أسئلة لا يحبها الكتّاب

في الأسئلة التي قد يحملها كثير من القراء، في أذهانهم ويواجهون بها الكاتب في ندوة ما، أو حتى افتراضيا عبر وسائط التواصل الاجتماعي، توجد طروحات مهمة، يستفيد منها الكاتب بكل تأكيد، وقد يسعى بها إلى تطوير نفسه، لمواكبة ذهنية قارئ متابع ومتطور.

بالقدر نفسه توجد أفكار أو جوانب غاية في الإرباك، وبعضنا قد يعتبرها استخفافا بما يكون أنجزه ويعتز بإنجازه له، وبالتالي تحدث ثمة هوة أو قطيعة بين حوار الكاتب والقارئ، الذي دائما ما أنوه إلى أهميته باعتبار القارئ، هو المعني الأول والأخير بالعملية الإبداعية، ولولا وجوده، لن توجد كتابة ولن يكون ثمة إبداع.

من الأسئلة التي قد لا تكون جيدة، حين يعلن أحد المبدعين عن قرب نشر كتاب له، ويضع صورة لغلافه على صفحته في فيسبوك أو تويتر، ويجلس مبتهجا يحصي مرات المحبة التي خاطبته عبر التعليق الطيب على غلاف كتابه، والأمنية الطيبة أيضا بامتلاكه حالما يصدر، ثم فجأة يسأل أحدهم:

متى سيكون متاحا على الإنترنت؟

كلمة متاح هنا لا تعني وجوده على الكيندل أو تطبيقات آبل وبلاي وغيرها من الوسائل الإلكترونية المعروفة لتسويق الكتاب، وبيعه بمبالغ تعد رمزية بكل تأكيد، للذين لا يملكون وسيلة للوصول للنسخ الورقية، أو الذين يحبون القراءة إلكترونيا، ولكن تعني وجوده مقرصنا في واحد من تلك المواقع السيئة التي ينشئها البعض بلا هدف سوى سرقة مجهود الآخرين. وبعضهم يزعم أنه عمل خيري مثل الذي كتبت عنه من قبل، حين أعلن عن إطلاق موقع لقرصنة الكتب، نوعا من الثواب لروح والده الراحل. قطعا والده الراحل قد يكون معنيا بالدعاء له بالرحمة، وليس وضع كتاب صدر حديثا ولم يستفد منه أي طرف من الأطراف التي ساهمت في إيجاده، في موقع إلكتروني، والإعلان عن سهولة إنزال الكتاب منه.

قلت مرة، لا مشكلة حتى في القرصنة، وإتاحة الكتب مجانا، ولكن لا تسأل مبدعا عن كتاب لم يطلق بعد، وأيضا مطالبته بإرسال رابط التحميل بمجرد أن تتم سرقة الكتاب ووضعه مجانا، إنه سؤال قد يعتبره السائل مشروعا، ولكنه غير مشروع، ويؤثر كثيرا في العلاقة الجيدة بين الكاتب والقارئ، وربما يؤدي إلى انتهاء العلاقة إن كانت هشة، خاصة أن هناك مبدعين، لا يسعون إلى إقامة علاقات وثيقة مع قرائهم، ويعتبرون إبداعهم جسرا إجباريا للصداقة القرائية، ينبغي أن يعبر به القراء بعيدا عنهم.

من الأسئلة الأخرى التي قد تعتبر مخيبة للآمال، حين يخبرك أحدهم بأنه لم يقرأ لك من قبل أي شيء، ويسألك أن تختار له كتابا من كتبك، وترسل له نسخة إلكترونية، حتى يقرأ لك.

بالرغم من أن القارئ، قد يعتبر ذلك عاديا جدا، حيث أنه يلتقيك ككاتب باستمرار في صفحات التواصل الاجتماعي، ويمكن أن يحاورك في أي شيء، ويعلق على صورتك وابتسامتك التي حاولت أن تبتسمها وأنت تلتقط الصورة، وبعضهم يمكن أن يتعرف إلى نوع النظارة الطبية التي تضعها على وجهك، ويسأل لماذا لا تقتني ماركة ريبال مثلا؟ لكن بالتأكيد الطرح غير عادي، المبدع قطعا يحس بالحرج، وأن المسافة التي يجب أن تكون بين المبدع والمتلقي من أجل أن تستمر المودة القرائية، تزحزحت، أو تكاد تفقد، خاصة أن الإنترنت خففت الكثير من عبء البحث والحصول على المبتغى والمراد في كل نواحي الحياة، ولم يبق فرع حتى لو كان أجدب من تلك الجوانب الحياتية لم تفصل له آلاف الصفحات وتكتب عنه المقالات النافعة والضارة. هو وقت قليل من أجل الحصول على معلومة، كانت في الماضي مطموسة في كتب تقيم على رفوف مكتبات ضخمة مغبرة، أو حتى لا توجد في أي مكان، والذين حصلوا على شهاداتهم العليا في الطب والزراعة والاقتصاد مثلا، في الماضي قبل الثورة الرقمية، يدركون تماما حجم تلك المعاناة التي عانوها، وينظرون إلى أبنائهم الآن، وهم جالسون على الحواسيب لاستخلاص المعلومات، بشيء من الغرابة، ذلك أن أذهانهم ما تزال تربط البحث بالمراجع الورقية الضخمة.

إذن يمكن لمن أراد أن يختار كتابا لواحد لم يقرأ له، أن يذهب حيث توجد مراجعات القراء، وهي بالآلاف، يقرأ ويعرف، ويختار براحته، يمكنه أيضا أن يلج للمكتبات الإليكترونية المقرصنة التي ذكرتها، من دون إشراك الكاتب في الأمر. وأذكر مرة أن سألتني قارئة عن ترشيح كتاب لي فيه قصة رومانسية، فكتبت لها: 366، سألت: هل هو متاح مجانا على الإنترنت؟ قلت: ربما سألت: هل أكتب 366 باللغة العربية أم الإنكليزية؟

مثل هذا الحوار الذي ذكرته، قد لا يخطر على ذهن القارئة تلك مرة أخرى، لكنه يخطر على ذهني كثيرا بوصفه من الحوارات التي كنت أتمنى لو لم تحدث أبدا.

سؤال أيضا عن العلاقة بين الكاتب ودور النشر التي يتعامل معها، خاصة إن كانت دورا مرموقة، لم يعثر عليها هكذا ببساطة، ولكن بعد سنوات من الكتابة، ومحاولة التطوير. البعض يسألون هذا السؤال الذي يلغي كل مسافة قطعها المبدع لينشر هناك، وكل دقيقة قضاها وهو سجين عالمه ليطور فيه: كيف نشرت لك تلك الدار؟

أنا شخصيا لا أجيب على هذا السؤال، وأعتبره إضافة إلى تطرقه لمسائل خاصة، غير مهم إطلاقا في العلاقة بين القارئ والكاتب.

ماذا يستفيد القارئ حتى لو نشرت لي دار بنجوين أو راندوم هاوس أو بلومزبيري؟

ماذا يضيره لو لم تنشر لي أي دار، وظل مخطوطي حبيسا في ملف إلكتروني؟

أسئلة كثيرة كما قلت، لكني اخترت ما أتمنى أن لا يطرح من أجل تضافر جاد بين المبدعين، والقراء للارتقاء بعملية الإبداع وتلقيه على حد سواء.

  • كاتب سوداني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية