أزيلوا الأضرحة من العقول وليس من القبور

حجم الخط
0

سالم قواطين صدمت مع مئات الملايين من المسلمين في ليبيا والعالم العربي والإسلامي وشتى بقاع الأرض بحوادث إزالة وتدمير أضرحة وقبور ومساجد في ليبيا ومن بينها مسجد سيدي الشعاب في طرابلس، والذي يصيبني بغصة كلما مررت من أمام ركامه، وضريح ومسجد الشيخ عبد السلام الأسمر في مدينة زليتن وحرق مكتبته الغنية بكنوز العلم والمعرفة وشتى أُصول وفروع الفقه في الدين الحنيف، والذي يمثل تدميره إستفزازاً للفكر التسامحي والإعتدال الديني والسلم والإجتماعي في ليبيا.وقد لاقى هذا العمل إستنكار وإستهجان وإدانة علماء المسلمين الأجلاء، والأزهر الشريف والأمم المتحدة واليونسكو، وحتى منظمة (هيومن رايتس ووتش) أدانت هذه الحوادث بشدة وطالبت السلطات الليبية بحماية المواقع الدينية والصوفية، وهو أمر يندى له الجبين أن يطالب الآخرون الشعب الليبي المسلم الملتزم بأن يحترم ويصون المعالم والمواقع الدينية الإسلامية في ليبيا.وكغيري من الليبيين، ها أنا أشعر لأول مرة، منذ إطلالة الربيع العربي الذي جلب الحرية والكرامة والأمن والأمل، أشعر بالخوف والقلق والإحباط، لأن تدمير مثل هذا المركز العلمي الإسلامي التاريخي الذي يضم الجامعة الأسمرية للعلوم الإسلامية التي تُعلمُ وتنشر الإسلام الصحيح، هو ردة ليس فقط عن أهداف ومبادئ ثورة السابع عشر من فبراير، وانتهاك صارخ لحقوق الإنسان، بل هو خروج عن قيم وتعاليم الإسلام واعتداء سافر عليها.ولمن لا يعرف من هو الشيخ عبد السلام الأسمر، ولمن يريد أن يطمس أسمه أو أن يزيل أثاره أو أن يحارب فهمه الصحيح للإسلام نقدم نبذة مختصرة عن الشيخ الفقيه العالم الجليل عبد السلام الأسمر، من المراجع الإسلامية والتاريخية والموسوعة الحرة (ويكيبيديا ) فنقول: أن عبد السلام الأسمر بن سليم الفيتوري الإدريسي الحسني يعد من أهم دعاة وعلماء الإسلام في القرن العاشر الهجري، فهو من فقهاء المالكية، وعالم في عقيدة أهل السنة والجماعة، ومن أبرز مشايخ التربية والسلوك على نهج أئمة التصوف واحد أهم ركائز الحركة العلمية والدعوية في المغرب الإسلامي، وتَضَمنَ منهجه الدعوي والإصلاحي الإهتمام بمختلف طبقات المجتمع ولم ينحصر في الطبقة المتعلمة، الأمر الذي جعله قائداً روحياً وبمثابة حجر الزاوية لرسوخ الإسلام في المغرب الإسلامي، وبعد مضي خمسة قرون على وفاته، فإن آثاره لا تزال واضحة ومؤثرة على الصعيدين العلمي والإجتماعي في العالم الإسلامي. وقد أسس الشيخ عبد السلام مركزاً إسلامياً يتضمن مسجداً ومدرسة لتعليم القرآن الكريم والفقه المالكي والعقيدة والسلوك والأخلاق والتربية ومختلف العلوم الإسلامية ومرافق العمل الدعويّ والإجتماعي، وذلك قبل 500سنة في مدينة زليتن سنة 912 هجرية الموافق 1491م. ومنذ ذلك الحين لم تنقطع تِلاوة القرآن في زاوية الشيخ عبد السلام الأسمر إلا حين تم تدمير ضريحه وحرق مكتبته يوم 24 أغسطس سنة 2012م.لقد وصل علم عبد السلام الأسمر وطريقته في الدعوة إلى أنحاء متفرقة من العالم، وتأثر بفكره كثيرون في أندونيسيا وتركيا وبلاد الشام ومصر وتونس وصولاً إلى المغرب الأقصى وغرب أفريقيا وخاصة تمبكتو بمالي وكانو بنيجيريا، وله مخطوطات في مختلف الجامعات العلمية وكبرى المكتبات ومن بينها مكتبة الكونغرس الأمريكي.ويرى اغلب العلماء والفقهاء أن الفضل الأكبر في تكوين قاعدة علمية وتربوية وإجتماعية في ليبيا يرجع إلى الشيخ عبد السلام الأسمر، فالزاوية التي أسسها تعد أكبر المراكز الإسلامية في ليبيا بكل جدارة، حيث أن اغلب علماء ليبيا تخرجوا منها، ووفق العديد من المصادر فإن عبد السلام الأسمر سلك سلوكاً راقياً في الدعوة عماده المحبة والصبر وظهر ذلك جلياً في قصائده الكثيرة، كما في رسائله وكتاباته إلى المسلمين من تلاميذ ومريدين وإخوان في مختلف أنحاء العالم. هذه ملامح سريعة وخاطفة عن مكانة الشيخ عبد السلام الأسمر، والموثقة في العقول والقلوب والمراجع التاريخية والعلمية، وهو يحظى بتقدير وإحترام العالم الإسلامي أجمع، ويُنظر إليه كعَالِم ومصلح وفقيه، ويعتبره كثيرون ولياً صالحاًومن هنا استغرب، كيف يجرؤ مسلم وكيف يطيع هوى نفسه أو هوى غيره مهما كانت الأسباب والتبريرات والمغريات، فينال من مكانة هذا العالم الجليل التقي النقي الورع الشيخ عبد السلام الأسمر، الذي يعتبر منارة علمٍ ودين وأخلاق على الأرض الليبية في زليتن منذ أكثر من 500 عام. وهل يعقل أن ندمر هذا الموقع الإسلامي العابق بالعلم والتاريخ والتقوى، لمجرد أن هناك إفتراض وجود قلة قليلة جاهلة تقدس صاحب الضريح، ونتجاهل مشاعر الملايين من المسلمين في ليبيا وشتى أقطار العالم من محبيّ الشيخ عبد السلام الأسمر الذين يحملون له، عن علم وإيمان وغيرة على الإسلام ، كل التقدير والعرفان والإعتزاز، لما قدمه للإسلام والمسلمين.كان الأجدر والأفضل بمن يدّعون الفهم المستنير والغيرة على الدين القويم والرغبة في الإصلاح، أن يبذلوا جهداً عقلياً بالحكمة والموعظة الحسنة -وليس جهداً عضلياً للتدمير- من اجل القيام بالإرشاد والتوعية لإزالة الأضرحة من العقول وليس من القبور، لأن إزالتها من القبور هو إنتهاك لحرمة الأموات، يرفضه ويحرمه الإسلام حتى لو كانوا من غير المسلمين (وَلَقَد كَرّمنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلنَهُمْ في اْلبَرِّ وَاْلبَحرِ وَرَزَقْناهُم مِنَ الطَّيِبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُم عَلَى كَثِيرٍ مِمَّن خَلَقنَا تَفضِيلاً) 70 الإسراء، فما بالك إذا كان صاحب القبر أو الضريح عالماً فقيهاً كالشيخ عبد السلام الأسمر ؟.كما أن إزالة الأضرحة والقبور هو معاقبة للميت على فعل الحي الذي يفترض أنه يقدس الأضرحة الذي علينا- إذا وُجِد – أن نعلمه ونهديه سواء السبيل، وحق الميت علينا أن نحترم قبره حرمةً للموت والموتى، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حث على إحترام القبور، وعدم السير فوقها أو الجلوس عليها، وزيارتها للعبرة والموعظة والتذكير بالموت، ومما قال في هذا الخصوص إن كسر عظم الميت ككسر عظم الحي. وفوق ذلك فإن إعطاء صفة دينية لهدم الأضرحة والقباب والقبور وتخريب بعض المزارات والمشاهد التاريخية، وتضخيم ذلك إلى درجة تكفير من يزور هذه الأضرحة، يقودنا إلى فتنة عظيمة بين المسلمين.لأن التركيز على معالجة قضايا التوحيد والشرك وحصرها في إطار مسائل التوسل والشفاعة وزيارة الأضرحة والقبور هو جهل وإنغلاق، كما وأن تكفير من يقوم بذلك ورميه بالشرك هو محض غلو، فليس هناك بلدة في ديار الإسلام تخلو من مشهد أو ضريح لولي أو نبي أو صحابي يُزار ويصلى عند قبره، وترفع الأيدي ضارعة بالدعاء إلى الله عز وجل، ومن دعاء الزائر لأهل القبور، كما علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو أن يقول : السلام عليكم يا أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العفو والعافية. وهذا الوضع معلوم بالضرورة والواقعية ومعمول به في جميع بلاد الإسلام، ويشهد على ذلك وجود وبقاء مقامات وأضرحة الصحابة والأولياء والصالحين وغيرهم على إمتداد التاريخ الإسلامي وفي شتى ديار الإسلام، محفوظة مصانة من قبل السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، تُزار بحثاً عن العبرة والعظة والإقتداء، وكما قال عليه الصلاة والسلام أصحابي كالنجوم بأيهم إقتديتم إهتديتم. إن من يقوم بزيارة الأضرحة والمقامات هم مسلمون يشهدون أن لا إله إلا الله وان محمداً رسول الله، يرددونها في كل صلاة وفي كل حين، وهم يقيناً لا يشركون بالله، فلا كفر هناك ولا إشراك، هم يؤمنون بالله رباً وبالإسلام ديناً وبالقرآن إماماً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً. كما أن الغالبية المطلقة من المسلمين لا يرون في أصحاب الأضرحة والقبور التي يزورونها، سوى عباد لله مكرمين ‘لاَ يَسبِقُونَهُ بِالقَولِ وَهُم بِأمرهِ يَعمَلوُنَ * يَعلمُ مَا بيِنَ أيَدِيهم ومَا خَلفِهُم وَلا يَشفَعُونَ إلا لِمَنِ اْرتَضَى وَهُم مّنِ خَشيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَن يَقُل مِنهُم إِنيِ إِلَه مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجزِى الظَّالِمِينَ ‘ صدق اللهُ العَظيم الآيات 27-28-29 من سورة الأنبياء.ولكننا نجد اليوم فئةً من أشد الناس غلواً وإســــرافاً، تُعــــاود الظهور في ديار الإسلام كلما وجــــدت فسحة من الزمان والمكان أو فرصة للإنقضاض على الأضرحة والمزارات والقــبور، تُكَفر عوام المسلمين وتزعم أن من لا يأخذ بتفكيرهم ولا يعرف العقـــائد الشرعية بأدلة أئمتهم فهو كافر أو مشرك، فهؤلاء يضيقـــوا رحمـــة الله الواسعة على عباده، ويجعلوا الإسلام والإيمان والجنة وقفاً عليهم، وذلك جهلاً بالقرآن والإسلام والسنة النبوية المطهرة.فهل يعقل، وبعد أربعة عشر قرن من ظهور الإسلام وإنتشاره ورسوخه ديناً وشريعة وفقهاً وعبادة، ومع إنتشار وسائل العلم والمعرفة وتقنية المعلومات والإتصالات وتنوعها، والتي جعلت فهم الإسلام متاحاً لكل من يملك عقلاً وبصيرة، وبعد أن إمتلكنا هذه الثقافة العامة الواسعة حول سعة الكون وإعجازه وعظمة الخالق وإبداعه، وان الكرة الأرضية التي نعيش عليها مقارنةً بهذا الكون اللامتناهي ليست سوى ذرة رمل على محيط لا متناهي من الرمال. هل يعقل بعد ذلك، أن يعتقد عاقل أن صاحب أي ضريح، أو كل من على ظهر الأرض أو من في باطنها، يمكن أن ينفع أو يضر خارج المشيئة الإلهية ؟ أو يشارك الخالق المبدع العظيم في ملكه أو في حكمه؟.وإذا ما وُجد هذا الجاهل فتقع علينا جميعاً، وخاصة أُولئِك الذين يهدمون الأضرحة والمساجد والقبور، مسؤولية تعليمه وإرشاده، وليس الهروب إلى الأمام وهدم أضرحة ومزارات الأنبياء والأولياء والصحابة، وترك الجاهل على جهله.إن مئات الملايين من المسلمين اليوم يعرفون كيف ومن أين يستقون العلم والفقه والدين القويم، ولهم علمائهم وفقهائهم الذين يثقون في غزارة علمهم وصدق إيمانهم وطهارة قلوبهم، وهم يرفضون ويحاذرون أن تطل عليهم قرون الفتنة تحمل في طياتها الشر والدمار والخلاف بين المسلمين، ويرون أن تضخيم مثل هذه الأمور (الأضرحة والقباب والقبور) إنما يُخشى أن تصبح ملهاة أو خلاف يطغى على قضايا الأمة المصيرية من نهضة وتنمية وتقنية وحقوق إنسان وتحرير المسجد الأقصى وفلسطين، ونصرة الشعوب العربية والإسلامية التواقة للحرية والإنعتاق من ربقة العبودية لغير الله كالشعب السوري الشقيق الذي يخوض اليوم حربه المقدسة ضد الإستبداد والطغيان، هذا بالإضافة إلى قضايا مصيرية أُخرى مثل محاربة المجاعة في الصومال، وحماية ونجدة ومساعدة المسلمين المضطهدين في كثير من الأقطار وخاصة الصين وبورما ( ماينمار)، وغير ذلك من قضايا الأوطان والأُمة كثير. وفي الختام، لقد تزامنت حوادث إزالة الأضرحة ونبش القبور في ليبيا مع حدثين آخرين كانا مدعاة لشعوري بالخجل والأسى، أولهما هبوط المركبة الأمريكية على سطح المريخ، وثانيهما إختراع أسترالي لكرسي خاص بالمعاقين يسير ويوجه بالإيحاء وليس بالأيدي أو الأرجل.إنه ليحز في نفسي ونفوس الملايين من المسلمين الغيورين على أُمة الإسلام في شتى بقاع الأرض، أن نجد العالم من حولنا يتسابق ويتنافس في الإبداعات والإختراعات والعلوم والتقنية، ونحن مازلنا نختلف حول طول اللحية وحف الشارب وتدمير قبور وأضرحة موتانا الذين كانوا منارات للعلم والخلق والدين، وكانوا القدوة التي يجب علينا أن نتبعها، إذا ما أردنا أن نلحق بركب الحضارة التي كان أجدادنا الأوائل لها صانعين.’ محام ليبي وسفير الجامعة العربية في المانيا سابقا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية