أسئلة حول الوضع الدولي يثيرها قرار مجلس الأمن ضد إيران

حجم الخط
0

أسئلة حول الوضع الدولي يثيرها قرار مجلس الأمن ضد إيران

د. بشير موسي نافعأسئلة حول الوضع الدولي يثيرها قرار مجلس الأمن ضد إيران صدر مجلس الأمن الدولي مساء 24 آذار/ مارس قراراً شدد العقوبات التي كان فرضها من قبل علي إيران. وقد تضمن القرار رقم 1747 حظر صادرات السلاح الإيرانية، وفرض عقوبات اختيارية تجارية علي طهران، إضافة إلي توسيع لائحة القرار السابق 1737، الذي تضمن معاقبة الشركات والمسؤولين المستهدفين بتجميد الأرصدة أو حظر السفر. ويدعو القرار أيضاً إلي تقييد تقديم مساعدات مالية جديدة أو قروض إلي الحكومة الإيرانية، ويحذر من إمكانية اتخاذ إجراءات إضافية ضد طهران إذا لم تمتثل خلال 60 يوما للموقف الدولي المطالب بوقف عمليات تخصيب اليورانيوم والعودة إلي مائدة المفاوضات. ويشير القرار في النهاية إلي أن العقوبات سيتم وقفها إذا ما علقت طهران جميع العمليات المرتبطة بأنشطة تخصيب اليورانيوم، بما في ذلك عمليات التطوير والأبحاث، علي أن تؤكد ذلك الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وفي رد فعله علي القرار، حذر وزير الخارجية منوشهر متكي أمام مجلس الأمن من أن الضغط والترويع لن يغيرا سياسة إيران، مشيراً إلي أن بلاده لا تسعي للمواجهة ولكنها تريد حقوقها الثابتة، واصفاً القرار بأنه غير قانوني وغير مبرر. وأضاف إنها المرة الرابعة في غضون سنة التي يتخذ فيها مجلس الأمن قراراً غير قانوني وغير مفيد وغير مبرر ضد البرنامج النووي السلمي للجمهورية الإسلامية في إيران، والذي لا يمثل أي تهديد للأمن الدولي .القرار الجديد لمجلس الأمن، كما العقوبات السابق عليه، قد لا يشكل مصدر خطر كبير علي إيران. الاقتصاد الإيراني، الذي يعاني أصلاً من عيوب هيكلية، سيتأثر قليلاً؛ ولكن أسعار النفط، التي حافظت علي مستويات مرتفعة طوال العامين الماضيين، تشكل دعامة قوية للوضع الإيراني. بعض الدوائر الإيرانية المستهدفة ستتأثر أكثر من غيرها، ولكن التجربة الإيرانية السابقة مع المقاطعة، والانفتاح النسبي في السوق العالمية ستساعد مساعدة كبيرة علي الالتفاف حول نظام المقاطعة. وكما في السابق، فإن الخطر الذي يستبطنه القرار الجديد أنه ترك الباب مفتوحاً لتصعيد العقوبات، مما يدخل طهران نفقاً طويلاً لا يبدو الآن أن ثمة مخرجاً منه، اللهم إلا إذا تقدم أحد الأطراف بتصور ما لحل أزمة البرنامج النووي يلقي قبولاً من الطرف الآخر. السؤال الكبير الذي يطرحه القرار الجديد لا يتعلق بمستقبل البرنامج النووي، الذي تبدو احتمالات تفاقمه إلي مستوي الحرب أكبر من احتمالات تسويته الدبلوماسية، بل بالوضع الدولي الذي سمح بإصدار القرار، وإصداره بإجماع أصوات أعضاء مجلس الأمن لاسيما الدول دائمة العضوية. بكلمة أخري، لو أن روسيا والصين عارضتا قرار مجلس الأمن الجديد ما كان له أن يصدر. في مطلع 2003، والولايات المتحدة أكثر قوة ونفوذاً في الساحة الدولية، أفشلت المعارضة الفرنسية، الروسية، الصينية، المحاولة البريطانية ـ الأمريكية المشتركة لتمرير قرار من مجلس الأمن يشرع الحرب علي العراق. وكان أن انطلق مشروع الغزو والاحتلال بدون غطاء دولي، مما أثر تأثيراً كبيراً علي مستقبل الاحتلال. اليوم، تواجه الولايات المتحدة إخفاقاً هائلاً في العراق، بعد خسارة كبري علي المستويات البشرية والمالية والسياسية، وتواجه معارضة عالمية الأبعاد لسياساتها في العديد من المجالات، حتي أن العالم بات يعتبرها واحدة من القوي الأكثر خطراً علي السلم، كما تواجه مشكلات مستعصية علي مستوي علاقتها بالعالم الإسلامي والمنطقة العربية، من جهة، وعلي مستوي علاقتها بروسيا والصين، من جهة أخري. المشكلات الأمريكية مع المنطقة العربية ـ الإسلامية وشعوبها تمتد من أفغانستان إلي العراق إلي لبنان إلي السودان، وإلي فلسطين بالطبع؛ أما مشكلاتها مع الصين وروسيا فتشمل تايوان، التوسع المستمر في حلف الناتو، القواعد والتسهيلات العسكرية في وسط آسيا، والخطط الأمريكية لنشر صواريخ مضادة للصواريخ في دول أوروبا الشرقية، مما يهدد بإحداث خلل استراتيجي في توازن القوي بين روسيا ودول الناتو الأوروبية. في المقابل، تعيش روسيا والصين أوضاعاً اقتصادية وسياسية تعتبر هي الأفضل منذ نهاية الحرب الباردة. فقد ساعد ارتفاع أسعار النفط والغاز في إخراج روسيا نهائياً من عنق الزجاجة الاقتصادي، مسددة كل ديونها المتراكمة خلال التسعينات ورافعة رصيدها النقدي إلي أكثر من 300 مليار دولار. عادت روسيا مصدراً كبيراً للسلاح في العالم، وتتحكم اليوم في زهاء أربعين بالمائة من الاستهلاك الأوروبي للغاز. وفي الوقت الذي تراجعت الأزمة الشيشانية إلي مستوي الإزعاج الأمني لا أكثر، أصبحت روسيا حليفاً استراتيجياً للصين، حافظت علي علاقات وثيقة بالهند، وعادت الأبواب لتفتح لها نسبياً في الكثير من مناطق العالم، بما في ذلك المنطقة العربية ـ الإسلامية، بفعل المعارضة المتصاعدة للسياسة الأمريكية. الصين، من ناحية أخري، أصبحت قوة اقتصادية عملاقة، ينمو اقتصادها بمعدلات غير مسبوقة في التاريخ الاقتصادي العالمي الحديث، وتكدس فائضاً مالياً يتجاوز 1000 مليار دولار. وكما كان متوقعاً، فإن الفائض المالي الصيني يتحول حثيثاً إلي ارتفاع ملموس في الإنفاق العسكري، هذا بالرغم من أن هذا الإنفاق ما يزال يمثل عشر مثيله الأمريكي. ولكن المهم أن تاريخ الصين غير الاستعماري يفتح أمامها أبواب العالم الثالث علي مصراعيها، بما في ذلك الدول المعروفة بعلاقاتها التقليدية بالدول الغربية والولايات المتحدة. فلماذا إذن توافق روسيا والصين علي صدور قرارين متتاليين من مجلس الأمن يضعان ويشددان العقوبات علي إيران؟ والمدهش أن طهران، علي الأقل في ما يتعلق بالقرار الأول، بنت حساباتها علي تعهدات روسية بالوقوف ضد صدور القرار. هل يكون النفوذ الأمريكي العالمي اليوم أقوي منه قبل أربعة أعوام، أم أن التقديرات العربية (والعالمية، أيضاً) حول الصعود الروسي ـ الصيني هي تقديرات مبالغ فيها؟ليس ثمة إجابة واحدة علي هذه الأسئلة، فعالم اليوم لا يجب أن يقرأ من كتاب سنوات الحرب الباردة، عندما كانت قواعد النظام العالمي واضحة ومحددة، سواء بنقاط الصراع والصدام أو بالمساومات والصفقات. هذه مرحلة انتقالية من تاريخ العالم الحديث، حيث ليس ثمة يقين إلا في الوقائع المتعينة، وحيث يصعب التنبؤ بما يمكن أن يصيره النظام الدولي. القوة الصينية ـ الروسية هي بالتأكيد قوة متصاعدة، وحتي القوة الأوروبية، التي لم تصبح بعد قوة ذات قرار واحد، لا يمكن قراءتها باعتبارها ملحقاً دائماً بالسياسة الأمريكية. ولكن الموقف الأوروبي، بما في ذلك الموقف الألماني ـ الفرنسي، ولأسباب عديدة، هو في التعامل مع الملف النووي الإيراني أقرب إلي الموقف الأمريكي. وتسعي روسيا والصين سعياً حثيثاً لبناء نظام عالمي متعدد الأقطاب، نظام لا تنفرد فيه الولايات المتحدة، وتؤخذ فيه القرارات المتعلقة بالملفات ذات البعد الدولي باتفاق وتفاهم الأقطاب جميعاً، أو أغلبها علي الأقل، وباعتبار مصالح الأطراف المختلفة. ولكن الولايات المتحدة ما تزال القوة الكبري الرئيسية في العالم، تقودها إدارة تتبني سياسة هجومية لا تسمح لحسابات الربح والخسارة بتكبيل سياساتها. وفي مثل هذا الوضع، وفي ضوء التفاهم الأوروبي ـ الأمريكي حول الملف النووي الإيراني، يصبح من الصعب تبلور معارضة روسية ـ صينية سافرة وراديكالية للموقف الأمريكي.ثمة سياسة صينية متبلورة منذ سنوات للحفاظ علي الاستقرار في العلاقات مع الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية، وعدم تقديم الذرائع لتفجير أزمات حادة في هذه العلاقات. ونظراً للاعتماد المتبادل بين الاقتصاد الصيني والسوق الأمريكية والأوروبية، فإن هذه السياسة تكفل استمرار النمو الصيني الاقتصادي، وبالتالي الاستمرار في عميلة التحديث الطويلة وبالغة التعقيد والتكلفة لبنية المجتمع والقوة العسكرية الصينية. ومن ناحية أخري، وبالرغم من أن روسيا قوة عسكرية منافسة للولايات المتحدة، فإن روسيا تواجه تحديات اقتصادية وسياسة واستراتيجية رئيسية. القوة الاقتصادية الروسية ما تزال محدودة بتصدير مصادر الطاقة والسلاح، ولم تصل إلي دوائر القوة الاقتصادية الأخري في عالم اليوم بعد؛ كما أن التوسع الأمريكي الاستراتيجي في أوروبا الشرقية يستند إلي رغبة سياسية لدي هذه الدول، في الوقت الذي تتسابق كل الدول الأوروبية تقريباً للالتحاق بالوحدة الأوروبية، التي تمثل، علي الأقل في ما يتعلق بروسيا، مساراً موازياً لحلف الناتو. مثل هذا الوضع لا يوفر لموسكو الكثير من الخيارات لمواجهة الحصار الاستراتيجي الأمريكي سوي التوصل إلي صفقة ما مع واشنطن. الخيار الآخر، بالطبع، هو الذهاب إلي حرب باردة جديدة، وهو ما تحاول روسيا تجنبه بكل الوسائل، ومهما كانت التنازلات، حتي لا تضطر في هذه المرحلة المبكرة من الانتعاش الاقتصادي إلي تحمل أعباء ضخمة من الإنفاق العسكري. الملف النووي الإيراني بالنسبة لروسيا والصين، باختصار، لا يستدعي المخاطرة بهذه السلسلة من المصالح الاقتصادية والاستراتيجية، وتفجير أزمة عالمية ستؤثر عليهما تأثيراً بالغاً.هناك، إضافة إلي كل هذا، قراءة شريرة لحقيقة الموقف الروسي ـ الصيني. فعندما تكون الولايات المتحدة في وضع غارق في العراق، وتسعي بكل جهدها للتصعيد مع إيران، فلماذا لا تسمح لها موسكو وبكين بمزيد من الغرق في إيران، لاسيما أن التفجير مع إيران قد يتسبب في تفاقم الوضع العراقي علي أية حال؟ من زاوية هذه القراءة، يبدو الموقف الروسي ـ الصيني وكأنه يساعد الولايات المتحدة علي توفير المبررات لشن الحرب علي إيران، بدون أن تخسر كل منهما المستوي الوثيق من العلاقات مع طهران. ومن هنا يأتي إطلاق أجواء من المعارضة للموقف الأمريكي والسعي إلي تخفيف وقع مشاريع قرارات مجلس الأمن التي تتقدم بها الولايات المتحدة ضد إيران، بدون منع صدور هذه القرارات.بالرغم من المؤشرات العديدة علي التنافس والاضطراب في العلاقات بين روسيا والصين، من جهة، والولايات المتحدة، من جهة أخري، فالوضع العالمي، في النهاية، ليس وضع حرب باردة. وسيكون من الخطأ الباهظ بالنسبة لإيران أو أي من الدول العربية والإسلامية الأخري إقامة حساباتها علي أساس من وجود حالة من الحرب في النظام العالمي. العلاقات الوثيقة بالصين وروسيا هي ضرورة للتحرر من وطأة السياسة الأمريكية في المنطقة العربية ـ الإسلامية، ولكن لا الصين ولا روسيا ستذهبان إلي حد الصدام السافر مع الولايات المتحدة من أجل حقوق ومصالح عربية أو إسلامية، لمجرد الظهور بمظهر المدفع عن الحلفاء، طالما أن المس بهذه الحقوق والمصالح لا يشكل تهديداً مباشراً ووثيقاً مصالح روسية وصينية. أو علي الأقل ليس بعد. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية