غزة – «القدس العربي»:
في غزة، حيث المال لا يساوي حياة، وحيث الجوع يلتهم الأوراق النقدية كما تلتهم الحرب كل ما تبقّى من معنى، يولد مفهوم جديد لاقتصاد لا يستجيب للمنطق. هنا، في هذا الركن المحاصر من العالم، يتجلى الواقع الصفريّ بكل تناقضاته القاسية؛ حيث لا قيمة للمال، ولا فعالية للأدوات، ولا نجاة من الحاجة.
في أحد الأزقة الضيقة في مخيم الشاطئ للاجئين غرب مدينة غزة، وقفت أم محمد المبيض أمام بائع بقالة صغيرة، تتوسل إليه أن يمنحها علبة حليب لطفلها المريض مقابل ورقة نقدية من فئة عشرين شيكلًا. كانت الورقة متهالكة، باهتة الألوان، ممزقة من الأطراف، لا يكاد الرقم المطبوع عليها يُقرأ. هزّ البائع رأسه معتذرًا: «هذه لا تُقبل، حتى البنك ما بياخدها، سامحيني يا خالتي».
ارتجفت يدها وهي تعيد الورقة إلى جيبها، كأنها تعي جيدًا أن ما تملكه من نقود لم يعد يساوي شيئًا. تضيف لـ«القدس العربي»: «كان عندي مال، لكن ما في طريقة أشتري فيه أي حاجة. البنك ما بيشتغل، والبائعون ما بياخدوا المصاري اللي معي. شو أعمل؟» قالتها وهي تبتعد، تجرّ خلفها صمتًا ثقيلًا وطفلًا باكيًا.
ليست أم محمد سوى واحدة من آلاف العائلات في غزة التي أصبحت تملك المال، ولا تملك معه القدرة على الشراء. فالحرب والحصار دمّرا كل ما تبقى من ملامح الاقتصاد، وتركا الناس في مواجهة حياة يُنكرها المنطق، وتُفقد فيها النقود معناها.
منذ اندلاع حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة في تشرين الأول / أكتوبر 2023، وتواصلها أكثر من 18 شهرًا، تفاقمت أزمة السيولة النقدية في القطاع إلى حد مرير وغير مسبوق. غالبية البنوك أغلقت أبوابها، والبقية شبه مشلولة، أجهزة الصراف الآلي متوقفة، والحوالات المالية التي تصل عبر تطبيقات رقمية مثل «بنك الإنتاج» أو «بنك فلسطين» لا تجد طريقها إلى جيوب الناس، بل تبقى حبيسة الشاشات.
ومع ذلك، يحاول السكان التحايل على الواقع عبر سوق غير رسمية ظهرت خلال الحرب، يديرها سماسرة يُطلق عليهم شعبيًا اسم «أصحاب الكاش». هؤلاء يشترون الحوالات البنكية مقابل عمولات مرتفعة تتراوح بين 25% و40%، ويعطون أصحابها نقودًا ورقية متهالكة تم تهريبها عبر أنفاق أو بطرق التفافية من مناطق أخرى.
«دفعت 350 شيكلا حتى أحصل على 500 شيكل كاش. كنت محتاجة أشتري دواء لزوجي، وما قدرت أستنى البنوك»، تقول إيمان النجار، موظفة حكومية لم تستلم راتبها نقدًا منذ ستة أشهر.
وتضيف لـ«القدس العربي»: «لما استلمت المبلغ، اكتشفت إن أغلبه أوراق بالية، ما بيقبلوها المحلات، اضطرّيت أروح أكثر من 5 دكاكين حتى يقبلوا مني».
الأوراق النقدية التي يتم تداولها في غزة اليوم، حسب أصحاب محال، هي في الغالب منتهية الصلاحية وفق المعايير المصرفية. كثير منها تعرض للتلف بسبب التخزين غير المناسب أو الاستخدام المكثف، وبعضها يحمل كتابات أو طمسًا جزئيًا للأرقام التسلسلية، ما يجعلها مرفوضة في التعاملات الرسمية وغير الرسمية.
على الجانب الآخر من الأزمة، تقف المعونات الغذائية التي توزعها بعض الجهات أو تُعرض في الأسواق بصيغة جديدة: الدفع عبر التطبيقات البنكية. حيث بات من الممكن شراء علبة فول أو رز أو معجون طماطم، ولكن ليس بالنقود الورقية، بل من خلال تحويل بنكي داخل التطبيق، أو عبر رمز QR يُقرأ من شاشة الهاتف.
وهذه الطريقة تبدو حديثة وفعّالة نظريًا، لكنها عمليًا تحرم الفقراء الذين لا يملكون هواتف ذكية، أو لا تتوفر لديهم أرصدة كافية في البنوك، من حقهم في الغذاء. يقول محمد أبو الخير لـ«القدس العربي»، وهو بائع في متجر وسط المدينة: «نحن مضطرون نبيع هيك، لأن الموردين ما بيقبلوا إلا بنكي. حتى لو جاني زبون ومعه كاش، برفضوه. بقولوا لي: التحويل أو ما في بضاعة».
وتوضح سلوى الكحلوت، وهي أرملة تعيش في دير البلح، لـ«القدس العربي» أن ابنها استدان من صديق له في غزة رصيدًا بنكيًا ليشتري طعامًا: «ما معنا بنكي، بس كنا جوعانين. راح ابني واتفق مع صاحبه يعمل التحويل، وأنا رجعت المبلغ بعد أسبوع. والله صرنا نتعامل كأننا بنوك متنقلة».
هذه الازدواجية في الاقتصاد خلقت حالة من الانفصام بين من يملك الرصيد البنكي ومن يملك الورق النقدي، وكلاهما لا يستطيع العيش بكرامة. وبين هذا وذاك، تفقد النقود وظيفتها الأصلية؛ أن تكون أداة تبادل تحقق للناس حاجاتهم، لتُختزل صورة الحياة في غزة إلى واقع صفريّ قاسٍ، بلا خيارات ولا أدوات.
في سوق الزاوية الشهير في مدينة غزة، أو حتى في أسواق دير البلح وخان يونس، بات من المعتاد أن يرى الزبون لافتة معلقة على واجهة المتجر كتب عليها: «نعتذر، لا نقبل النقد الورقي المهترئ». هذه العبارة، التي كانت يومًا غير واردة في ثقافة التجار، أصبحت الآن شائعة.
يشرح أبو أنس بريكة لـ«القدس العربي»، صاحب محل بقالة في السوق، أن قبول الأوراق النقدية التالفة بات مخاطرة: «أنا عندي فواتير لازم أروح أسددها للموردين، والبنك ما بياخد هاي الأوراق. شو أعمل فيها؟ أظل أتحملها؟ هذا خراب بيوت».
وبعض التجار يذهبون أبعد من ذلك، ويشترطون فئات معينة من الأوراق النقدية لقبولها. فئة العشرين شيكل المهترئة تُرفض، والخمسين تُفحص بدقة، وأحيانًا يُطلب من الزبون تبديلها قبل إتمام البيع. في هذا السياق، يُحرم أصحاب الاحتياجات من فرصهم في الشراء، ويُضطر البعض إلى التوسل أو التنازل عن بعض الحاجيات.
«رحت أشتري شامبو، رفضوا فلوسي. رجعت اشتريت صابونة بس، مع إنها مش للغرض. المهم أرجع بشيء لبناتي»، تقول أمل زاهر لـ«القدس العربي»، وهي موظفة تم فصلها مؤخرًا من إحدى المؤسسات الدولية.
ويصف الخبير الاقتصادي محمد أبو يصف الوضع في غزة أنه «اقتصاد مشوّه بكل معنى الكلمة»، ويضيف لـ«القدس العربي»: «نحن أمام حالة نادرة في العالم: الناس معها نقود لا تُصرف، ونقود تُصرف لا تُقبل، ومعونات موجودة لكن مشروطة بتقنيات غير متاحة لغالبية السكان».
ويشرح أن سبب الأزمة يعود إلى الانقسام الجغرافي والسياسي، وإلى الحرب التي شلّت حركة البنوك وقطعت العلاقة المالية بين غزة والعالم. ويؤكد أن «الاحتلال تعمد وساهم في تعميق الأزمة، لأنه يفرض قيودًا صارمة على إدخال العملة النقدية إلى غزة، ويسيطر على المعابر والبنية المالية».
ويلفت الانتباه إلى أن استمرار الأزمة على هذا النحو سيؤدي إلى نتائج كارثية: «قد تنهار الثقة بالنظام المالي بالكامل، وتنتشر الأسواق السوداء، ويعود الناس إلى نظام المقايضة كما حدث في بعض مناطق الحرب في العالم».
وفي ظل غياب حلول حقيقية، باتت المعاناة اليومية لسكان غزة تزداد تعقيدًا. فالمال لا يشتري الطعام، والبنك لا يمنح السيولة، والتاجر لا يثق بالنقد، والفقير لا يجد مخرجًا. الحصار تجاوز في تأثيره تدمير البنية التحتية أو الخدمات، ليدمر حتى مفهوم القيمة ذاته.
وتحوّلت الحاجة إلى معادلة تستغلها أطراف كثيرة: السماسرة يربحون من الأزمة، والتجار يتخذون قرارات فردية لحماية تجارتهم، والمواطن يُترك وحده في دوامة من الخيارات المستحيلة.
«أحس إني فقير حتى وأنا معي مصاري. هذا إحساس قاس، يحطم الكرامة»، يقول محمود فدعوس لـ«القدس العربي»، أب لخمسة أطفال من بيت لاهيا. ويختتم بمرارة «زمان كنا نطمح نحسن حياتنا، اليوم بس بدنا نعرف كيف نأكل أولادنا، وما نمد إيدنا لحد».
في غزة، لم تعد النقود وسيلة للحياة، بل تحوّلت إلى عبء إضافي على الذاكرة وعلى الجيوب. من يملكها لا يطمئن، ومن لا يملكها لا يحسد غيره. بين النقد المرفوض والتطبيقات المحجوبة، تتجلى معادلة القهر بكل تفاصيلها: شعب تحت الحصار، يُمنع من الموت لكن لا يُمنح الحياة.
ولعل السؤال الأعمق الذي تطرحه هذه الأزمة ليس فقط: «كيف نعيش بلا مال؟»، بل: «كيف نعيش حين لا يكون للمال أي معنى؟ حين يتجسد الواقع الصِفريّ بكل قسوته، وتغدو الحياة مرهونةً باللاشيء؟».