إن الأسئلة هي الطريق الأرحب المؤدي للوعي والبصيرة والتنوير، ولذا فإن من أهم ما يميز رواية عن غيرها، كم الأسئلة التي تثيرها ونوعيتها، ولا قيمة لرواية لا تثير أي أسئلة، بل لا أظنها رواية ابتداءً. مع التأكيد، أن لكل قارئ أسئلته الخاصة، التي قد تتقاطع مع أسئلة قارئ آخر، ولكنها لا تتشابه. وتعتمد هذه الأسئلة على ثقافة القارئ وعقليته ونمط تفكيره، بالإضافة إلى قدرة الرواية نفسها على إثارة الأسئلة وبلبلة عقل القارئ. وليس مطلوباً من الرواية الإجابة عن الأسئلة التي تثيرها ولا غيرها، بل يكفيها فضلاً أن تثير أسئلتها الخاصة، أما الإجابات فهي رهن بالقارئ ومدى سعيه للارتقاء وطلب المعرفة. نجحت رواية “سيدات الحواس الخمس” 398 صفحة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2017 لجلال برجس، في إثارة عاصفة من الأسئلة النوعية التي تُحرك الماء الراكد، وتؤرق القارئ وربما تقض مضجعه، وتتناول هذه المقالة بعض هذه الأسئلة باختصار:
لماذا تخون الحواس؟
تسلط الرواية الضوء بقوة على الحواس الخمس، من خلال الفنان التشكيلي “سراج عزالدين” المميز بحواسه القوية منذ طفولته، الذي يتفقد حواسه صباح كل يوم، ويتأكد من سلامتها، وقيامه بفحص طبي دوري لها خمس مرات في السنة، وكذلك قصره المزود بحساسات خاصة لحفظ التوازن وعدم التأثير في الحواس، وغرفه السرية التي يحتفظ فيها بأشياء زوجته السابقة ريفال بعد تصنيفها حسب الحواس، بالإضافة إلى غاليري (الحواس الخمس) الذي شيده في جبل اللويبدة في عمان، حيث إن كل طابق مخصص لتجسيد حاسة معينة والاحتفاء بها وإبرازها. والسؤال: لماذا لا تقوم حواسنا بوظيفتها كما يجب، ونشعر بأن فيها خللاً كبيراً؟
ابتعدنا عن الفطرة والطبيعة وأمنا الأرض وأصبحنا عبيداً للتكنولوجيا وآلاتها البشعة، فتخلت عنا حواسنا وخانتنا
إن قيامنا بمثل ما يقوم به سراج صباح كل يوم فور استيقاظه؛ بتفقد الحواس والتأكد من سلامتها وفاعليتها، يملأ النفس بشراً وسعادة وراحة، إننا ما زلنا على قيد الحياة في كامل عافيتنا وقدراتنا، وهي وحدها تكفي لنكمل بقية يومنا بالتفاؤل والنشاط والحيوية والعرفان والشكر للخالق سبحانه. وكما يقول برجس: “على الحواس أن تتآلف لنكتشف حقيقة العالم، ولنكتشف طريقنا الصحيح”. ولكن، نتساءل معه: “ما الذي يجعل الحواس تخون؟”. ابتعدنا عن الفطرة والطبيعة وأمنا الأرض، وأصبحنا عبيداً للتكنولوجيا وآلاتها البشعة، فتخلت عنا حواسنا وخانتنا، فقد تخلينا عنها لصالح آلات صماء وخناها، فلا نلومها إن خانتنا، وقلبت لنا ظهر المجن، والبادي أظلم!
الجماعات الإرهابية، صناعة مَنْ؟
الإرهاب كان حاضراً وبقوة في الرواية، من خلال أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، والقبضاي الذي دمر غاليري الحواس الخمس، وهذا يقودنا إلى سؤال: من وراء الإرهاب؟ ومن المستفيد منه؟ وكيف ينشأ الإرهاب ابتداءً؟ لا يشك عاقل في أن الجماعات الإرهابية تؤدي وظيفة مرسومة ومخططا لها بحرفية وعناية، وهي أداة تنفيذية بيد أدوات سياسية واقتصادية بالدرجة الأولى، وما ارتباطها بالدين إلا ستار تخفي وراءه حقيقتها البشعة؛ لخداع البسطاء والعامة.
وفي المقابل، يجب أن لا نغفل عن الحواضن التي تشكل مرتعاً خصباً للإرهاب وتجنيد عناصره، فأينما يعشش الفقر والحرمان والبطالة والفساد والظلم والتمييز، فثم خطر وشر مستطير، وقد أشارت الرواية بوضوح إلى هذه العوامل، وحذرت من خطر مقبل. الولايات المتحدة الأمريكية، بقوتها وأذرعها المخابراتية والأمنية المتقدمة، لا يُمكن أن تغفل عما يتهدد مدنها، لو لم تكن متواطئة مع مدمري أبراج مانهاتن، ومهدت لهم السبيل، وهيأت لهم الأسباب؛ لغايات وأهداف بعيدة المدى، ناهيك عن أنها أكبر دولة إرهابية على وجه الأرض، وتدعم معظم الدول والجماعات الإرهابية.
القبضاي، كان زعيم عصابة لمافيا البسطات وفرض الإتاوات، ثم تحول فتوة وبلطجياً لخدمة الاقتصادي الكبير سليمان الطالع، صاحب الشركات الضخمة، ولما أصبح مطلوباً أمنياً، هرب خارج البلاد، فاستشيخ، وشكل عصابته الإرهابية التي نفذت جريمة تفجير غاليري (الحواس الخمس)؛ بطلب من سليمان الطالع نفسه، بعدما فشل في شراء الغاليري، وهذا يؤكد أن الإرهاب خادم للسلطة والاقتصاد، ولم يكن يوماً خادماً للدين، أي دين!
المسؤول خادم للشعب أم زعيم عصابة؟
المسؤولية ـ في حقيقتها- خدمة للشعب، ولكنها في بلداننا المبتلاة، أصبحت وسيلة للتكسب والتسلط على عباد الله، ولا فرق ـ في الواقع- بين المسؤول وزعيم العصابة إلا في الشكليات التي لا تغير من الحقيقة شيئاً. سليمان الطالع في الرواية، كان نموذجاً للمسؤول الذي تخلى عن مبادئه الحزبية، رغبة في السلطة والتسلق، ولما وصل، طغى وتجبر وفسد، ثم وظف الإعلام ليلمع صورته البشعة، واغتيال شخصيات خصومه ومناوئيه. ويطرأ سؤال من رحم هذا السؤال: من سمح للمسؤول الفاسد أن يفعل ما يفعل؟ أليس لكل مسؤول مسؤولاً أكبر منه؟ وهل الفساد طارئ مستحدث أم عدوى؟
ما حقيقة نظافة الصحافة؟
من خلال الصحافي رعد عبدالجليل، ومقدمة البرامج ريفال في الرواية، نتساءل عن حقيقة نظافة الصحافة؟ وهل هي فعلاً في خدمة الوطن والمواطن؟ وهل توجد صحافة مخلصة صادقة مبرأة من خدمة السلطة بكافة صورها وأشكالها؟ لا نعيش في المدينة الفاضلة، ولا وجود لخدمة تقدم مجاناً، بدون مصلحة من ورائها، وكذلك الصحافة؛ فلها غايات وأهداف ومصالح؛ لخدمة أربابها وأصحابها ومن يقف خلفها، ومن السخف الحديث عن الموضوعية والتوازن والمهنية في عالم تتناهشه الوحوش!
من المسؤول عن الخيانة؟
نساء الرواية، كلهن خائنات، ولكل منهن أسبابها وظروفها التي دفعتها للخيانة، ولكن من المسؤول عن الخيانة؟ لحدوث الخيانة لا بد من توفر أطراف الخيانة وظروفها المساعدة، فأطرافها الخائن والمخَون والمخون لأجله، وهذا بالطبع لا يبرر أو يشرعن الخيانة، ولكنه مجرد تشخيص محايد. والمسؤولية مشتركة في الخيانة، وكل أطرافها شركاء في الجريمة المُدانة، تتحمل قسطاً منها. ولكن، هل ثمة خيانة جسد بدون خيانة قلب؟ وهل يُمكن أن تتجزأ الخيانة؟ وسؤال آخر: أليس المسؤول الفاسد والمواطن الفاسد خائن لوطنه؟
جماليات المدن مسؤولية مَنَ؟
غاليري (الحواس الخمس)، كان المعلم الأبرز في الرواية، وهو بناية (متخيلة) “من خمسة طوابق على هيئة امرأة تنظر إلى يديها الفارغتين، ويعد أكبر تمثال لامرأة في العالم، حاكى كل ملامح وتفاصيل جسد المرأة، وكل طابق مرتبط بإحدى الحواس الخمس”. هذا الغاليري دق ناقوس الخطر، حول المدن التي تعاني فحشاً هندسياً، يهدد ما تبقى فيها من جمال وأصالة لصالح الإسمنت والحديد، الذي يتطاول ويتكاثر ويلتهم الأراضي الخضراء؛ فعبدون ـ مثلاً حسب الرواية – ما هي إلا “حديقة حجارة تعتمر بناياتها قبعات قرميدية”، وجبل اللويبدة، حيث يقع غاليري (الحواس الخمس)، من أجمل المناطق في العاصمة عمان، ولكن هذا الجمال مهدد، لصالح العمارات الجديدة التي تستهدف الربح السريع، وتطمس معالم الجمال والأناقة. وفي غياب أي رؤية جمالية للجهات المسؤولة المعنية، وفقدان الحس والذوق الفني الجمالي لدى العقليات التجارية البحتة، فإن العاصمة عمان، وغيرها من المدن ستبقى لوحة قبيحة للتلوث البصري الذي يثير الغثيان. وبعد.. غاليري (الحواس الخمس) فكرة خيالية حالمة مجنونة رُسمت على الورق، وعشنا معها لحظات جميلة ممتعة في الرواية، فهل يمكن أن تتجسد ـ هي أو غيرها- واقعاً مُشاهداً في عمان ذات قرن؟
كاتب أردني