د. بشير موسى نافعيحتفل الأتراك في 29 تشرين أول/اكتوبر من كل عام بيوم الجمهورية، اليوم الذي أعلن فيه مصطفى كمال من قاعة المجلس الوطني الكبير في 1923 تركيا، المتبقية من السلطنة العثمانية، جمهورية. كما هو التقليد، قاد الرئيس عبد الله غول الاحتفال الرسمي، بزيارة قبر مؤسس الجمهورية، مصحوباً بكبار مسؤولي الدولة والجيش، حيث وضعت أكاليل الزهور. أما الاحتفالات الشعبية، فتجري عادة على مستوى محلي، وتشمل عروضاً موسيقية ومسرحية وفولكلورية؛ إذ أن ليس هناك من طقوس شعبية محددة للاحتفال بالذكرى، التي يقصد بإحيائها نشر أجواء الفرح والسرور وتعزيز قيم الترابط الاجتماعي. ولكن الاحتفال بيوم الجمهورية هذا العام كان عاصفاً؛ فقد سبق أن طلب عدد من المنظمات والجمعيات الأتاتوركية، مؤيدة بحزب الشعب الجمهوري المعارض، السماح بتظاهرة في العاصمة أنقرة، أمام المبنى القديم للمجلس الوطني الكبير (البرلمان التركي). ولكن السلطات الحكومية في العاصمة التركية رفضت السماح بالتجمع، مستشعرة وجود مخطط لتحويل اليوم إلى حدث سياسي وخلق حالة من الفوضى. ولأن المنظمين، وفي مقدمتهم كمال كليشدار أوغلو، رئيس حزب الشعب، تجاهلوا قرار المنع الحكومي، فقد شهدت شوارع وسط العاصمة اشتباكات بين المتظاهرين وقوات الأمن، التي استخدمت خراطيم المياه لفض المتظاهرين.في ظاهرها، تبدو أحداث يوم الجمهورية وكأنها مجرد تدافع آخر بين قوى المعارضة وحكومة العدالة والتنمية، استخدم فيه الشارع هذه المرة لاستعراض القوة. ولكن الأمر في حقيقته أبعد من ذلك. فخلف التباين بين وجهتي نظر الحكومة والقطاع الكمالي من معارضيها حول الاحتفال بيوم الجمهورية، ثمة تباين يتزايد حدة واستقطاباً حول رؤية الجمهورية ذاتها وحول ماهيتها وما يمكن أن تكون عليه في السنوات المقبلة، التي تفصل الأتراك عن الذكرى المئوية للجمهورية. منذ سنوات، وحكومة العدالة والتنمية تتجه ببطء وإن بصورة حثيثة، من أجل الاستجابة لمطالب الأقليات الإثنية والدينية في تركيا، في انعطافة تاريخية عن الميراث الكمالي القومي، الذي لم ير في شعب الجمهورية سوى كتلة مصمتة من الجماعة التركية العرقية والثقافة القومية القسرية. ولكن الجماعات والقوى السياسية الكمالية ترى في جهود العدالة والتنمية هذه خطراً على وحدة البلاد، وسياسات إرضاء لجماعات انشقاقية ستؤدي إلى التقسيم. ومنذ سنوات، والعدالة والتنمية يحاول خلق توازن بين صلات تركيا الأوروبية ومحيطها المشرقي الإسلامي، في البلقان والعالم العربي والقوقاز؛ بينما ترى قوى المعارضة في هذا التوجه تخلياً عن ميراث الجمهورية الكمالية، التي اعتبرت أن الانتماء للغرب هو قدر تركيا الحضاري. ومنذ سنوات، وحكومة العدالة والتنمية تعمل جاهدة من أجل مصالحة الدولة التركية مع دين الأغلبية التركية وقيمها الإسلامية؛ بينما ترى المعارضة الكمالية أن سياسات الحكومة تستهدف تقويض علمانية الدولة وأسلمة البلاد بالقوة.ليس هذا بالخلاف البسيط، الذي يمكن أن يحل بالحوار المعتاد بين القوى الحزبية أو بالنقاش البرلماني والمساومات السياسية حول تشريعات ما. هذا خلاف حول أسس الهوية وحول بنية الدولة وحول تصور الأمة لذاتها وللعالم من حولها. وربما كان هذا هو السبب خلف إصرار الطرفين، الحكومة ومنظمي التظاهرة، على إنفاذ إرادته يوم الإثنين الماضي، وخلف تحول أجواء الفرح في الاحتفال بيوم الجمهورية إلى مواجهة صاخبة بين قوات مكافحة الشغب والمتظاهرين الكماليين. وما تشهده تركيا من توتر حول ميراث الجمهورية ووجهتها، تعيشه مختلف الدول العربية بدرجات وتجليات متفاوتة، سواء تلك التي شهدت حدث الثورة والتغيير أو تلك التي تنتظر. بعد مرور زهاء قرن على ولادة المشرق الحديث، ثمة أسئلة لم يعد من الممكن تجاهلها أو تأجيلها حول دولة ما بعد الاستعمار المباشر، وحول ما إن كان من الممكن، أو الحكمة، استمرارها والقبول بها، بالرغم من عدم الاستقرار والحروب الصغيرة والكبيرة والصراعات الأهلية والآلام التي ولدتها.لم تكن الدولة الحديثة خياراً حراً لشعوب المشرق العربي ـ الإسلامي، ولم تأت استعارتها بقوة دفع شعبية أو ضغط من الرأي العام. كان الاختلال الفادح في ميزان القوة، واعتقاد حفنة صغيرة من رجال الدولة في اسطنبول والقاهرة وتونس بأن لا مخرج من الانحدار سوى استعارة نموذج الدولة والحكم الغربيين، هو الذي أطلق حركة التحديث العثمانية. وما إن اتضحت نتائج التحديث في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، واستشعرت المجتمعات حجم التغيير الذي طرأ على علاقتها بالدولة، حتى اندلعت الانتفاضات الشعبية في أغلب المدن العثمانية، التركية منها والعربية. خلال عقود قليلة، أصبحت القوانين تشرع في مركز الدولة، بدون التفات كبير لتنوعات الجماعات وشروط الاجتماع المحلي؛ وفوجئت الشعوب بسيطرة الدولة على التعليم، وبمناهج تعليمية تفرض من الإدارة المركزية للدولة؛ وبسطت الدولة سيطرتها على حركة المال والاقتصاد، وعلى نظام المدن والأوقاف؛ وبتضخم جيشها وأجهزتها الأمنية، واكتسابها تفوقاً نوعياً في مجال التسلح، لم يعد للمجتمع وجماعاته من حول ولا قوة أمام إرادة الدولة. شيئاً فشيئاً، فقدت الجماعات الإثنية المجال الحر الذي وفر لها تعليم أبنائها بلغتهم ونقل الحكايات الموروثة لهم؛ كما فقدت الجماعات الدينية قطاعاً واسعاً من استقلالها الذاتي، التشريعي والديني. ومع نهاية القرن التاسع عشر، كانت ردود الفعل تتحول إلى تيارات قومية، عربية وكردية وتركية وألبانية؛ وإلى حروب أهلية صغيرة وتوترات متصاعدة بين المسلمين والأرمن والأقباط والعلويين والسنة والشيعة، وبين الكنائس المحلية والكنائس التبشيرية. وما إن انهارت الرابطة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، حتى تحول المجال العثماني، ما كان مستقلاً منه قبل الحرب وما كان قد وقع تحت السيطرة الاستعمارية، إلى عدد كبير من الدول، بأجهزة إدارية مركزية حديثة وحدود صلبة، لم تكن الشعوب من رسمها أو طالب بها أصلاً.ولكن، إن لم يكن ثمة خيار في اعتناق نموذج الدولة ورسم حدودها، فما حدث بعد ذلك من تطور في بنية الدولة وتوجهها كان في أغلبه نتاج خيارات داخلية، خيارات قادتها أحياناً الأقليات الحاكمة، وتوفر لها أحياناً قدر ملموس من الدعم الشعبي. في محاولتهم لإيقاف قوى التشقق والانقسام في جسم الإمبراطورية، حاول رجال التحديث العثماني في النصف الثاني للقرن التاسع عشر إقامة هوية قومية عثمانية، تعلو على الهويات الإثنية المتعددة، التي تشكل جسم الإمبراطورية. ولكن المحاولة أخفقت؛ ومع بداية العقد الثاني من القرن العشرين، قبل قليل من اندلاع نيران الحرب الأولى، كانت الإمبراطورية قد فقدت كل ممتلكاتها في البلقان تقريباً، بما في ذلك ألبانيا ذات الأغلبية المسلمة. ولكن الحلم القومي لم يتلاش، وسرعان ما اعتنقت الدول الوليدة من الانهيار العثماني تصورات قومية مصمتة وطاردة، بينما أصبحت الدولة أكثر مركزية وسيطرة، وأكثر عزماً على توكيد سيادتها، حتى إن أوقعت ضرراً بالغاً بشعبها. وليس ثمة شك، أن وطأة الدولة والأعباء الثقيلة التي ألقت بها على كاهل الشعب وجماعاته ازدادت تفاقماً في حقبة ما بعد الاستعمار المباشر. بدلاً من عروبة الإصلاحيين الحاضنة، تطورت دولة قومية طاردة، أسست لحرب أهلية مستعرة وطويلة في العراق وتركيا وإيران، على خلفية من تفاقم المسألة الكردية. وفي بلدان مثل الجزائر والمغرب، لم تقف الحدود في وجه الأقارب على جانبي خط السيادة الفاصل وحسب، بل وولدت حركات أمازيغية بمطالب قومية متفاوتة الحدة. اشتبكت السعودية واليمن في خلاف طويل على الحدود؛ وظلت سورية لعقود ترى أن لواء الإسكندرون ضم إلى تركيا ظلماً وعدواناً؛ وحتى مصر والسودان، اللتان كانتا تحت ظل مملكة واحدة لزهاء القرن، شهدت العلاقات بينهما نزاعاً على الحدود. طوال سنوات، وبين عقد وآخر، أغلقت الحدود العراقية السورية أمام الشعبين؛ ولم تخل العلاقات بين الدولتين من خلافات حادة على المياه. وفي سابقة لم تعرفها دول المشرق منذ تأسيسها، أخفق السودان في حل مشكلة العلاقة بين الدولة المركزية والجماعات الجنوبية الإثنية والدينية، وأجبر في النهاية على قبول استقلال الولايات الجنوبية؛ بينما تتمتع المنطقة الكردية العراقية بكل سمات الاستقلال سوى الاسم. وخلال العقدين الأخيرين، بصورة خاصة، انفجرت علاقات الطوائف الإسلامية في كل البلاد ذات التعدد الطائفي تقريباً. لم تستطع السياسات القومية العربية الطاردة إنجاز وحدة واحدة، بعد انهيار الوحدة المصرية السورية قصيرة العمر؛ ولا حتى بين دول حكمها الحزب القومي ذاته. وبالرغم من أن القوى الدولية نظرت بقلق إلى حركة الوحدة العربية، فإن فشل طموحات الوحدة لم يكن دائماً وليد التدخلات الخارجية. وإلى جانب هذا كله، يقف إخفاق من صنف آخر: مواجهة التحدي الذي مثلته المسألة الفلسطينية ووجود الدولة العبرية في فلسطين. ليس هناك الكثير مما يمكن قوله في مديح دولة ما بعد الاستعمار المباشر؛ بل إن الشواهد تكاد تجمع على فشل هذه الدولة، وما باتت تشكله من عبء على حياة الشعوب ومستقبلها. ولعل هذا الفشل كان في قلب القوى الهائلة التي أطلقت حركة الثورة والتغيير في المشرق، ليس فقط منذ اندلاع الثورة التونسية، بل ومنذ أوصل الناخب التركي حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم، بعد عام واحد فقط من تأسيسه. بصورة أو أخرى، لم تنهض الشعوب ضد الاستبداد وحسب، بل وضد دولة متغولة، قصيرة النظر، جبلت على إعادة توليد ذاتها وتعظيم سلطاتها وسيطرتها. لم يعد بإمكان شعوب هذا الشرق تحمل العواقب الفادحة للحركة الكردية القومية، ولا عواقب الانفجارات المتتالية في علاقات المسلمين بالمسيحيين والسنة والشيعة والعرب والبربر، عواقب دولة باتت تسد الأفق أمام استقرار وكرامة وازدهار الشعوب. ثمة تاريخ طويل ومواريث كبرى يمكن أن تستلهم من أجل الخروج من مأزق الدولة هذا. ‘ كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث