال لجنة تأمين صحي في الجامعة، بحسب نقابة العاملين.

إلى جانب ذلك تطالب بعدم المس بالأمن الوظيفي للموظفين من خلال عقود مجحفة تلتف على قانون العمل للتخلص من موظفين يعملون في الجامعة لسنوات طويلة بدوام كامل.

أما في مطلب القضايا الأكاديمية والجودة الأكاديمية في الجامعة، فتطالب النقابة بوقف الأعداد المتزايدة للطلبة في الشعب الدراسية بخلاف توصيات مجالس الدوائر في الجامعة، إضافة إلى البدل المنصف للعمل الإضافي للأكاديميين المتفرغين وغير المتفرغين، وتطوير البيئة التعليمية وتجهيز الغرف الصفية ومكاتب العاملين، وكذلك تطبيق مبادئ الشفافية والمحاسبة والتشاركية والإنصاف وعدم التمييز، والالتزام بحقوق العاملين، والكف عن سياسة التوفير المالي على حساب الحقوق والجودة الأكاديمية.

اتهمت ميعاري إدارة الجامعة بأنها ترغب بإطالة أمد الأزمة، والمراهنة على كسر إرادة العمل النقابي، وكسر التفاف الناس حول العمل النقابي…

وتتهم النقابة إدارة الجامعة بالتعنت في تطبيق الاتفاقيات والاستجابة لحقوق ومطالب العاملين، والتراجع عما يتم الاتفاق عليه في جلسات الحوار.

يذكر أن النقابة أعلنت عن نزاع عمل بتاريخ 21 حزيران 2022، قبل بداية الفصل الصيفي، وتلا ذلك جملة من الإجراءات النقابية التدريجية، إلى أن تم الإعلان عن تعليق الدوام بشكل كامل، بدءاً من يوم السبت 27 آب 2022، أما بتاريخ 19 أكتوبر من الشهر الجاري فتطور الإضراب إلى إضراب عن الطعام داخل الحرم الجامعي.

وطالب الأكاديمي في الجامعة د. عبد الرحيم الشيخ الجامعة والنقابة بضرورة العودة للدرس القديم الذي أشار إليه الأستاذ حنا ناصر، رئيس مجلس أمناء جامعة بيرزيت قبل سنوات عشر، وفيه دعا “الحكومة الفلسطينية بمعالجة الوضع قبل فوات الأوان.

ويرى الشيخ أن مطالب النقابة التي يمكن حصرها في الدعوة إلى الالتزام بالقانون على ثلاثة مستويات، وهي: الاتفاقيات الموقعة، والجودة الأكاديمية، والشفافية والمحاسبة، لا تقتصر على الجانب المالي، الذي تتحمل السلطة الفلسطينية المسؤولية المباشرة عنه، سواء بنسبة الموازنات المخصصة للتعليم العالي، أو الوفاء بدفع تلك النسبة للجامعات.

وطالب الشيخ بضرورة توجيه نضال مكوِّنات الجامعة، إدارة ونقابة وطلبة، إلى السلطة التي تتحمل المسؤولية المباشرة عن تردي الوضع المالي في الجامعات.

وأبدى استغرابه من قيام وزارتي التربية والتعليم العالي والعمل بلعب دور الوسيط حين تنفجر الأزمة، مشددا أنه لا يمكن لطرف في النزاع أن يكون وسيطاً، ناهيك عن أن يكون وسيطاً نزيهاً.

الشيخ: مطالب النقابة لا تقتصر على نضال لقمة العيش، بل تتجاوزه نحو مطلب الشراكة الأخلاقية في تحديد مستقبل الجامعة كمؤسسة وطنية.

ويشدد الشيخ إلى عدم المس بحقوق العاملين والطلبة بدعوى الأزمة المالية، لئلا نقتل خيولنا بخلا، كما أنه لا نطالب العاملين بالانتحار كرماً من خلال التنازل عن الحقوق مثل حصان حاتم.

ولا يرى الشيخ أن مطالب النقابة تقتصر على نضال لقمة العيش، بل تتجاوزه نحو مطلب الشراكة الأخلاقية في تحديد مستقبل الجامعة كمؤسسة وطنية.

ويرى الكاتب والمحلل السياسي ماجد العاروري أن جامعة بير زيت أصبحت تعتبر نسخة مصغرة للفشل الفلسطيني.

وأضاف: “قد تبدأ الإضرابات وتنتهي دون نتيجة، يكفي أن يبحث كل طرف عن بند يسميه انتصاراً، كما هي كل الانتصارات الفلسطينية الوهمية. لو حسبنا حجم الخسارة التي تعرض لها طلبة وإدارة ومدرّسو جامعة بيرزيت في الإضراب السابق (إضراب الطلبة)، والنتيجة التي تحققت بإرغام موظف من الجامعة على الاستقالة، لضحكنا كثيراً على أنفسنا، إن كنا نحتاج إلى كل هذه الخسارة قد نحقق مثل هذا الانتصار”.

وتابع قائلا: “ولو حسبنا حجم الخسارة التي تتعرض لها جامعة بير زيت بفعل إضراب نقابة العاملين، والتي تقدر على المستوى الإستراتيجي والمعنوي بملايين الدولارات مقابل رفض التعاطي مع مطلب نقابة الموظفين والتي تقدر تكلفتها بأحسن الظروف مائة وخمسين ألف دينار، وفقاً لمعطيات النقابة، لبكينا دماً على الحالة التي ألمّت بنا”.

ماجد العاروري: جامعة بير زيت أصبحت تعتبر نسخة مصغرة للفشل الفلسطيني.

وأضاف العاروري: “مَن هو على حق ومن هو على غير حق؟ مَن إضرابه قانوني ومَن إضرابه غير قانوني؟، هذه أمور مهمة في مجتمع تحكمه سيادة القانون، ويؤمن بالحوار ولديه أدوات حقيقية لحل النزاعات التي تقع داخله، لكنها ليست مهمة في مجتمع تتراكم فيه عناصر الفشل حتى في جامعة كانت توصف بالعراقة”.

ويرى الكاتب العاروري أن المؤسسة التي تتعطل فيها الحياة الجامعية كل هذه الفترة خلال أقل من عام واحد تعني بكل بساطة فشلاً ذريعاً لإدارتها في التعاطي مع أزماتها الداخلية، وحين أقول فشل الإدارة أضم إليها فشل مجلس الأمناء، الذي صنّف نفسه ملحقاً بالإدارة، وليس الجسم المسؤول عن رسم سياسات الجامعة ويقف على نفس المسافة من الطلبة ومن النقابة ومن أحجار الجامعة، فهو أمين عام الجامعة بكل مكوناتها، وليس ملحقاً بطرف دون غيره، وأظنه لم يكن موفقاً في هذه المرة”.

ويضيف: “المطلوب فتح حوار فوري بين النقابة وإدارة الجامعة، فلا يعيب إدارة الجامعة فتح الحوار، كما لا يعيب النقابة إعلانها فوراً عن تعليق الإضراب واستبداله بوسائل أخرى، فالإضرابات المفتوحة لا تكسر فقط ظهر إدارة الجامعة، بل تكسر أيضا ظهر الجامعة”.

تعمق الخلاف

وكان الخلاف قد تعمق، بحسب نقيبة العاملين في الجامعة د. لينا ميعاري، التي قالت، في حديث صحفي، إن إدارة الجامعة، وبدلاً من الاستجابة لمطالب النقابة، أعلنت عن دفع 50% من رواتب العاملين بحجج مالية.

واتهمت ميعاري إدارة الجامعة بأنها ترغب بإطالة أمد الأزمة، والمراهنة على كسر إرادة العمل النقابي، وكسر التفاف الناس حول العمل النقابي، ومعاقبة من يلتزم بالعمل النقابي ويطالب بحقوقه.

وتبادل مهتمون ومراقبون أنباء عن أن إدارة الجامعة تشترط قبل الموافقة على المطالب، أن توقع النقابة على تعهد بعدم تنفيذ أي إضراب وتعليق للدوام طوال السنوات الخمسة القادمة.

وبدوره انتقد نائب رئيس جامعة بير زيت لشؤون التنمية والاتصال غسان الخطيب إغلاق الجامعة، معتبراً هذا الفعل “غير قانوني وألحق بالغ الأذى بالجامعة وطلبتها من نواحي أكاديمية ومالية”.

واعتبر أن جوهر الأزمة يتمثل في تغليب منهج استسهال استخدام أسلوب إغلاق الجامعة وتعطيل التدريس، وتراجع احترام الأنظمة والقوانين.

 أنباء عن أن إدارة الجامعة تشترط قبل الموافقة على المطالب توقيع النقابة على تعهد بعدم تنفيذ أي إضراب وتعليق للدوام طوال السنوات الخمسة القادمة.

أهالي الطلبة على الخط

وتدخل مجموعة من أهالي طلبة جامعة بير زيت، حيث طالبوا الجامعة بفتح أبوابها لمدة 3 أيام من الأسبوع القادم ليتمكن من يرغب من الطلبة من سحب أوراقهم والرسوم المدفوعة مسبقاً، حتى يتمكنوا من الانتقال إلى جامعات أخرى.

وجاء في البيان: “لم يكن هذا ما تمنيناه، كأهالي طلبة، من انسحاب أبنائنا من هذه الجامعة التي اخترناها من بين جميع الجامعات المحلية والعالمية، ولكن للأسف فإن الإضرابات المتكررة وضياع مستقبل أبنائنا الطلبة دفعنا لاتخاذ هذا القرار”.

وناشد الأهالي جميع الأطراف في جامعة بير زيت، من مجلس أمناء ومجلس جامعة ورئاسة جامعة ونقابة عاملين ومجلس طلبة، الجلوس على طاولة الحوار، وتشكيل اللجان المتخصصة لدراسة جميع المطالب المطروحة من قبل نقابة العاملين ومجلس الطلبة ونقاشها بشكل موضوعي وحضاري، للوصول إلى تفاهمات مرضية تكون أساساً لديمومة واستمرارية عمل الجامعة وتجاوز الأزمات والتحديات الحالية وضمان استمرار مساهمتها في بناء جيل مميز من الخريجين الفلسطينيين وتأدية رسالتها الوطنية، كما عهدناها دائما وأبداً.

وناشد الأهالي نقابة العاملين والموظفين وقف الإضراب فوراً، والدخول في جولة تفاوض مع إدارة الجامعة لتحقيق مطالب النقابة ضمن إمكانيات الجامعة، وضمن التفاهمات السابقة، وضمن خطة زمنية متفق عليها بين جميع الأطراف، إضافة إلى تشكيل لجان متخصصة لحل الخلافات الحالية داخلياً، وذلك لضمان استمرار العملية التعليمية وعدم العودة إلى الإضرابات.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية