أسئلة الصمود الفلسطيني وعلاقة الشعب المحتل بمقاومته

سعيد أبو معلا
حجم الخط
2

رام الله ـ «القدس العربي»: ينشط أدباء ومثقفون فلسطينيون وعرب في التوقيع على بيان يعلن الانحياز الكامل والمناصرة، «التي لا لَبس فيها، للحقّ الفلسطينيّ الساطع الّذي لا يخضع لمساومات السياسة البائسة وتهافتها المشين، ولا مجال لصونه وإحقاقه إلا بالمقاومة».

وجاء في البيان الذي وقع عليه المئات من المثقفين «أنّ فلسطين ليست لعبة ذهنيّةً نتسلّى بها في أوقات فراغنا. إنّها اختبارنا الأخلاقيّ الّذي به تتحدّد القيمة والدور لكلّ إنسان يضع الحرية تاجًا على رأسه؛ ولذا فإنّ انحيازنا لفلسطين هو انحياز جماليّ ضدّ بشاعة الاحتلال، وضدّ بشاعة التواطؤ معه، وضدّ بشاعة الصمت عليه، وضدّ بشاعة اختراع الذرائع الواهية للصدّ عن مقاومته في كلّ صعيد». ويبدو هذا البيان جزءا من حالة الرد على صعود خطاب سياسي عبر بعض وسائل الإعلام يعمل على إعادة تعريف مجموعة أساسية من المفاهيم المرتبطة بالقضية الفلسطينية ولعل أبرزها مفهومي الصمود، والمقاومة، وعلاقة الشعب أو الجماهير بالمقاومة الفلسطينية.
ففي الآونة الأخيرة انتشرت بشكل منظم سلسلة مواقف تعزف على أوتار محددة، وهي تشترك بمسألة تبرير الجرائم الإسرائيلية في قطاع غزة بتحميل المقاومة المسؤولية عنها، وتبخس وتشكك بإنجازات المقاومة، وتنتقد الأخيرة (المقاومة) وتحاول فصلها عن سياق مجتمعها الفلسطيني في غزة، والتمترس خلف صعوبات المعيشة اليومية أمام حجم الخسائر الكبير في القطاع، وهي هنا تهدف إلى تقديم طروحات وصيغ سياسية أشبه بالاستسلام في تجاهل كامل لقيمة وطنية فلسطينية وهي «الصمود» التي فيما يبدو لم يتم اختطافها حسب الكاتب رجا الخالدي، بل يجري تجاهلها تماما من تجربة النضال الفلسطيني.

حالة استثنائية

وحسب الأكاديمي الفلسطيني خالد الحروب فإن سؤال الصمود في الحالة الفلسطينية هو حالة استثنائية بالمقارنة مع كل حالات الاستعمار السابقة، معتبرا أن هذه مسألة لا يلتفت إليها كثيرون. ويقصد بالاستثناء: «أننا أمام أطول استعمار في العصر الحديث، فنحن إزاء استعمار عميق يمتلك ثلاث طيات أو مستويات، الأولى: استعمار استيطاني احلالي يهدف إلى طرد السكان، والثانية: طية الاستعمار الكلاسيكي حيث هناك دول عظمى تساند هذا الاستعمار مثل: أمريكا وأوروبا، أما الطية الثالثة فهي الاستعمار الديني حيث هناك بعد ديني عميق ومستمر».
ويكمل: «نلحظ ان المستويات الثلاثة من الاستعمار تعمل على تكريس الاحتلال لفلسطين وهو ما يجعله استثنائيا، عند المقارنة مع الأنواع الأخرى من الاستعمارات حيث نادرا ما نجد الطيات الثلاث في استعمار واحد».
ومن هنا يرى الحروب أن ذلك بالتحديد هو ما يجعل الصمود الفلسطيني استثنائيا، فلا يجب أن نقيس الصمود الذي يحصل من عام 1984 وحتى الآن بالمعايير العادية، «وهو ما يجعلنا نرى في النقد الموجه للمقاومة، والذي هو فعل مطلوب وأنا أدعمه، لكننا نرى أنه نقد فيه قسوة غير مبررة، نقد يذهب لجلد الذات حيث نسمع كلمات أننا لا يمكننا أن ننتصر على هذا العدو لوحدنا، ونسمع أحيانا جملا مفادها أننا نستطيع الصمود لكن من دون انتصار لوحدنا ومن دون قوى إقليمية وتغيير موازين القوى».
يتابع: «لذلك نلحظ خطابا سطحيا وفارغا يقيس الصمود بقصر نظر، حيث يتم استحضار حركات التحرر الوطني في أفريقيا مثلا والتي احتاجت نحو 20-30 سنة كي تتحرر، وذلك باستثناء الجزائر».
وحسب الحروب: «نحن حركة تحرر وطني (بنشرنا) فقدنا حماسنا وتكلسنا بسبب طول التجربة، أحيانا هناك عوامل خارجة تعمل عكس إرادتنا وتعطل علينا، كما أن المشروع أكبر منا، وأمام هذه السياقات ليس لنا من حل إلا المقاومة والصمود وإلا سنندثر».
ويرى الحروب أن هناك سببين وجيهين قد يقودان لاندثارنا من دون مقاومة، الأول: مثلما اندثرت شعوب مستعمرة في العالم مثل أمريكا الشمالية والجنوبية فإنه يمكن لنا أن نندثر بفعل الانبهار بالمحتل وتقليده والتكلم بلغته، والتجربة تقول إنه يمكن أن تنمحي الشعوب الأصلية، فيما المقاومة هي التي تمنع المحو. أما السبب الثاني فيرتبط أيضا بما تقوله التجربة التاريخية حيث تمتلك ماكينة الاستعمار الإحلالي إمكانية أن تذيب الشعب الأصلي سواء من خلال الإبادة أو عبر الإذابة.
يستحضر الحروب في حديثه مع «القدس العربي» الزعيم الصهيوني زئيف جابوتنسكي ويقول: «نحن إزاء مشروع صهيوني جلب مقولات جابوتنسكي المرتبطة بالجدار الحديدي، وهي مقولات ترى أن القوة الباطشة بالجانب اليهودي تسحق الجانب الآخر وتزيل من أوساطهم أي أمل للمقاومة، حيث يظلوا يضربوا أنفسهم بالجدار الحديدي إلى أن تنشق رؤوسهم، وعندها يمكن أن نفرض عليهم السلام حسب رؤيتهم وشروطهم».
ويشدد على أن هذه الرؤية تترجم حاليا ميدانيا، وهي رؤية مترجمة بالكنيست الإسرائيلي والكونغرس الأمريكي حيث تؤمن بها مجموعة الحسم أو النصر، وهي تنطلق من فكرة «انتصرنا والمنتصر يفرض شروطه».
ويختم حديثه في جزئية الصمود مشددا على أننا «هزمنا في الضفة وعبر أوسلو، أما المحل الوحيد الذي ما زال فيه مقاومة وضد نظرية الجدار فهو قطاع غزة، هنا يجب أخذ الموضوع في استثنائية المعركة والصمود. ومن دون سياق تاريخي واسع تتحول حسابات المواطنين إلى حسابات الدكاكين، حيث الحسبة وفق الخسائر والأرباح الآنية وعلى المدى القصير جدا. صحيح هناك خسائر كبيرة جدا وقطاع غزة قدم تضحيات توصف بإنها معجزات لكن يجب وضعها في سياق عريض لحركة التحرر الفلسطيني تاريخيا».

بين الصمود والتكيف

ويرى في هذا السياق، الأكاديمي والكاتب بلال الشوبكي، الأصل أن دلالات مفهوم الصمود تحمل شكلا من أشكال التحدي في مواجهة سياسات الاحتلال الإسرائيلي. فهي قيمة تسير باتجاه منع عملية التراجع المحتملة نتاج هذه السياسات المرتبطة سواء بتقييد حريات الناس في عملية التمدد العمراني أو ما تعلق منها بالحق في الحركة أو التعبير عن الرأي السياسي وكامل الحقوق الفلسطينية التي يناضل من أجلها.
لكن الذي حصل على مدار سنوات طويلة حسب الشوبكي، الذي يعمل رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الخليل، أن هناك من بات يخلط بين مفهوم الصمود ومفهوم التكيف، حيث يتم التنظير أن مجرد البقاء هو فعل مقاومة وصمود، «غير أن عمليات تكييف نمط الحياة الفلسطينية مع السياسات الإسرائيلية لا يمكن ان يحسب من وجهة نظري على انه شكل من الصمود، بل هو تراجع أمام هذه السياسات مثل تقييد حركة البناء أو السيطرة على الأراضي..ألخ والمؤكد هنا عدم وجود استراتيجية فلسطينية وطنية للصمود بل هناك محاولات فردية للبقاء».
ويرى الشوبكي في حديثه مع «القدس العربي» أن ما يجري في الضفة الغربية على سبيل المثال هو عملية تكيف مع الاحتلال وانتظار احتمال تغير سياساته تجاه الفلسطينيين وأكبر مثال على ذلك موضوع العمالة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 حيث الانتظار لسماح الاحتلال بدخول العمال وغياب أي عملية بحث عن بدائل حقيقية وطويلة في سياق عملية تحدي سياسات الاحتلال.
ويشدد على أن هناك أصوات تتعالى وتحاول أن تفرض نمطا من الفهم المغلوط لحالة الصمود، فيما هناك تركيز على قطاع غزة عبر الاضاءة على كم الخسائر بفعل الحرب الإسرائيلية، ونلحظ في الفترة الأخيرة تصاعدا في الأصوات التي ترى أن أفضل الخيارات هي أن تتوقف الحرب بأي شكل من الأشكال في قراءة مجتزأة للواقع الفلسطيني بفعل الاحتلال.
ويرى أن ما كنا نعيبه على الإعلام الغربي في بداية الحرب على غزة يمكن رصده في خطابات فلسطينية بات يعلو صوتها، حيث يتم مناقشة الواقع في القطاع من دون أي علاقة بما كانت تتعرض له قبل 7 أكتوبر.
ويشدد الشوبكي على أن جزءا من الخطاب السياسي والإعلامي الذي يضيء على الأزمة الإنسانية يريد أن يوجد حلا لهذه المعضلة، ولكن في جزء ثان من الخطاب نلحظ رغبة في الاستثمار، الخطاب الأول نزعته إنسانية، والثاني له منطلق سياسي حيث يعبر عن عقلية حزبية ضيقة وهدفه هو فقط أن يكتفي بحالة نحيب على ما يجري الآن في فلسطين وأن يرسخ مفهوم الهزيمة في العقلية الفلسطينية وألا أمل من استمرار المقاومة وبالتالي لا بد من رفع الراية البيضاء.
ويختم قوله: «بعيدا عن شكل النضال الفلسطيني وبعيدا عن عملية تقييم ما جرى بعد 7 اكتوبر فالمسألة مرتبطة بمعضلة تأسيسية إذا كنا نتحدث عن الأزمات الإنسانية من منطلق هزيمة يختلف تماما عن الأزمات الإنسانية من منطلق ضرورة حل الأزمة وتعرية سياسات الاحتلال والخلاص منه».

جدل مستجد

وحسب الباحث والإعلامي معز كراجة، فإن الفلسطيني ومنذ أكثر من 75 عاما من سياسات التهجير والاقتلاع والاستيطان، ما زال على أرضه يتعلم ويزرع ويؤكد على هويته الوطنية وارتباطه بأرضه. وهذا هو نتاج صمود الفلسطيني كفرد وكشعب. «فالصمود هو الوجه الآخر للمقاومة والنضال، أو لنقل هو أحد أشكال المقاومة».
ويضيف: «الفكرة ليست في محددات الصمود، وإنما في متطلباته، الصمود عملية منظمة وتكون مستندة إلى وعي وطني ومعرفة بحيثيات الواقع، لذلك لها مقوماتها ومتطلباتها. خذ مثلا عملية الصراع الطويلة والمعقدة بين الفلسطيني والاحتلال على العلاقة بالأرض. كثيرا ما حاول الإسرائيلي وعبر سياسات مدروسة أن يشوه علاقة الفلسطيني بالأرض من خلال تحويل الفلاح من مزارع إلى عامل في السوق الإسرائيلي، أو محاولته تشويه الوعي بالتحكم بالمناهج الدراسية وتوجيهها. وهناك استطاع الفلسطيني مواجهة ذلك بسياسات مضادة.
هذه الأمثلة تعني أن الصمود مفهوم أعمق وأشمل من السياق الذي يتداول فيه اليوم، أي أن ينتظر قدره صابرا راضيا. بالعكس الصمود هو مفهوم إيجابي وليس سلبيا، الفرد والشعب يجترحون الوسائل والسياسات لتحقيقه وانجاحه».
ومن هذه المقاربة يرى كراجة أنه يفترض ألا يكون هناك أي عملية فصل بين المقاومة والشعب، فالجدل الدائر اليوم حول هذا الانفصال في تقديره مستجد على الفلسطيني وله سياقه الذي يجب فهمه.
ويكمل: «منذ مشروع أوسلو وما رافقه من تحولات سياسية عميقة أخذ ينتشر مفهوم الحاضنة الشعبية، والذي يعني أن هناك مقاومة وشعبا يدعم ويناصر هذه المقاومة. وهذا في تقديري مفهوم يناسب بلدا كلبنان، لأن فيه دولة ومجتمع من جهة وفيه مقاومة من جهة أخرى، في حين في الحالة الفلسطينية الأمر مختلف، فهناك شعب يعيش بكل ما فيه تحت الاستعمار، وبالتالي الشعب في عملية مواجهة وصدام يومي ومباشر مع الاحتلال، ليس على صعيد المواجهة بالمعنى المباشر المجرد؛ بقدر ما هي بالمعنى الشامل بشمولية كل مجالات الحياة، وبالتالي من غير المعقول تحويل الشعب إلى مجرد حاضنة».
ويشدد أن الحال في فلسطين قبل أوسلو وتحولاته كان بمثابة شعب يقاوم، «حيث كانت هناك مقاومة شاملة، ينخرط فيها الأفراد الذين يكونون الشعب، والأحزاب والمؤسسات واللجان والاتحادات الشعبية..الخ، لكن تحولات أوسلو حققت هذا الفصل المشوه. حتى أنها أوجدت أنماط حياة لا تشبه ولا تنسجم مع حقيقة الواقع الاستعماري الذي يعيشه الفلسطيني. ولعل هذه الحالة هي أيضا تفسر حالة الجدل والسؤال عن ماذا يفعل الكل الفلسطيني لغزة اليوم؟!!».
ويرى كراجة أن هناك تسطيحا وتشويها كبيرين لكثير من المفاهيم الوطنية والسياسية، وهذا في أحد أسبابه ناتج عما يمكن تسميته بـ«اليتم الفلسطيني» أي أن هذا الشعب يتيم من أحزابه ونخبه وقياداته ومؤسساته الوطنية. هناك حالة من الفراغ السياسي التي أوقعت الناس في هذه المجادلات التي تبدو عقيمة وغير مستندة الى أساس موضوعي وتاريخي ومعرفي صحيح.

أمل الخصوم

ويعلق الأكاديمي بلال الشوبكي على خطاب الفصل بين الفصائل والمقاومة والشعب الفلسطيني بإنه بمثابة «أمل الخصوم» فخصوم الفصائل الفلسطينية المقاومة هم من يأملون أن يتحقق ذلك، أي أن يتكون حاجز نفسي بين الناس/ الشعب والمقاومة، معتبرا أن هذا فيه إساءة تقدير، فالحركات الجماهيرية ليست جماعات مسلحة، بل هي حركات لها أذرع مسلحة وهي تعبير صادق عن كونها جزءا من النسيج الاجتماعي، فلا يمكن لحركة جماهيرية أن تكون كما هي على أرض الواقع من دون أن تكون جزءا من النسيج الاجتماعي.
ويعتبر الشوبكي أن هناك سوء قراءة لعلاقة المقاومة مع مجتمعها، وكل محاولات الاحتلال لمعاقبة الناس بهدف التأثير على المقاومة أثبتت فشلها ومخيم جنين أكبر نموذج على ذلك.
ويرى الأكاديمي خالد الحروب أن أي عملية فصل المقاومة عن جسد الشعب هي أقرب لممارسة الطعن بالظهر وحالة من النذالة، فهي تنطلق من تصور أن المقاومين مجموعة من الكائنات الغريبة الهابطة من كوكب آخر.
ويكمل: «أولاد قطاع غزة هم أبناء الشعب الفلسطيني، ومن يقاوم في غزة بحسب تقديرات إسرائيلية يصل لنحو 40 ألف مقاتل، هنا يكون السؤال: من أين جاء هؤلاء؟ إنهم أولاد الشعب الفلسطيني، إنهم يمثلون أربعين ألف عائلة فلسطينية من غزة، وفي حال قلنا أن متوسط العائلة في غزة يبلغ ثمانية أفراد فهذا يعني أن العائلات المنخرطة في المقاومة في غزة بشكل مباشر تصل إلى ربع السكان، وهو ما يجعل تصريحات تفصل بين الشعب والمقاومة تعبر عن قصر نظر، وهي تصريحات أقرب للنكاية السياسية وأبعد ما تكون حاملة للرؤية الوطنية الجامعة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية