د. بشير موسى نافعلأسبوع طويل من القلق (بدءاً من 12 ايلول/سبتمبر)، شهد عدد من العواصم العربية والإسلامية انفجاراً واسع النطاق للغضب الشعبي، على خلفية من نشر شريط إعلاني طويل نسبياً لفيلم سيئ حول الإسلام ونبيه الكريم. كانت القاهرة، وميدان التحرير على وجه الخصوص، الموقع الأيقوني للثورة العربية، أول مدن الغضب العربي ـ الإسلامي. ولكن موجة الغضب سرعان ما اتسعت، لتشمل بنغازي وتونس والخرطوم والقدس وغزة وعمان وبيروت ومدنا عربية أخرى، ومدن باكستانية ونيجيرية وإندونيسية وتركية. في القاهرة، حوصرت السفارة الامريكية بالمتظاهرين، وعادت شوارع وسط المدينة ساحة مواجهة مع قوات الأمن، للمرة الأولى منذ انهيار جهاز الأمن المصري في 28 كانون الثاني (يناير) 2011. وفي تونس، اقتحم المتظاهرون سور السفارة الامريكية الخارجي، أشعلوا النار في العديد من السيارات، أنزلوا العلم الامريكي ورفعوا علماً يسود اعتقاد بأنه علم تنظيم ‘القاعدة’. ولم يختلف المشهد كثيراً في الخرطوم، حيث هاجم المتظاهرون السفارتين الامريكية والألمانية، بدون أن يعرف لماذا هوجمت الأخيرة فعلاً.بيد أن الحدث الذي حول أسبوع الغضب إلى مأساة فعلية جرى في بنغازي، المدينة التي أصبحت رمزاً لثورة الشعب الليبي على الطغيان ومقاومته لآلة الطاغية العسكرية. فقد استغلت مجموعة إسلامية راديكالية مسلحة، قيل بعد ذلك أن لها علاقة ما بـ’القاعدة’، حركة الاحتجاج التلقائية في بنغازي، وهاجمت مقر القنصلية الامريكية في المدينة بالسلاح، كما لاحقت طاقم السفارة إلى مكان قريب. انتهى الهجوم إلى مقتل السفير الامريكي كريس ستيفنز، مختنقاً، ومقتل ثلاثة آخرين من العاملين في السفارة. كان كريس ستيفنز سفيراً مميزاً، تعرف على الثقافة العربية الإسلامية في المغرب، حيث اشتغل معلماً للغة الإنكليزية بعد حصوله على الدرجة الجامعية الأولى. وربما كانت تجربته المغربية ما دفعه إلى الالتحاق بالخارجية الامريكية. منذ تكليفه بالملف الليبي، تبنى الدبلوماسي الامريكي قضية الشعب الليبي وعمل بصورة مميزة على توفير الدعم الضروري لليبيين وثورتهم، إلى أن أصبح ممثلاً لبلاده في ليبيا بعد انتصار الثورة. والمؤلم أن يتعرض هذا الدبلوماسي الامريكي للموت في المدينة التي ما كان لها ربما أن تنجو من الدمار بدون المساندة الامريكية، وفي الوقت الذي تمضي ليبيا الجديدة نحو اكتمال بنيانها السياسي. يغضب المسلمون لنبيهم منذ قديم الزمان؛ فهذا الولاء للنبي جزء أصيل من المعتقد الإسلامي، ولكن العالم الحديث اكتشف غضب المسلمين لنبيهم للمرة الأولى في منتصف الثمانينات، عندما أشعلت رواية لسلمان رشدي العالم الإسلامي، ولعبت دوراً رئيساً في بناء هوية الجيل الثاني من المهاجرين المسلمين في غرب أوروبا. وقبل سنوات قليلة، استعيدت أزمة رشدي، والفتوى التي أصدرها الإمام الخميني بقتله، عندما نشرت صحيفة دنماركية رسوماً مسيئة لنبي الإسلام. على نحو ما، وعلى الرغم من الجهل الغربي الفادح بالشريك الإسلامي، شريك التاريخ والجغرافيا، وسور الاستعلاء الثقافي الغربي البارد، الذي يقف حاجزاً أمام معرفة الشعوب الغربية بالإسلام والمسلمين، فقد أصبح من المعروف أن الإساءة لنبي الإسلام ستكون كافية لإشعال الغضب الإسلامي. والأرجح أن الذين صنعوا الشريط التافه والمسيء لم يكن هدفهم لا التبشير لوجهة نظر معينة، ولا امتاع المشاهد الغربي، بل مجرد توفير سبب للغضب، ودفع جموع المسلمين إلى الشارع. وهذا ما قد حدث فعلاً، وبنهاية مأساوية كما في بنغازي.فرض حصار السفارات الامريكية حصاراً موازياً على إدارة الرئيس أوباما، الذي يخوض حملة انتخابية حامية الوطيس، لم يتبق منها سوى أسابيع قبل أن تصل يوم الاقتراع. على نحو ما، هذه أفضل إدارة امريكية في سياستها الخارجية منذ عقود، لاسيما من جهة علاقتها بالمجال العربي. وعلى الرغم من أن سياسة إدارة أوباما العربية فرضتها عوامل ومتغيرات بالغة الأهمية والأثر في خارطة القوى العالمية، فلا ينبغي تجاهل قدرة واشنطن أوباما على التحرر من أعباء الإدارات السابقة، والتقاطها السريع لمعنى الثورات العربية. استغل المرشح الامريكي المنافس بصورة مبتذلة مقتل السفير الامريكي في بنغازي، وشن هجوماً حاداً على الرئيس أوباما وسياسته الخارجية في دول الثورات العربية، ومصر على وجه الخصوص، متهماً إدارته بالتخاذل عن حماية الدبلوماسيين الامريكيين. الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أحد أكبر المتضررين من حركة الثورة العربية، الذي يواجه معارضة شعبية غير قابلة للاحتواء في بلاده، وجد في انفجار الغضب الإسلامي فرصة للانتقام وإظهار الشماتة بالرئيس الامريكي وسياسته، التي وصفها بالمسؤولة عن السماح للإسلاميين بالصعود إلى مقاعد الحكم في دول الربيع العربي، وفتح الأبواب للفيضان ‘الأصولي.’ وكاد منطق بوتين أن يسيطر على كافة عناوين صحف اليمين الأوروبي والامريكي وأعمدة معلقيه، إضافة إلى أغلب الصحف الإسرائيلية: جاءت الثورات العربية بالإسلاميين إلى الحكم، وأفسح هؤلاء المجال لشركائهم من غوغاء التيارات السلفية الراديكالية لتعيث في شوارع العواصم العربية فساداً. مثل هذا المنطق يخيف قطاعات واسعة في الرأي العام العربي كذلك. فان يتحول الربيع العربي، حركة الثورة على الاستبداد، إحدى أنبل تجليات التاريخ العربي الحديث، إلى هيجان من الغضب والاحتجاج تحت شعارات الإسلام، يلقي بظلال كثيفة من الشك والريبة على الإنجازات الكبرى لحركة الثورة ونضال الشعوب العربية الباسل من أجل الحرية والعدل في العامين الأخيرين.بيد أن أسبوع الغضب العربي ـ الإسلامي يطرح أسئلة أخرى لا ينبغي تجاهلها بأي حال من الأحوال. يدور السؤال الأول حول هوية هذا الغضب ومن شاركوا فيه؛ إذ ليس ثمة شك أن أول ردود الفعل على الفيلم المسيء جاءت من القاهرة، ربما للشبهات المتعلقة بدور ناشط قبطي أهوج، ذي سجل إجرامي، في صناعة الفيلم. ولكن موجة الغضب لم تكن مصرية، ولا حتى عربية، وحسب، وإن سجل أسوأ أحداثها في مدينة عربية ليبية. اندلعت مظاهرات الاحتجاج على الفيلم في عدد كبير من المدن العربية والإسلامية، ووصلت مدناً، مثل العاصمة التركية أنقرة، لم تكن معروفة بإسلاميتها الراديكالية ولا بسلفيتها. ورغم أن قوى إسلامية سياسية، مثل الإخوان المسلمين وحزب النور في مصر، وربما بعض الجماعات السلفية في تونس، دعت للمشاركة في التظاهرات، فإن الإخوان والسلفيين المصريين سرعان ما نأوا بأنفسهم عن موجة الاحتجاج، ما إن أدركوا أن الأمور أفلتت من يد منظميها وأن عواقبها قد تكون وخيمة. هذا لا يعني أن التظاهرات التي شهدتها المدن العربية والإسلامية المختلفة لم تكن ذات طابع إسلامي. الحقيقة، أنها كانت هذا وذاك. في القاهرة، على سبيل المثال، ضمت الحشود التي اتجهت نحو السفارة الامريكية أصنافاً مختلفة من البشر، من العناصر الإسلامية الغاضبة، أبناء شوارع وسط المدينة، ناشطين غاضبين يسعون للثأر من رجال الأمن لمواجهات سابقة، إضافة إلى عناصر مدفوعة بالتأكيد لإحراج حكم الرئيس المصري الجديد. شيء من هذا الخليط أيضاً يمكن أن تجده في حركة الاحتجاج التونسية. أما في العاصمة الأردنية عمان، فقد خطط لتظاهرة يوم الجمعة 15 سبتمبر مسبقاً، لأسباب تتعلق بالتدافع السياسي المحتدم في البلاد منذ أكثر من عام، وتصادف من ثم أن تقع في يوم حركة الاحتجاج والغضب الرئيس. وكما أن حدث بنغازي كان مخططاً، فلا ينبغي استبعاد ‘التخطيط’ لبعض مظاهر العنف والتخريب التي شهدتها مظاهرات الخرطوم وتونس العاصمة.ليس هذا نفياً للدوافع والسمة الإسلامية عن هذا الأسبوع الاستثنائي من الغضب، ولكنه محاولة لرؤية الأمور في حجمها وحقيقتها. بلدان الربيع العربي شهدت بالفعل صعوداً ملموساً للقوى الإسلامية السياسية ووفرت لعدد منها فرصة الحكم أو المشاركة في الحكم، ولكنها لم تجعل المجتمعات العربية أكثر تعصباً وتشدداً. إن أحدثت ثورات الحرية والديمقراطية من تغيير في مزاج المجتمعات العربية، فقد جعلتها أكثر ثقة بالنفس وأكثر تصالحاً مع الذات ومع العالم، أكثر تفاؤلاً وتوجها نحو المستقبل. وهذه، على أية حال، ليست موجة الغضب الإسلامية الأولى من إساءات الليبرالية الغربية لنبي الإسلام.وهذا ما يأخذنا للسؤال الثاني. فليس ثمة شك أن حكومة الولايات المتحدة ليست مسؤولة عن صناعة الفيلم أو إطلاقه، تماماً كما أن الحكومة البريطانية لم تكن مسؤولة عن رواية سلمان رشدي السيئة السمعة، ولا أن الحكومة الدنماركية كانت مسؤولة عن الرسوم القبيحة والمثيرة للاشمئزاز والكراهية، بل ويذكر لكبار المسؤولين الامريكيين، بما في ذلك الرئيس أوباما ووزيرة الخارجية كلينتون، استنكارهم للفيلم السيئ وإدانتهم للرسالة التي حملها. ولكن الواضح أن الحكومات الغربية لا يمكنها بعد اليوم، وبعد تكرار هذه الحلقات المتشابهة، ادعاء التحرر الكامل من المسؤولية، باستدعاء قيم الليبرالية الغربية، في أشد تفسيراتها راديكالية وحمقاً، كلما احتج المسلمون على الإهانات الموجهة ضد معتقداتهم وثقافتهم، وبثقة الفعلة الكاملة في أن النظام الليبرالي الغربي يتكفل بحمايتهم وحماية أفعالهم وضمان انتشارها، تصبح الحكومات الغربية مسؤولة أيضاً. ولدت الفكرة الليبرالية لضمان حرية الإنسان من سلطة الملوك المطلقين، وحماية الملكية الخاصة من وطأة الاستبداد، وحملت دائماً في رحمها الفكرة التوأم القائلة بأن حد الحرية ينتهي عند حرية الآخرين وحرماتهم المختلفة. وهناك عشرات المنعطفات والمناسبات في التاريخ الغربي الحديث التي جرى فيها إعادة تعريف الحريات الليبرالية وسن القوانين الكفيلة بذلك، من قانون انكار الهولوكوست، الذي يكاد أن يكون قانوناً عابراً لحدود الدول القومية الغربية، إلى قضايا مكافحة التمييز أو التحريض على الكراهية والعنف. وإن كان من الصواب عدم تحميل الحكومات الغربية مسؤولية أفعال فادحة مثل الفيلم موضع الغضب والاحتجاج الإسلامي، لم يعد من السهل إقناع الشعوب الإسلامية بالمسوغ الليبرالي. كما نظام العلاقات الدولية وخارطة القوى العالمية، ينبغي من وقت إلى آخر إعادة النظر أيضاً في الخارطة الثقافية والقيمية لشعوب العالم وأممه. ‘ كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث