سعاد قطنانيأريد أن افتح الأسئلة على كل الجراح والأوجاع… تلفظني الأسئلة وترميني على حافة الجرح لأنها لا تفضي إلى شيء…. فالإجابات محيرة أكثر من الأسئلة… تتزاحم الحروف والأفكار في لحظة الكتابة… تنكسر الكلمات وتجهض كل المعاني… قلمي يكاد يتوه بين السطور…. ماذا أقول وعن ماذا أسأل لو ابتدأت بك يا دمشق… يا وجعي اليومي…. يا واسطة العقد… يا كل الثورات والعذابات… ماذا سأسأل وماذا سأقول عنك والأسئلة تعتصر الروح عندما تكون الإجابة مغمسة بالدم؟
؟… أسئلة تحيل القلب رماداً عندما تكون الإجابة مرسومة على شفاه طفل غادرنا إلى الأبد… أسئلة تلم الكون وتحفره بارداً جافاً على صدى مذبحة هنا ومجزرة هناك فوق ربى الوطن.. قولي لي بعد كل هذا التعب، هل تشعرين أنك أنت كما كنت؟
؟ جميلة بلا تكلف… بسيطة كوجه فلاح… محبة ودافئة ككف أمي… هل انت كما أعرفك؟
؟ مزدانة بأهلك!!! ملونة كحقل زعفران!! هل توغلت في رومنسيتي عندما أستذكرك الآن على وقع الوجع الدامي؟
؟ هل تجاوزت بأسئلتي حدود المعقول؟
؟… فالجرح مفتوح ويفتت القلب ولا أسمع من سوريا سوى الآه.. ماذا سأسأل وماذا سأقول عن سوريا؟
؟… فالموت يحيط بالذاكرة… وتغزو الحكايا المخيفة وجه الطفولة.. ويفترس القتل أصغر الأحلام.. كيف سأسأل عن الشام التي مازلتُ قادرة على استعادة إيقاع خطواتي فوق شوارعها الحجرية… مازالت رائحة الياسمين المنبعثة من الحارات العتيقة تدق الحنين إلى شبابيكها وأبوابها.. دمشق التي تغلغلت بكل تفاصيلها مع فرحي وحزني… كان لها أجلّ الكلمات في أغنياتي… هي دمشق التي علمتني الحذر من عسس الليل عندما يحتد النقاش عن فلسطين… دمشق هي التفاصيل التي شكلت أحلامنا… هي سوريا بفسيفسائها وتنوعها. سوريا اليوم بهذا المشهد الدموي تدفعني للتساؤل ألف مرة، إلى متى ستبقى الصدور العارية حضناً للرصاص؟
؟ ومن سيخفف ألم أم حين ودعت طفلها وأودعته القبر؟
؟ هل سينتهي هذا الليل الطويل من العذاب والخوف والحزن الذي يبدو وكأنه أبدية لا تنتهي؟
؟ متى سيعود السوريون لترتيب صباحاتهم على مهل مع فنجان قهوة وأغنية لفيروز؟ ومتى يأتي ذاك الصيف حين الكرم يعتصر؟
؟ تخذلني كلماتي وصوتي وصمتي يا دمشق… وعلى بساطة الأسئلة ما أكبرها وما أقساها الإجابات…. أسئلة ببساطتها تفتح الجرح على الليل فيحمر الغروب ويُدمى الصباح.. هل من المنطق أن تقول الصدور العارية ‘لا’ بوجه دبابة؟ وهل من السهل أن ننصح العيون الدامعة أن تتصدى للطلقة لكي تثبت سلمية المواجهة!
؟ ما أصعب أن تزج بين خيار الموت على رصيف بارد وأنت ترفع ورقة كُتب عليها ‘لا’، وبين أن تؤجج نار الموت في وطن تموت من أجل أن يعيش بسلام. خيارات تجرك إلى اللامعقول أو الجنون عندما يُذبح الأطفال ويندس الموت مع الأحلام الصغيرة بأيدي قتلة مأجورين ‘شبيحة’ سمهم ما شئت… والمطلوب منك أن لا تصرخ.. أن لا تطلب النجدة وأنت الأعزل إلا من خوفك، مطلوب منك أن تخرس وتبتلع دمعك كي تثبت أنك لست على علاقة مع الخارج… ما أصعب أن تُزج في لحظة الموت من أجل حرية الوطن في خانة الخيانة لأنك تصرخ بأعلى صوتك… أنجدوني… و يزداد السؤال قسوة وتقودك الكلمات إلى حتفك وأنت تدافع عن لا طائفيتك وكل ما حولك يدفعك لأن تخرج من عقلك وتتعرى من حكمتك وتصرخ: كفى… إنها الطائفية بأقسى صورها يدفع بها النظام كي يحمي نفسه، وتجد نفسك مرة أخرى بين خيار الموت بيد مسلحة بالحقد أو الموت عارياً إلا من أفكارك الوطنية… أسئلة تشق الحناجر وتخرج لاهثة لتعلن عن نفسها كلما إزداد الموت قسوة، تخرج من أفواه أصحابك، أصدقائك العقلاء، رفاقك المجانين أو أهلك… ولا إجابات إلا سطور غُرست في القلب عن حب الوطن، عن الأهل، عن سوريا المستقبل وكيف نريدها.. وأحياناً يسرقني الموت المنتشر على الطرقات وأصرخ لا أعرف.. لكن سوريا عزيزة على قلبي وأحبها… ****تكبر الأسئلة وتصبح أكثر إلحاحاً عندما يتعلق الموضوع بمصر، عندما يصبح الوطن على حافة النصر.. عندما يحاول الماضي سرقة الأحلام من عيون أبناء مصر…. عندما يحاول عسكريو وسياسيو الماضي أن يسلخوا الكلمات من ظهر أبو الهول كي يبرروا الهزيمة، عندما يسرقون الحروف من النيل كي يضفوا معنى لنفاقهم ويقبضوا على عنق قناة السويس كي يموهوا مخططاتهم… يستنبتوا الماضي هواء كي يمنعوا مرور المستقبل…. يتكئوا على رجولة لا تعرف إلا خبرة تحطيم الرؤوس والأحلام وإقصاء الآخر… على حافة النصر أقف مشدوهة ينقصني الكلام… كيف لنا أن نصل إلى هنا؟ وهل هنا هو البداية أم النهاية؟
؟.. وأين شاطئ الأمان بعد أن أحرقنا كل مراكب الذل التي كنا نركبها؟
؟ يا مصر.. يا أم الدنيا.. استقوي بنبض الشباب فيك.. احفظي دمائي التي تبعثرت في الشوارع… اصدقيني القول كي أرفع هامتي التي ما انحنت وهي تبحث عن حق لا يشبه إلا نفسه… وحّدي اللحن كي لا تتوه أصوات الثورة… أصوات من بكوا ومن ماتوا في ساحة التحرير… ابقي يقظة.. حذرة كي لا تضيع الثورة في جيب عسكري يخفي صبغة الشعر الأبيض وسنين العمر العتية، أو أن تتوه في عباءة المبررات والمحظورات… لا تجعلي الأصوات التي هتفت باسم الحرية تبتلعها مقابر الفقر والقهر في القاهرة…. فالثورة مازالت مستمرة ومن يجرؤ على سرقة الثورة في وضح النهار؟
؟!! ومن يجرؤ على سرقة ثورة أنجبت شكلاً جديداً للاعتزاز بالذات…. *****تبعثرني الأسئلة وتذريني.. تشظيني وأعود لألملم أشلائي وأسئلتي.. وجهي هناك ضاع في اليمن الحزين… هناك وجه بين الوجوه في اليمن هو وجهي…. ردوا لي وجهي فقد ضاع وهو يبحث عن الحق في وجوه الساسة والعسكر والأمم المتحدة والعالم…. ضاع وجهي وهو يبحث عن الحق الذي أخفي في الأدراج، في عبارات وإشارات الشكر والثناء…. هناك من يريد أن يسرق وجهي حين رسمت ثنائية السلم والثورة… أين وجهي من ثورتي؟
؟ أعيدوا لي ألق وجه بلقيس.. أعيدوا لي رقصة الخنجر في حضرة السلم والحرية… كيف لثورة أن تنتصر ويبقى الجنرالات في القصور محصنين؟
؟!! كيف لثورة أن تنتصر وهناك فاسد يعلق النصر نيشان في حفل مسائي؟
؟ يا الله كم يكبر السؤال عندما نسترجع صورة اليمنيين كالبحر الهائج يصرخون بالحرية وينشدون غداً أفضل…. ونراهم اليوم يمشون على إيقاع يوهن النفس ولا يستدعي كبرياء الرقص مع الحرية… إيقاع مازال يستلهم الماضي ويندس في نغماته نشاز العسس وتلصص المخبرين… أخاف أن ما يحدث حتى الآن ثورة تنقلب على نفسها وتستكين لقضاء لم ترسمه بدماء شهدائها… وتخمد على أمل أخاف أن يُسرق منها… المفارقة هنا أن حجم اليمنيين الذين هدروا في الشوارع وناموا في الساحات واستشهدوا على أرصفة الحرية لا يمكن أن يحيلك إلى هذه النتيجة… فهل هي نهاية الثورة؟
؟! أم بداية التغيير؟
؟!!**** العشق شوق والشوق عشق… وأنا العاشقة للحرية ولا شاطئ… والشوق يقتلني لزمن تذوب فيه القبيلة في الوطن… تضربني رياح الثورة في ليبيا وترميني الأمواج الهائجة ولا شاطئ…. أبحث عن أثر بعد عيني ولا شيء سوى الركام… بعد أن سقطت تماثيل وكتب ورسوم الطاغوت في ليبيا… كم هالني أن ما كانت تسمى ‘بالساحة الخضراء’ لم تكن ساحة خضراء بمعنى الربيع، لم تكن سوى طلاء أخضر باهت!! كم هالني الغبار المتناثر في الشوارع المقفرة!! … ليبيا هل ستتجاوزين الأخضر إلى كل الألوان حيث تزهر الثورة ورداً وياسمينا وبساطاً أخضر يمتد على مساحة الوطن؟
؟… كيف ستتخطين الخوف والحزن وسنين الغبار إلى زمن آخر؟
؟… كيف ستعبدين كل الشوارع المقفرة وتطمئنين القلوب الواجفة؟
؟ كيف يمكن للأحلام أن لا تتكسر على صخرة الواقع؟
؟ كيف لعيون الليبيين أن تنام وهي تعلم أن القادم أجمل؟
أحياناً تسرقك نشوة الانتصار وتفرح وترمي بعباءة الحزن الأبدية من فوق ظهرك لكنك تفاجئ بالثورة تسرق أبناءها، أو يسرقها المنتصرون، أو بأحسن الأحوال الصورة غائمة، فينتابك اليأس عندما ترى من تسلقوا حبال الموت ليزيحوا الأخضر القذافي عن الجدران وينظفوا اللافتات من عبء الماضي… يتسلقون اليوم حبال الموت من جديد ليسيطروا على المطار أو ليغتنموا شقفة من تراب وطن حاربوا في لحظة كي يبقى واحداً موحداً!!.. كلها ظواهر تجعلك تغوص في الأسئلة: هل يعرف هؤلاء أنهم بذلك ينحرفون عن الثورة؟ أو ربما هو سؤال كبير يجدر بنا أن نخففه ونسأل: هل يعرف هؤلاء الثوار كيف يمشون بالثورة حتى آخرها!! ؟.. ما هو شكل الديمقراطية التي ينادون؟
؟!… كيف سيحققونها والسلاح مازال على الكتف ولا عدو في الأفق إلا الجهل والفقر والخوف؟
؟! ألا يستدعي الجهل والفقر والخوف وسائل أكثر مدنية وأقوى تأثيراً!!… إنها أسئلة تشظي القلب حباً على وطن لا نريد إلا أن نراه منتصراً…****أريد أن أكتب عن تونس وأسأل هل عاد إليها اخضرارها؟
؟… أكتب عن شعب يقبض على ثورة كمن يقبض على قلب كي يتحسس استمرار الخفقان، أكتب عن بلد يبحث عن الطريق الأمثل كي يستثمر ألق الثورة ودماء الشهداء، عن بلد مازال يبحث عن مدلول الحرية عندما يزرعها الناس بإيديهم.. وما هو شكل الديمقراطية التي ستثمر؟
؟.. أكتب عن بلد يخاف أهله أن تسرقه الكلمات والشعارات من رحم الثورة، أكتب عن بلد أخاف عليه من أن يداري الخوف ويستكين لرؤى تجاوزها دم الشهداء كي يحافظ على اسم الثورة فقط.. أريد أن أكتب عن الحلم الأخضر الذي أينع في روحي عندما سمعت تهاليل ثورة تونس… أريد أن أبعد خوفي من شماتة كل المطبلين والمزمرين للأنظمة.. فلقد تعبت وأريد أن أنام دون أن أصارع الليل وكوابيس الطغاة وأضغاث الثورة المضادة….***ماذا أكتب عن فلسطين؟
؟ يا وجعي الدائم… ماذا أكتب عن المركب التائه ولا قبطان؟
؟ ماذا أقول عن بلد الثورة والثوار؟
؟ ماذا أقول عن لي عنق الثورة واختصارها للركض وراء خبزة مقضومة وذرة ملح تائهة؟
؟ هل أكتب عن ثورة ما زلنا نقاوم اندثار ألقها في قلوبنا؟
؟…. عن ثورة ألهمت الشعوب معنى النضال…. عن ثورة تكسرت على حافة السياسة وليس على حافة الهزيمة.. ثورة حَرَفَها السياسيون من الطريق المؤدي إلى فلسطين إلى طريق لم ينته عند أوسلو، فغابت الرؤيا، وكثرت المصطلحات وصار القتال على من يترأس الخريطة المشوهة ومن يقود الكلمات إلى اللامعنى هو الغاية والنصر!!… ستون عاماً ونحن نسأل إلى أين؟
؟ ماذا بعد؟
؟ ولا يأتي ما بعد بعد إلا مزيداً من البُعد.. يقتلني الحنين أحياناً ليس إلى وطن بل لأمل ربما يحمل بين طياته شيئاً من الوطن… ماذا يفعل هؤلاء السياسيين وهم يلعبون بأحلامنا… بدمائنا… بتطلعاتنا؟
؟!! ألا يدركون أنهم أقصر قامة من لهفة الحنين إلى الوطن!! وأنهم أكثر ضآلة من أحلام أم تجاوزت السبعين في مخيمات اللجوء ومازال الطريق إلى فلسطين محفوراً في بؤبؤ عينيها… ألا يدركوا أن حنين أطفالنا إلى أرضهم أكبر من مصطلحاتهم… إلى أين أنتم ذاهبون بنا أيها الساسة، قفوا!! فمازال في الروح بقية من أمل بمقدروها أن تعبر إلى الوطن بدون مصطلحاتكم وأوهامكم عن السلام ودولة لو قامت تبقى أصغر بكثير من كل الجراحات وعذابات المنفى…. يقتلني خوفي على وطني وتجرحني أسئلتي….