أزمة حركة فتح: المؤتمر الوطني الافريقي نموذجا

حجم الخط
0

أزمة حركة فتح: المؤتمر الوطني الافريقي نموذجا

محمد مشارقةأزمة حركة فتح: المؤتمر الوطني الافريقي نموذجا لم تكن نتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية حدثا عابرا يمكن التعامل معه كقطوع مؤقت في المسيرة السياسية، فالقراءة التفصيلية تشير الي ان ما جري كان تحولا نوعيا وعميقا لا زالت مفاعيل ارتداداته جارية ولما توقفت آثاره بعد. ويخطيء من لا يزال يعتقد ان بامكان قوي منظمة التحرير وفي مقدمتها فتح استعادة زمام المبادرة والعودة الي الحكم بعدتها القديمة، بعد ان وجه الشعب لها وعبر عملية انتخابية نزيهة حتي لا نقول ديمقراطية ضربة في الرأس لن تستفيق منها بالمكابرة والتبرير والبحث عن شماعات لتعليق الاخطاء عليها، ولا بالتمسك بآخر اوهام خشبة الخلاص علي اهميتها، مؤسسة الرئاسة ومنظـــمة التحرير، تلك الرؤي التي يؤمل منها ان تكون جسرا لعودة فتح ظافرة الي مقاعد الحكم، لان اشاعة هذه الاوهام والوصفات الساذجة من شأنها اعفاء الجميع من الانخراط الجدي في عملية المراجعة العميقة والناقدة لحقبة كاملة من المسيرة الفلسطينية. ان فوز حركة حماس بغالبية مقاعد المجلس التشريعي، فتح الباب واسعا لاعادة تشكيل الخارطة السياسية علي اسس وقواعد جديدة تستند الي جملة من المتغيرات التي حصلت عالميا واقليميا ومحليا، منها: تسلم تيار المحافظين الجدد مقاليد الادارة في الولايات المتحدة محملا بترسانة ايديولوحية دينية متطرفة، استتبعت صعودا لتيارات الاسلام السياسي بتعبيراته المختلفة، وترسخ مواقعه في الحياة السياسية، والتحاق قطاعات واسعة بهذا التيار الصاعد من الفئات الوسطي المطحونة بفساد الدولة التسلطية والتطور الراسمالي المشوه، فقد تمكن هذا التيار من ان يبني قواعده ويغرس جذوره في بنية ناقمة ومقهورة ومغيبة عن المشاركة، لتستفيق الانظمة الحاكمة ومعارضاتها علي شبكة واسعة من المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والصحية والتعليمية تديرها الحركات الاسلامية وتغرف منها رصيدها الانتخابي وتعزز بها نفوذها وسط شرائح وفئات المجتمع كافة، بما فيها الفئات العاملة والمهمشة التي كانت مصدر قوة التيارات اليسارية في الخمسينات والستينات. وفي هذا الاطار استفاد التيار من المراجعات المتقدمة التي قامت بها بعض الحركات الاسلامية لتجربتها العملية في العقود الماضية، والتي تقول صراحة برفض استخدام العنف كوسيلة للوصول الي الحكم والقبول بنتائج صندوق الاقتراع وبمبدأ تداول السلطة سلما، واحترام الاطر الدستورية القائمة.علي هذه الارضية ومنها يمكن الانطلاق في القول ان ما جري فلسطينيا لم يكن حالة عابرة ومنفصلة عن سياقها التاريخي، بل ذروة نهوض قوي جذرية تعتبر صعود حركة حماس الي سدة القيادة هو انتصار لمشروعها الدولي، معززة بكل ما تحمله هذه البؤرة (فلسطين) من مثقلات دينية عميقة.فتح الازمة البنيوية تميزت حركة فتح باعتبارها اطارا وطنيا مفتوحا تجنب ومنذ البداية اعتناق ايديولوحية او فكر سياسي وتنظيمي محدد، رغم ان المؤسسين جاؤوا من خلفيات سياسية وفكرية مختلفة، وشكلت السنوات العشر الاولي الذهبية من تاريخها، ردا مبدعا علي الهزيمة العربية الاولي والثانية، واعطت املا وروحا جديدين للمناضلين الفلسطينيين والعرب، بامكانية النهوض والمقاومة. رغم حالة الصدام التي أخذت شكل الاشتباك المسلح مع بعض الانظمة العربية التي لم يرق لها استقلالية الفلسطينيين في اخذ زمام المبادرة بيدهم، الا ان فتح لم تراجع تجربتها السياسية والتنظيمية وظلت في بنيتها الداخلية تقوم علي خليط من المنطلقات السياسية والاخلاقية والنضالية البسيطة تدور حول فكرة مركزية هي النضال من اجل التحرير، التصقت قيادتها بقواعدها وعاشت همومها ومعاناتها.شكلت مرحلة منتصف السبعينات منعطفا هاما في تاريخ حركة فتح، فقد تدفق الريع النفطي بعد الثورة الهائلة في الاسعار وبات مصدرا اساسيا لتمويلها، وتمويل الحرب الاهلية اللبنانية التي انخرطت فيها او لمواجهة صعود تيارات اليسار عربيا وعالميا، فقد استفادت فتح من الفورة النفطية بتوسع هائل في قاعدتها التنظيمية والادارية والعسكرية والاعلامية، ساعدها في الاطباق علي خناق منظمة التحرير ومؤسساتها ومكنها من بناء شبه دولة في المنفي قاعدتها جيش من الدبلوماسيين والاداريين والاعلاميين، وطفت علي سطح الحركة نخب جديدة ارتقت الي موقع بين منزلتين الثورة والدولة، حملت معها قيم وسلوكيات هجينة تجمع بين سمات رجال الاعمال والثوار، لكن المعايير منذ ذلك الوقت اختلفت، فقد ذوت قيم الطهارة الثورية والنزاهة والزهد والتواضع لصالح البذخ والفساد المالي والاخلاقي والمحسوبية والفهلوة وشراء الذمم، وتوسعت حالة التذمر والاحباط لدي قطاعات واسعة في الحركة لم ينقذها سوي ارييل شارون بغزو لبنان واخراج قوات منظمة التحرير وتشتيتها.وتدريجيا بات الزعيم عرفات يمسك بمعظم الخيوط الادارية والمالية منها علي وجه الخصوص، واستبدل التنظيم وآليات عمله بهرمية عشائرية مفاتيحها عدد من الابوات الذين ارتبطوا بدورهم بشبكة من الانصار والمريدين علي اسس غير سياسية، استندت في غالبيتها علي المناطقية والجهوية والقرابة، ومع الانشقاق الشهير الذي قاده ابو خالد العملة وابو موسي وسميح كويك وابو صالح في 1983 وكذا اغتيال ماجد ابو شرار في روما، اسدل الستار علي ما تبقي من استقطابات علي اسس سياسية وفكرية. بانتقال مركز القيادة الفلسطينية الي تونس، واستشهاد القادة المؤسسين ابو جهاد وابو اياد تمكن ياسر عرفات من الامساك وبصورة مطلقة بكامل الصلاحيات، وجاء مؤتمرالحركة الخامس ليرسم بالخاتم الرسمي حالة الخراب وانقلاب المفاهيم والقيم (التي وجدت تعبيرها الواضح في تشكيلة المجلس الثوري واللجنة المركزية).وعلي صعيد العمل في الارض المحتلة التي كانت تدعي بالقطاع الغربي، زحفت موازين القوي الجديدة علي هذا الجهاز بعد استشهاد قائده خليل الوزير ابو جهاد، وشهد عملية تصفية منظمة، حيث ابعدت الكوادر الرئيسية عن موقع القرار والعمل الميداني، وجري اعتماد الاتصال الرأسي والتمويل المباشر بعيدا عن اللجان المناطقية، وهكذا وعلي قاعدة الاستزلام والولاء المرتبط بالمصالح الشخصية، تصدر المشهد السياسي في الارض المحتلة رموز بات ولاؤها المباشر لمموليها بعيدا عن قاعدتها او وزنها التنظيمي او الاعتبارات النضالية المتعارف عليها.مع عودة القيادة من منفاها التونسي الي الداخل، انتقل ارث الادارة الفتحاوية وتقاليدها وقيمها الي الداخل، وبات الابوات والمفاتيح التنظيمية هم الماكينة التي جري الاعتماد عليها لاستقطاب الاشخاص الذين ارتبطوا بالخيوط التونسية ليكونوا قناتهم الي القاعدة الشعبية، ولتنظيم الولاءات والنفوذ للقادمين الجدد، وقد كوفئ هؤلاء بمنحهم الامتيازات الوظيفية في جهاز السلطة، وهكذا رحل المناضلون القدامي/الموظفون الجدد من الفئات العليا والوسيطة في الادارة الحكومية، الي العاصمتين الاداريتين غزة ورام الله تاركين خلفهم زملاءهم في النضال وعائلاتهم في مخيمات وقري وبلدات البؤس والفقر والحرمان، لكن هذه الفئة صارت محط حسد وانتقاد محيطهم الاجتماعي السابق. ومع تعطل مسيرة التسوية وانحطاط مستويات المعيشة وزيادة معدلات البطالة، والاغلاقات الاسرائيلية والحصارالدائم، كان السخط والاحباط الشعبي يوجه نحو رفاق الامس. شخص فريد واحد فقط كان بامكانه ان يدير هذه الشبكة من المصالح والادوات هو ياسر عرفات، الذي تمكن عبر شبكته القديمة والجديدة من الاستمرار في ضبط ايقاع الشارع وامتصاص غضبه وردات فعله علي ممارسات ازلامه، عبر نظام من الهبات والاعطيات الشهرية التي يوزعها من خلال الوكلاء وفق نظام يصرف له ، وترتفع مكانه المندوب في اوساط الجماعة بحسب قدرته علي تامين تواقيع الصرف المالي والخدمات، ولم يكن هذا النظام ليقوي من النفوذ التنظيمي للحركة، بل لتعزيز المكانة الشخصية لهؤلاء الوكلاء. فقط ياسر عرفات كان بامكانه ضبط الايقاع في السلطة والمنظمة وفتح بكفاءة عالية بل ونادرة. فقد وزع الادوار والاموال والمواقع وخبر جيدا اثقال رجاله، وامسك بمقادير النظام الذي فصل علي مقاسه تماما، وهكذا ارتبط التقدم والتطور، الصمود والمقاومة، المساومة والتراجع، الفساد والمحاسبة، كل ذلك باسمه وبتوقيعه، ولهذا لم يكن مستغربا ان يصل الجميع داخليا وخارجيا الي خلاصة مرة، أن لا امل في التغيير ما دام الرئيس عرفات علي قيد الحياة، وساهم الموقف الاسرائيلي والامريكي الذي انقلب علي عملية السلام في ادامة الجمود والعطالة في الحياة الفلسطينية، خاصة وان عرفات ربط غير مرة اجراء الاصلاحات باستكمال فرض السيادة علي باقي الارض الفلسطينية التي حاصرها الاحتلال بالحواجز والاستيطان لتتحول الي معازل عنصرية حقيقية، فاودعت المناطق الفلسطينية في حالة من الترقب والانتظار، انتظار الظروف المحيطة او تدخل الهي كما كان يجيب عدد كبير من قادة السلطة وفتح علي سؤال الاصلاح.تدخل القدر فعلا ورحل أو قتل عرفات الزعيم التاريخي والمادة الصمغية التي حافظت علي لحمة الوضع الداخلي برمته، ومع رحيله انهارت البني الفلسطينية جميعا من فتح الي منظمة التحرير والسلطة.والسؤال اليوم: هل يمكن اعادة عقارب الساعة الي الوراء؟ في تقديري ان الامر ولي الي غير رجعة، فالحديث يجري عن وحدة فتح، في غياب الموحد او ترميم آليات عمل لا وجود لها اصلا، فالحركة لم تكن يوما ومنذ عقود ثلاثة تنظيما حقيقيا، والمراهنة علي تحويلها الي تنظيم عصري يحتكم الي المؤسسات والتعددية السياسية والفكرية ضرب من الامنيات الطيبة، بالنظر الي ان حجم الضغوطات والتدخلات الخارجية والاغداق المالي علي مراكز القوي داخلها سيزداد مع تشكيل حماس للحكومة. كما ان اعادة بناء مؤسسة فتح علي اسس الواقعية والحداثة تعيدها الي الواجهة يحتاج الي فترة اختبار طويلة فالشعوب لا تنتقل في خياراتها بين ليلة وضحاها، كما ان علي الناس ان يلمسوا تغييرا مبدعا وجديا حتي يعيدوا النظر بموقفهم من الاسلاميين، ولا بد من متغير دولي واقليمي يسهل علي فتح استعادة دورها وبرنامجها وشعاراتها وهو ما لا يبدو في الافق القريب، مع ادارة بوش والحكومة الاسرائيلية القادمة.فقد تم استبدال كل اطر عملية السلام وفق الاتفاقات والقرارات الدولية من اتفاقات اوسلو وواشنطن والقاهرة ومبادرات ميتشل وتينيت بخارطة الطريق المثقلة باربعة عشر لغما وضعها شارون بموافقة امريكية.نحو صيغة مانديلا في المؤتمر الوطنيلا حاجة بنا الي القول ان الوضع الذي آلت اليه فتح ينطبق علي فصائل منظمة التحرير جميعا، فآليات العمل الداخلية التي ضبطها ياسر عرفات لا يمكن استحضارها مجددا بعد رحيله، ولم يتوفر الوقت الكافي لابداع اليات جديدة تؤطر التعدد والتنوع والخلاف، ولهذا يبدو ان اقل الاضرار الوطنية والتنظيمية هي في المشاركة في حكومة حماس، لتأمين عبور النفق الانتقالي الي صيغة جديدة وكذا تجاوز مخاطر الجمود في العملية السياسية. أما الرهان علي استعادة مكانة المنظمة وبعث الحياة فيها فهو ضرب اخر من الاوهام التي يتمسك بها البعض داخل فتح واليسار كخشبة خلاص، فالمنظمة شاخت منذ زمن، والقوي المشكلة لها لم يعد لبعضها وجود علي الارض وانفضح ضعفها في الانتخابات المحلية والتشريعية الاخيرة، عدا عن ان امتدادات المنظمة في المنافي والشتات تحولت في العقد الاخير الي هياكل وهمية حلت مكانها دينامية تديرها حماس بشبكة معقدة من المؤسسات المدعومة من تيار الاخوان المسلمين الدولي. ولا يخفي علي أحد ان اللجوء الي اي شكل ديمقراطي حقيقي في مؤسسات المنظمة واجراء الانتخابات حيثما توفر ذلك في المنافي يفضي واقعيا الي نتائج محسومة سلفا لصالح حماس في ظل غياب فتح وحلفائها عن الساحات الخارجية وتوقفها عن العمل في الاردن وسورية.ولهذا نقول ،ان لا جدوي من النفخ في قربة مثقوبة ولا استعجال احياء منظمة التحرير في الظروف الحالية قبل تبلور الحالة الوطنية الجديدة، لان هذا الاستعجال يعني ببساطة تكريس حالة الخلل البنيوي التي اصابت العمل الوطني ولعقود قادمة. ان فتح مدعوة اليوم اذا ارادت الاستمرار في الحياة السياسية الي الانخراط في ورشة عمل حقيقية صريحة وشفافة من اجل تقييم جدي للمسيرة الماضية بمشاركة كل الوطنيين الفلسطينيين من اجل ابداع افكار جديدة تطلق الحيوية والدينامية بهدف الخروج من الازمة، تحرك ذو شقين: الاول داخلي للوصول الي توافقات الحد الادني من صيغة عصرية تحتمل القبول بالتعددية والمنابر السياسية في الاطار الواحد وآليات تنظيمية تؤمن حماية هذه التعددية وتنوع اشكال النضال، اما الشق الاخر فله صلة بالمسؤولية الوطنية عن مجموع الحركة الفلسطينية بتعبيراتها المختلفة اليسارية والقومية والدينية المستنيرة، التي دخلت هي الاخري في مرحلة التشرذم والموات، مطلوب من فتح الخروج الي الحلفاء من اجل تجاوز الخلل الذاتي، والاقتراح هنا صيغة ائتلاف عريضة تستمر لعدة سنوات، بما يقترب الي حد بعيد من صيغة المؤتمر الوطني الافريقي بقيادة نلسون مانديلا، اطار جبهوي يجمع بين المتدينين والعلمانيين والوطنيين القوميين يقوم علي رؤية جديدة يقنع اعضاءه وجمهوره والشعب بان شيئا قد تغير.ان المرحلة في جوهرها لا زالت تحمل سمات ومهمات التحرر من الاحتلال ذي الابعاد الاجتماعية، واذا ما توفرت الارادة السياسية والاعتراف بحجم الخراب والمخاطر فان فتح يمكنها تقديم البدائل وتجاوز الازمة بما يعيد تشكيل الحركة الوطنية علي اسس جديدة، بدائل تنقذها من صراعات مراكـــــز القوي المدمرة وتنقذ الفصائل المتحالفة معها من تشرذمها وضعفها، عل ذلك يعجل في اخراج الوضع الفلسطيني من ازمته ويوقف مسلسل التصفية الزاحف سريعا علي كامل المشروع الوطني. ان سقوط السلطة بقيادة حماس لن يكون في مصلحة فتح ولا فصائل منظمة التحرير، لانها لم تعد تشكل بديلا مقنعا. والبديل الماثل للعيان هو عصابات مسلحة في المدن تشكل اداراتها المحلية وتفرض الامن والنظام علي الطريقة الصومالية وهو بالضبط ما تريده اسرائيل.ہ كاتب من فلسطين يقيم في لندن8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية