أسئلة اللغة العربية في عصر العولـمة: قيمُ الثـُّبوت وقوي التـَّحوُّل لنهاد الموسي:

حجم الخط
0

أسئلة اللغة العربية في عصر العولـمة: قيمُ الثـُّبوت وقوي التـَّحوُّل لنهاد الموسي:

باتت الفضائيات عاملا مهما في قوي التحوّل اللغوية وتلعب دوراً تخريبياً في ما تفرضه علي المشاهدين من أنماط لغويةالعولمةُ غدت خطراً داهماً يستهدف العربية واقترانُ الإنجليزية بالعولمة يجعلها تهدد الثقافات الوطنية أسئلة اللغة العربية في عصر العولـمة: قيمُ الثـُّبوت وقوي التـَّحوُّل لنهاد الموسي:د. هيثم سرحانہ مؤلف هذا الكتاب هو أستاذ النحو واللسانيات العربية في الجامعة الأردنية الدكتور نهاد الموسي الذي قدَّم للمكتبة والباحثين بحوثاً وكتباً عديدة في الدروس اللسانية علاوة علي جهوده في تحقيق المخطوطات وتأليف المقررات النحوية والخطط الدراسية في غير دولة عربية إضافة إلي إشرافه علي الرسائل والأطاريح الأكاديمية. وتمتاز تجربة نهاد الموسي بخصوصيتها المنهجية وتميزها الواضح وخطاها الفارقة حيث دأب منذ أربعة عقود علي استقراء المدونة اللسانية العربية في سياقاتها المتشابكة واستخلاص صورتها التاريخية وسيرورتها في الزمن والاستعمال والبحث عن موقعها في خارطة اللسانيات الكونية. يتضمَّن كتاب الدكتور نهاد الموسي الموسوم بـ اللغة العربية في العصر الحديث: قيم الثبوت وقوي التحول ، مراجعةً جذريةً لظواهر اللغة العربية في سياق التحوّلات المتسارعة التي بدأت تخلِّف آثارها في نظام اللغة العربية وبرامجها المختلفة.ويمثل هذا العملُ مشروعاً يهدفُ إلي فحص التغيـُّرات التي طرأت علي اللغة في جدلها الحاد مع العوامل والمستجدات اللغوية. وسوف تكون قيم الثبوت وقوي التحول لحظتين معرفيتين تشتبكان عبر جدل لا مُتناهٍ يحدد هوية اللغة العربية ويعمل علي تجلية أبعادها ووجوه تأثيرها المتنوعة.إنَّ اللغة العربية تعيش صراعاً قاسياً تتنازعه قوتان كبيرتان هما: قيم الثبوت وقوي التحوّل، وإذا كانت قيم الثبوت تفضي إلي علاقة العربية بالنص المقدس، والتراث، والهوية فإنَّ قوي التحوّل تحيل إلي أبعاد اللغة العربية التداولية المكوّنة من مستويين متواشجين يطلق عليهما الموسي: الظواهر الماثلة والعوامل المتفاعلة اللذين يُشكِّلان فواعلَ حقيقيةً في وصف اللغة العربية وتوصيف برامجها توصيفاً متكاملاً.وانطلاقاً من هذه الـمُواشجة يتشكل عنوان الأطروحة التي يسعي الدكتور نهاد الموسي إلي صوغها ومُفادها؛ أنَّ اللغة العربية تقيم بين نظامين متعارضين من حيث انتمائهما: إذ يستند نظام قيم الثبوت إلي مرجع تاريخي وتراثي يري في الصفاء اللغوي عاملاً حاسماً في تأصيل اللغة ووصف أبنيتها في حين يحتكم نظامُ قوي التحول إلي نواميس اللغة القادرة علي الاستجابة لحاجات الإنسان ورغباته المستجدة.دوافع البحثيري الدكتور نهاد الموسي أنَّ اللغة العربية تحتاج إلي مراجعة مستمرة تهدف إلي اكتشاف التحوّلات التي تطرأ علي برامجها وأنظمتها المختلفة بهدف رصد استجاباتها، واتخاذ التدابير اللسانية الكفيلة بمواجهة المخاطر التي تجابهها. بيد أنَّ الدافعَ المركزي الذي تصدرُ عنه أطروحة هذا الكتاب هو: التنبؤ بما يمكن أنْ يحدثَ لللغة العربية إذا ما تعرضت لمواجهة شاملة مُحتملة من قبل العولمة.كما تتضمـَّنُ أطروحة الكتاب تساؤلاتٍ وإحالاتٍ ضمنيةً مُفادها: ما الدفاعات التي تملكها العربية في المواجهة المرتقبة؟ وما الحلول والاستراتيجيات التي ينبغي علي اللسانين العرب تقديمها؟ وما مكامن الضعف في برامج اللغة العربية؟ وما علاقة اللغة العربية بالإصلاح والديمقراطية والمجتمع المدني؟وحسب نهاد الموسي فإنَّ اللغة العربية تواجه مصيراً غامضاً نتيجة توقـّعات بعض اللسانيين بانقراض عدد كبير من اللغات في نهاية القرن الحادي والعشرين نتيجة الثورة الاتصالية ذات الطبيعة الرقمية، ونتيجة تقدم الصورة وحلولها محل اللغة إضافة إلي زوال الحواجز أمام قنوات الاتصال حيث ألغيت حدود المكان واختـُزِلت أبعاد الزمان.ويري نهاد الموسي أنّ الركون إلي مسألة خلود اللغة العربية نتيجة ارتباطها بالنص القرآني، وأنَّ رصيد دورانها وسيرورتها الممتدة ستة عشر قرناً، وأنّ الناطقين بها وعددهم مئتان وسبعون مليوناً من البشر، وأنّ المليار مُسلم الذين يتطلعون لتعلمها مُعطياتٌ لا تُشكـِّلُ ضمانات كافية لحماية اللغة ووقايتها من الاندثار. لذلك لا بد من نهوض مشروع عربي يستنفر فيه اللسانيون والباحثون في الحقول المجاورة أدواتهم لتشخيص الواقع اللغوي العربي وإقامة الفرضيات الكفيلة بإنتاج الحلول، والبرامج، والاستراتيجيات القادرة علي خلق آفاق علمية تستند إلي محددات دقيقة تضمن الوصول لنتائج موضوعية تمكـّن من إيجاد خطط عملية وممكنة قادرة علي الحفاظ علي العربية والتصدي لما تواجهه من مخاطر محدقة.أما مفاهيم الأطروحة المركزية فهي: اللغة العربية، والثبوت، والتحول، والعصر الحديث. وإذا كانت اللغة العربية، في قيم ثبوتها، هي النظام اللغويّ الـمُستمدُ شرعيتـَه من لغة القرآن، والحديث النبوي، والشعر العربي، والخطب، وكلام العرب وأمثالهم، ولغة المتكلمين، والمفسرين، والفلاسفة، وعلماء الاجتماع، والتاريخ، ونصوص القصة والرواية والمسرح والمقالة، والأفلام، والدراما، ولغة الرسائل الإلكترونية فإنَّها، في قوي تحوّلها، ترتبط بمشروع تظهر ملامحه في ظاهرتين ماثلتين هما: الازدواجية اللغوية، والثنائية اللغوية، وعواملَ متفاعلةٍ تتجسدُ في قضايا التعليم، والترجمة، والإعلام، والإعلان، والاقتصاد، والعولمة.وأما العصر الحديث فهو عصر العولمة بكل ما يحمله من وعود وتهديد لصورة العربية النقية القادرة علي منح القارئ شعوراً بانتماء النصوص العربية، علي اختلاف أنواعها وعصورها، إلي بنية لغوية واحدة تحتكم إلي نواظم مشتركة من القواعد؛ إنه الثبوت الذي يُفسحُ لبنية اللغة تطوّر المعجم وتجدد الأساليب مع الحفاظ علي المنظومة الصوتية والصرفية والنحوية.وإزاء هذا الثبوت ثمة تحوُّلٌ يهدد الواقع اللغوي ويتمظهر في التحول المكاني، والتحول في النظام اللغوي حيث المسافة القائمة بين المشافهة والتدوين، وقد يُحيل التحول إلي التحول الثقافي كما حدث في تحول العربية من مفاهيم الجاهلية إلي مفاهيم الإسلام ثم انتقالها إلي سياق المثاقفة مع الآخر (الفرس والروم) وما رافقه من انفتاح ثقافي شامل علي معارف (الآخر) وعلومه، وقد يقترن بالتحول الزماني حيث تتراجع منزلة اللغة وتفقد بريقها ويصبح وجودها مهددا، وقد يرتبط التحول بتحول الأنظمة النحوية وهو الذي ينجم بفعل تفشي اللحن وشيوع الأخطاء واستفحال الترجمة. أوّلاً: قيمُ الثـُّبوتتكمنُ قوي ثبوت اللغة العربية في ثلاثة مكوِّنات مُتضافرة هي: النصُّ المقدَّس، والتّراث، والهوية. ويجسِّدُ النـَّصُّ المقدس الـمُتمثـِّل في القرآن عنوانَ البقاء حيث انَّ النـَّصَ القرآنيّ استطاع أنْ يحقق تماهياً مع العربية من خلال سيرورته زمنياً بضعة عشر قرناً دون أنْ يعتريه التحريفُ، أو التـَّبديل، أو الحذف، أو الإضافة.وفي هذا السياق يحاجج نهاد الموسي أطروحة المستشرق الألماني كريستوفر لوكسنبرغ الموسومة بـ القراءة السريانية الآرامية للقرآن: مساهمة في تفسير لغة القرآن التي يري فيها لوكسنبرغ أنَّ القرآنَ وإن كان مصدره إلهياً إلا أنّ تغييراً قد مسـَّه بسبب القراءات الخاطئة وعملية التنقيط، ويستند لوكسنبرغ علي أدلـَّة عقلية مستمدَّة من المقررات اللسانية وأدلة نقلية ترجع إلي ما ورد في مُدوّنات القرَّاء والنحاة والـمُفسِّرين. ويري نهاد الموسي أنَّ النصّ القرآني جوهريٌّ في حياة العربية وقيم ثُبوتها؛ إذ مثـَّل حافزاً كبيراً لإنجاز الإصلاحات اللغوية وتطوير برامج اللغة ومأسسة أنظمتها حيث تمّ التوصّل إلي صيغة ائتلافية أفضت إلي توحيد اللهجات وهو مشروع يكشف عن علاقة مُثمرة بين العربية والقرآن تمّ بموجبها تجاوز العراقيل المتمثلة في وحدة القبيلة، وعلي العكس من ذلك تماما فقد تم وصم هذه العراقيل بكونها من مُخلـَّفات الجاهلية التي استعيض عنها بمنظومة قومية تتبنـَّي مفهومَ العروبة وفكرة الأمة.وضمن هذا الوصف الانثروبولوجي كانت العربية تتبنـَّي في برامجها الشاملة غير العرب ممن دخلوا الإسلام، فكانت لغة الدين والدولة فأقبلوا (غير العرب) علي تعلمها واتـّسقَ وصفُ العربية بذلك مع غاية الرسالة التي تجاوزت العرب إلي العالمين . لقد نجحت العربية، لقيام القرآن عليها، في التـَّوسّع بفعل انتشار الإسلام فكان أن هجرت الأممُ لغاتها ولهجاتها واتـَّخذت العربيةَ بديلاً لسانياً، كما استطاعت الدولة الإسلامية التي تتبني برامج العربية تحقيقَ الغلبة علي الأمم.ويستعين نهاد الموسي بأفكار ابن خلدون التي تُقدِّمُ تفسيراً ماديـّاً وموضوعياً لتهافت الأمم وخراب عمرانها ولسانها، إذ يري أنَّ فساد العربية قد تحقق بعد أنْ سيطر علي الدولة الإسلامية العجمُ والبربر والتتر والمغول. لذلك، وحسب نهاد الموسي، لا يمكن إنجاز الإصلاحات اللغوية دون وضع العلاقة الاقترانية بين العربية والنص القرآني في سلـّم الأولويات، لأنَّ هذا الاقتران سيكونُ دافعاً قوياً ووحيداً لإعادة هيكلة البرامج اللغوية. بيد أنَّ حفظَ اللغة العربية باقترانها بالنص القرآني لا يمثـِّلُ عائقاً أمام تطوّر اللغة العربية القادرة علي الإفادة من المنجزات المعاصرة وتبيئتها لسانياً. فالعربية قادرة علي ولوج فضاءات تعبيرية وآفاق جمالية وعوالم جديدة تتباين فيما بينها تشكيلاً ورؤيةً.ويعدُّ التراث المكون الثاني في قيم الثبوت ويُقصدُ بالتراث ما وصل إلينا من مدوّنات وعلوم متنوّعة تنهضُ علي العربية باستثناء نصّ الوحي وثابت السنة الشريفة. فالتراث هو مُنجزٌ تاريخي إنسانيٌّ يتـَّسم بالتفاوت النسبي في قيمه الثبوتية في حين أنَّ نصَّ الوحي وثابت السنة يتجاوزان التاريخ. وقد ظلَّ التراث بما هو مادةٌ معرفية قادراً علي التعايش مع المعاصرة رغم امتداده التاريخي ورغم كونه متفاوتاً في قيمه البقائية فبعض نصوصه متوارٍ وبعضها الآخر لا يزالُ يفرضُ استجاباتٍ عميقةً في الوعي العربي المعاصر، مما يعني أنَّ نماذج التراث النصية استطاعت تخطـّي حاجز الزمن عبر اللغة وظلـّت مُتجددةً علي الدوام وبقي معجمها ونظامها الدلالي فاعلين في الاستعمال والتداول. أما الهوية فتمثـِّلُ المُكوِّن الأخير لثالوث قيم الثبوت الذي ينطلق نهاد الموسي في بلورته من خلال تفكيك دالّ الهوية الذي يكشفُ عن تقابلٍ ثنائي يفترقُ مبناه عن معناه؛ فالهوية تقوم علي جذر لسانيّ مادته (هو) ومعناه كينونة الآخر، في حين تقترن دلالة الهوية بمعني مختلف هو كينونة الذات. وبذلك فإنَّ الهوية حسب نهاد الموسي تتضمن انقساماً دلالياً يجعل الذات في مواجهة مستمرة مع الآخر حتي انَّ الـمرء ليكون مُضطراً للإفصاح عن هويته أمام الآخر ليكتسبَ تعريفاً وحضوراً بعد أنْ كان مجهولاً وغائباً.وهكذا ارتبطت الهوية العربية باللغة التي استطاعت أنْ تُقيمَ رابطاً بين الأقانيم الثلاثة: العرق، والدين، والهوية وتختزلـَها لتـُصبحَ دالاَّ منشعبَ الدلالات ومتعدد الإحالات الأمر الذي بوّأها منزلةً رفيعةً راح الناسُ يسارعون في الانضمام لها؛ للظفر بامتيازاتها المتعددة فنجم عن ذلك ترسيخُ الهوية العربية وامتدادها لتصبح أمة.ونجحت اللغة العربية في تجاوز المحنة التي تعرّضت لها الأمة عندما نشبت الصّراعات العرقية بين العرب والعجم فلاذت بالدين واعتصمت بحبله وجعلته إطاراً شاملاً للأعراق والأُمم، علاوةً علي فاعلية العربية في توطيد الأمن الثقافي الذي نشأ بين ثنائية العربية والإسلام، والعربية والمسلمين إذ تغدو العربية، في هذه الحالة، صمامَ أمان يحولُ دون وقوع المواجهات الاجتماعية غير المتجانسة دينياً وعرقياً.إنَّ ما أنجزته العربية من ثوراتٍ وطفرات في العلوم والمعارف والفنون والآداب، وما حققته الأمة من فتوحات وامتدادٍ وانتشارٍ يمثـِّلُ دوافع إضافية في اكتشاف حيوية اللغة العربية ومكامن إبداعها ورصيد حضورها.ثانياً: قوي التـّحولوتتجسَّد في التعليم، والترجمة، والإعلام، والاقتصاد، وسلطة الإعلان، والازدواجية، والثنائية، والعولمة.فأمـَّا التعليم فيكشفُ عدة جوانب أهمها؛ العلاقة الملتبسة بين العربية الفصيحة علاوةً علي الإطار التقليديّ للمادة اللغوية، وغياب بعد الإمتاع والجانب الوظيفي في الكتاب المدرسي إضافةً إلي قصور المعلم نظراً لعدم وجود برامج تطوير حقيقية تسعي لإدامة تنميته وتأهيله وإصلاح أحواله الاجتماعية والمعيشية، وهذا كله يؤدي إلي تراجع العربية وربطها بالعجز والقصور. ويشيرُ نهاد الموسي في هذا السياق إلي تخبـّط الخطط التعليمية المرتبطة بتعليم العربية وعدم كفاية برامج التعليم العام وافتقار مناهج اللغة العربية إلي الاتـِّساق والتـَّسلسل إضافةً إلي تراجع موقع تخصص اللغة العربية في الجامعات.وأمـَّا الترجمةُ فتمثـِّلُ مكوِّناً مهماً في قوي التحوّل حيث تجعل اللغة العربية في حالة اختبار مستمرٍ مع برامج الترجمة وأدواتها إضافةً إلي ما تزوّده لها من محمولات ومعارفَ جديدة تمنحها حيوية مُتجددةً وتطويراً مستمراً. ويشير نهاد الموسي إلي تجربتين رائدتين في البلاد العربية هما: التجربة المصرية في عهد محمد علي الذي طمح الي تحقيق استقلال مصر بتحديث جيشها فكانت حركة الترجمة التي نهض بها رفاعة الطهطاوي الذي ترجم مع تلامذته أكثر من 2000 كتاب من كتب العلم والصنائع. والتجربة الفلسطينية التي بدأت في نهاية القرن التاسع عشر وغلب عليها الطابع الأدبي ثم الطابع السياسي. ويندرج في هذا السياق حركةُ التعريب التي أصبحت حلاًّ موضوعياً لترجمة المعارف الحديثة والإنجازات المعاصرة. فمشروع الترجمة،حسب نهاد الموسي، مؤشرٌ حضاريٌّ يرصد رغبة الأمة في الاطـَِّلاع علي مُنجزات الحضارات الأخري والإفادة من مشروعها الحضاريّ.إنَّ المعاينة الإحصائية لواقع الترجمة في العالم العربي تبعث علي الاستياء نظراً لفقرها وتواضعها، وفي المقابل يقع الناظر في ترجمة المسلسلات المدبلجة والبرامج المتلفزة علي كمٍّ هائلٍ من التجاوزات والمحظورات المتناقضة مع قيم العرب الثقافية وبرامجهم اللغوية الأمر الذي يجعلها تتضمـَّن تهديداً حقيقياً للخصوصيات الثقافية وانتهاكاً صارخاً لمبادئ التربية والاجتماع.وأما فضاء الإعلام فقد باتت الفضائيات مكوناً من مكوِّنات قوي التحوّل اللغوية التي تملك القدرة علي فرض استجابات وتوجـّهات في عقول المشاهدين وسلوكهم ومواقفهم. كما أنّ لها دوراً تخريبياً يكمن في ما تفرضه علي برامج المشاهدين اللغوية والفكرية من أنماط لغوية. ويتجلي ذلك في جانبين كبيرين:الأول: ترسيخ المحكيات المحلية واللهجات الجهوية الأمر الذي يعني أنها تستهدف قطاعاً بشرياً محدداً وفئة محددة متوافقة اجتماعياً وعقائدياً وثقافياً.الثاني: المواد المعروضة، وهي تُشددُ، في أغلبها، علي مُنتجات الغرائز المدمـِّرة لقواعد العقل والعلم والمعرفة.ليس هذا فحسب، بل إنَّ قنوات التواصل والاتصال الإعلامية، كما يري نهاد الموسي، باتت تهددُ السكينة الثقافية وتقضُّ مضجع العقائد، والإثنيات، ولعلّ هذا الوصف ينطبقُ علي مجمل وسائط الاتصال التي تعزز الانقسامات وتذكي الخلاف في المواقف. إضافةً إلي شمولية بعضها وانحياز بعضها وتواطؤ بعضها الآخر في ترويج الفتن وإثارة النعرات والقضايا المسكوت عنها. وهكذا أصبح الإعلام وسيلة بلبلةٍ لا تُسهمُ في التواصل قدر إسهامها في التشتت والبلبلة والانقسام.وأما آمرُ الاقتصاد فيـُمثـِّلُ والياً خفيـَّاً في توجيه اللغة التي تخضع لشروط التسويق وأحوال الترويج والإشهار والإعلان والعرض والطلب والإنتاج والاستهلاك وفي هذا السياق تكونُ اللغة مجالاً حيوياً ووسيلةَ تخاطبٍ فاعلة ومؤثرة في بثِّ الإشارات واستدراج الزبائن واستمالة قناعاتهم. إنَّ الرأي الاقتصادي الذي يذهبُ إلي عجز العربية عن إبرام العقود والصفقات والإشهارات الترويجية لينطوي علي مغالطات فادحة؛ ذلك أنّ انحياز الاقتصاد المطلق للإنكليزية بوصفها لغةً تداوليةً وإقصاء العربية موقف يتضمن تبعية شاملة تؤذن بالاستلاب وتبشِّرُ بالاغتراب. فعندما تتقدم الإنكليزية، للوعود التي تحملها، فإنّ ذلك يشكل تهديدا للعربية وهو ما بدا واضحاً حيث تشهدُ الجامعات العربية إعراضاً عن التخصص في العربية بفعل تراجع التخصص وظيفياً وعدم وجود حوافز ومُغرياتٍ لدارسيها.إنّ تحكم القيم الاقتصادية في فرض الواقع اللغوي أدي إلي التقليل من شأن العربية وفقدان هيبتها ووقارها في حين تتقدّم الإنكليزية بثقة مُطلقة لتغزوَ اللافتات الإعلانية واللوحات الإشهارية.ويقترح نهاد الموسي حلولاً لمعالجة واقع اللغة الاقتصادي منها اتخاذ العربية الفصيحة لساناً لترويج المنتجات وتخصيص قنواتٍ فضائية لهذه الغاية . إضافة إلي تشديده علي ضرورة اقتحام العربية المناشط الإنسانية كلها؛ لأنّ اقتصار العربية علي الجوانب التعليمية والثقافية يُعطـِّلُ قوي الإبداع الكامنة فيها ويحجـِّمُ حضورها وفاعليتها. لذلك لا بدَّ من نهوض العربية بمناحي الحياة المختلفة الأمر الذي يمنحها القدرة علي التنمية والتغيير ذلك أنَّ انغلاق الخطاب اللغوي علي المرجع الثقافي وحده، وإغفاله لسائر العوامل في هذا الشأن وأضرابه قد آل به إلي أنْ يكون خطاباً محدوداً في دائرته الخاصة .وأما الازدواجيةُ اللسانية فعـُقْدةٌ تعترض سبيل اللغة العربية حيث يُستعمل مستويان أحدهما: الفصحي، والآخر: اللهجة العامية المحكية. وهكذا تعيش العربية تنازعاً بين نموذجين مختلفين في الوظائف والمواقف والقواعد، ويظهر مدي التنازع في حجم التباينات اللهجية التي لا ينظمها ببعضها ناظمٌ ولا ترتبط بالفصحي بأية روابط مُشتركة. وهنا يشير نهاد الموسي إلي أنّ التباين اللهجي في العربية حالياً يختلف عنه في عصر الجاهلية حيث كانت هناك قواسم مشتركة بين اللهجات إضافة إلي جوانب فصاحتها وصحتها مما بوأها صفة الصواب حيث التقت اللهجات لتشكل العربية الفصحي التاريخية .وأمَّا الثنائية اللسانية فعلـَّةٌ فاشيةٌ تمنحُ العربية دور الخاسر والإنكليزية (أو الفرنسية) دور الظافر، وهكذا تصبحُ الثنائياتُ اللسانية معطلاً يحول دون نهوض برامج تهدف للارتقاء بالعربية تداولاً وتنظيراً؛ لأنَّ اللغة الثانية لا تُدرسُ لخدمة المفاهيم العربية بقدر ما تكون وسيلة للطعن في العربية والتعالي عليها.لقد تمَّ فرض الثنائية في مرحلة تاريخية تعصف بالانكسار والهزيمة، فقد زحفت إبَّان الحكم العثماني حيث برامج التتريك ومحو الهوية العربية وسحق الثقافة العربية، وإبـَّان مرحلة الاستعمار الحديث حيث اقترنت العربية بالديني والتراثي في حين اقترنت الإنكليزية والفرنسية بالتطور والصنائع والعلوم والتقدم المادي والنهوض الحضاري. وحسب نهاد الموسي فإنه لا بدَّ من مراجعة تجربة الثنائية اللسانية القسرية الاستلابية التي أصبحت تتعارض مع أهداف تعلم اللغات الثانية التي تدرُّ علي العربية أسباب القوة والمعرفة.وأمـَّا العولمةُ فغدت خطراً داهماً يستهدف العربية كما يستهدف اللغات الأخري، ولعلَّ اقترانَ الإنكليزية بالعولمة بوصفها لغة المشروع الأمريكي الإمبراطوري الساعي إلي فرض الهيمنة والتمركز يرشِّحها لتصبحَ لغةً عالميةً تهدد الثقافات الوطنية حيث الاستلاب والنفي. والحقَّ أنّ الإعلام العربي يكرِّسُ حالةً من الهيام بالإنكليزية إذْ يتطلـَّعُ الشبابُ لإجادتها وتعلمها؛ بحثاً عما تتوسـَّلُ به من برامج تخاطبُ الغرائز وتناغي المخيلة. وهكذا يسقط قطاعٌ واسع من الشباب في فخّ الإنكليزية حيث الانبهار الذي يخفي حنيناً إلي الرغائب والعوالم الـمُتخيـَّلة. ولعلَّ ثورة الاتصالات التي بلغت أوجها في شبكة الإنترنت تمثل دافعا وعاملا مركزياً لتبني اللغة الإنكليزية في التواصل وبناء المعارف.ختاماً تنبغي الإشارة إلي أنَّ هذا الكتاب يتخذُ أهميةً خاصة لسببين؛ الأول: أنه يعدُّ أول مشروع لسانيٍّ عربيٍّ في الألفية الثالثة يتصدّي لمراجعة قضايا اللغة العربية المعاصرة ويكشف عن إشكالاتها المختلفة ضمن سياق المستجدات الجذرية والتفاعلات المتواصلة. والثاني: أنَّ الكتاب يستندُ إلي مُصادرات منهجية وأدوات إجرائية وتدابير تحليلية دقيقة أثبتت فاعليتها في سبر القضايا المتناولة وتجلية أبعادها من الجوانب كافة.وبذلك تتضح رؤية أطروحة الكتاب المنهجية فالباحث نهاد الموسي يدفع أدواته المعرفية إلي اختبار حادٍّ ومواجهة مستمرة وحادة تقطع مع الثوابت ليعلن جدلاً متواصلاً مع المنهج الذي يتخذ من اللسانيات الاجتماعية منطلقاً رئيسياً في المقاربة الاستقرائية التأويلية.الكتاب: اللغة العربية في العصر الحديث:قيم الثبوت وقوي التحول.الطبعة: الأولي، 2007.الناشر: دار الشروق للتوزيع والنشر ـ عمان.عدد الصفحات: 204.7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية