أزمة عناوين سورية وكاميرا خفية على حدود غزة

حجم الخط
2

الحقائق السورية الراهنة جارحة لكل ضمير، فما بالك للسوريين الذين كانوا بالأمس القريب راسخين في بيوتهم وأراضيهم وحقولهم وشوارعهم. هذا قد يدفع البعض إلى شعور بالحسرة، الجرح، الإهانة، حين يستمعون إلى من يقول إن السوريين اليوم من غير عنوان. لكن أليست هذه هي الحقيقة؟ السوريون اليوم موزعون في جهات الأرض، في المخيمات البائسة، نهباً للغبار أو المطر، على الحدود، أو في عرض البحر، وفي أمكنة غير متوقعة. ليس علينا أن ننكر ذلك، فتلك بالضبط آثار المجزرة التي ارتكبها النظام بحق السوريين.
نفهم كيف يشن النظام هجوماً معاكساً لحملة «سوريون بلا عنوان» الإعلانية التي أطلقت بالتعاون مع «برنامج الغذاء العالمي»، بحملة تحت اسم «السوريون لهم عنوان، غداً قد نلتقي» وظهر منها فيديو يظهر فيه أحد مذيعي النظام السوري أمجد طعمة، والمخرج زياد الريس. فيديو ثقيل الظل، يريد أن يقنع السوريين بأن «سوريا هي الأمل، وحدها بتجمعنا»، وكأن السوريين الفارّين من أهوال الحرب إلى عرض البحر تركوا بيوتهم عن طيب خاطر.
فيديو أمجد طعمة ورفاقه يريد التأكيد على «المؤامرة الكونية» المزعومة من وجهة نظر النظام حين يقول صراحة «ثلاث سنوات من الحرب، وأكثر من ثمانين دولة علينا..». ليس ذلك الفيديو غريباً، هؤلاء جزء من ماكينة النظام، أبواقه، وعليهم أن يرددوا معه بصوت واحد «خلصت».
الغريب هو أن يقوم معارضون سوريون بمواجهة حملة «سوريون بلا عنوان»، مثلهم مثل إعلام النظام، ولو أنهم، في شرائط الفيديو خاصتهم، بدوا مجروحين بالفعل ومتأثرين. مع ذلك يمكن القول إن حملة الثوار كانت ظالمة، ولعلها أرادت أن تكابر فوقعت في مطب «العنتريات» التي لا يمكنها أن تشبع جائعاً ولا تؤوي مشرداً. «نحن نبع الأعراق، ومن زحمة العناوين نعاني..»، هكذا كرّر مشتغلو الشريط، ولكن من قال غير ذلك؟ لو عدنا إلى فيديوهات «سوريون بلا عنوان»، وكلها متوفرة على يوتيوب، لرأيناها الأكثر احترافية، لا نحسبها تشكو من عيب، فهي مشغولة بإتقان وبتضامن واضح لا يرمي إلا لخدمة اللاجئين السوريين.
هذا السخط في غير مكانه، إنكم تصبّون غضبكم في المكان الخطأ، ليس من العدل أن نلوم الطرف الذي يقول الحقيقة على الأرض ويسعى إلى تغييرها، في الوقت الذي يجب تكريس هذا الجهد، وذاك السخط على من سبّب هذه المأساة، على أمل أن يعود السوريون إلى عناوينهم قريباً.

نزوح المطبخ الحلبي

الحلقة الأخيرة من «أصوات الشبكة» على قناة «فرانس24» تناولت اللجوء السوري من زاوية غير معتادة، حين ذهبت إلى تعاونية للنساء السوريات في لبنان يقدمن أطباقاً من المطبخ السوري للمطاعم اللبنانية. تابعتْ كاميرا البرنامج أم علي الحلبية على مدى دقائق، تحدثت، وابتسامة لطيفة لا تفارق وجهها، عن جانب من غربة المطبخ الحلبي، إن جاز التعبير. الطبق الحلبي في لبنان لا يمكن أن يكون نفسه في حلب، إنه مغترب هو الآخر، فالماء غير الماء، ولون الخضار ليس لون ذاك الحلبي، مع ذلك ظلّ للطبق الحلبي الحظوة بين مختلف الأطباق كما تقول السيدة الحلبية.
كل شيء مرّ بلطف في «أصوات الشبكة» إلى أن غنى مطرب حلبي مذكّراً بدروب مشاها في حلب، بكت أم علي، فاستغرقت الكاميرا تلاحق وجهها، وتصرّ. الكاميرا لا تشبع من الدموع. مهما ترّفع الإعلام يظلّ يطمع بطرق مباشرة وسريعة للتأثير. وجه أم علي كان أجمل بابتسامة من غير دموع.

كاميرا على حدود غزة

في رمضان الماضي اشتُهرت حلقة من برنامج الكاميرا الخفية الفلسطينية «طول بالك». جسدت الحلقة مستوطنيْن اسرائيليين يحاولان أن يقنعا الفلسطيني أبو أيمن بالتخلي عن أرضه مقابل مبلغ كبير من المال، لكن الرجل العجوز رفض بعناد ومن دون تردد، استخدم من غير تكلّف عبارات تستخدم عادة في الشعر وفي الخطابات، كما لو أن تلك الكلمات جاءت معه في الجينات منذ الولادة، «هذه أرضي وأرض جدودي»، «أنا متجذر فيها»، «أنا ابن هذه الأرض، أنتم من أين جئتم»، «لو متنا نظل نتحرك تحت الأرض». كان أبو أيمن، وهذا هو اسم ذلك الرجل الغزاوي العنيد، متوهجاً في أدائه، رافضاً من غير مساومة أو أي استعداد للتنازل حتى لو هُدد بموته وبموت أسرته.
كان ذلك قبيل الحرب على غزة. اعتقدنا جميعاً أن الرجل استثنائي ونادر المثال، لكن ما إن جاءت حرب غزة، حتى رأينا شعباً برمته نادر المثال، لا شيء سوى ذلك يصلح لتفسير الصمود.

موالاة ومعارضة

يستعمل عدد من المسلسلات السورية في لغة الحوار مصطلحي «موالاة» و»معارضة» حين يجري تناول الوضع السوري الراهن، يعرف كتّابها جيداً أن الكلمتين لا تقاربان الدقة. الكلمتان تستخدمان للقول إن أصحاب المسلسلات على الحياد، وإنهم لا ينتمون إلى أي من أطراف الصراع. هم يحاولون الاحتماء بطريق ثالث. هذان الطرفان مخترَعَان، الأقرب إلى الواقع «النظام السوري»، و»الشعب»، أي ضحاياه. إن استخدام الكلمتين هو محاولة للإيحاء بحياة سياسية عادية ديمقراطية ربما كما في كثير من بلدان العالم، متجاهلين الأسماء الحقيقية التي نعرفها جميعا.

اليرموك- غزة

تضامن فلسطينيي سوريا مع غزة، حسب ما يتداوله ناشطو الميديا الاجتماعية، جاء هذه المرة استثنائياً ولافتاً. يصعب أن تجد من بينهم من يقول غزة وكفى، إنهم غالباً ما يرفعون اسم غزة إلى جانب شقيقاتها من المدن السورية الذبيحة، يعرف هؤلاء كم احتاج السوريون إلى تضامن لم يجدوه. مخيم اليرموك كان بالطبع في قلب التضامن مع أهل غزة، كان رائعاً أن المحاصرين منذ أمد طويل في المخيم الدمشقي وجدوا فرصة للتضامن، رفعوا لافتات، قدموا أغنيات، وقصائد. الدم لا يصير ماء، مهما كان فقيراً وجائعاً وبلا حول.

كاتب من أسرة «القدس العربي»

راشد عيسى

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية