أيمن خالد
لم نكن نتخيل أبداً أن يتبنى نظرية أسامة بن لادن جيل من المثقفين العلمانيين العرب، ولا حتى كان يخطر على بال، أن بعض الجمهوريات التي كانت تصنف تنظيم القاعدة بأنه تنظيم إرهابي، يمكن أن تنسى تصنيفها هذا وتتبنى فكر القاعدة في خطابها الرسمي المعلن، عبر الفضائيات وعبر مختلف وسائل الإعلام.
والقصة أن وسائل إعلام عربية شتى باتت تتبنى فكرة المؤامرة الغربية القادمة لاجتياح الشرق العربي، في ظل ربيع الثورات العربية، وهذه المؤامرة الغربية، سوف تستغل هذه الثورات لإعادة المنطقة إلى زمن الاستعمار، وغير ذلك من التفاصيل التي يمكن مشاهدتها عبر قنوات عربية رسمية، وفوق ذلك كله، يتم استحضار أعداد لا بأس بها من المثقفين، وجل هؤلاء وظيفتهم إقناع المواطن العربي، أن هناك مؤامرة غربية تشارك فيها مختلف الدول وتدعمها أطراف محلية، وأن فكرة التغيير بالأصل التي ينشدها الشارع العربي، هي خاضعة لمؤامرة كبيرة مقرها خارج البلاد.
وهنا نسأل، ما الفرق بين نظرية بن لادن في الحديث عن الحرب الصليبية، وبين نظرية المؤامرة التي كنا دائما وكانت تعتبرها هذه الدول نفسها بأنها نظرية غير منطقية، ولكننا بالطبع، أصبحنا اليوم ملزمين بأن نعيد تفكيرنا إلى الوراء، ونقنع أنفسنا بأن نظرية المؤامرة صحيحة، وأن حراك الشعوب العربية ليس بريئاً، وإنما تدعمه دول الطوق الاستعماري ذاتها.
أحاول هنا فقط أن أميز بين نظرية الشيخ بن لادن، التي حاربتها هذه الدول وحاربها المثقفون العرب أنفسهم، وبين نظرية المؤامرة التي أصبحت حديث وسائل الإعلام، ولكنني لا أستطيع التمييز بينهما، فالقاعدة وبعض الحكومات العربية تطرح لنا نفس الفكرة، ولكن بأسماء مختلفة، فأنا لا أستطيع أن أجد فرقا من حيث المعنى، بين فكرة الغرب الصليبي القادم لاجتياح الشرق، وبين فكرة الغرب المتآمر القادم أيضا لنفس الهدف.
فاستخدام كلمة الصليبية، كانت في حقبة تاريخية لها ظروفها الخاصة، وأعيد إنتاجها والحديث فيها، خصوصاً مع ظاهرة المحافظين الجدد، التي كانت ذروة نشاطها مع الرئيس الأمريكي السابق، وكرست هذه النظرية أكثر بعد 11 أيلول سبتمبر، وقيام الأمريكان باحتلال أفغانستان وحرب العراق.
وبالرغم من كل هذه الظروف والإعلام الذي قيل فيه، خصوصاً ما ورد من نص خطاب بوش عشية الحرب، خصوصاً وأنه استخدم مفردات سبق وأن استخدمها البابا اوربان الثاني قائد الحملات الصليبية في القرون الوسطى، والتي نسبت الحرب الصليبية إلى جهوده، إلا أن نخبة كبيرة المثقفين العلمانيين وغير العلمانيين، رفضوا هذه النظرية، وكان رفضهم في مكانه، لأن فكرة الحرب الصليبية نشأت في ظرف محدد، وواقع غير قابل للتكرار بهذه البساطة، ولا يعني تصريحات زعيم محدد مهما امتلك من قوى، بأنه قادر على إعادة التاريخ إلى الوراء.
أولاً: وباختصار شديد لأن المقال لا يحتمل تفاصيل كثيرة، فكلمة الحرب الصليبية انطبقت من الناحية العلمية فقط- على الحملتين الأولى والثانية- من الحملات الصليبية الثماني، وسبب ذلك أن الحملات الست التي تلت الأولى والثانية، لم تقم على قاعدة استرداد القبر المقدس، وذلك بعيد اتفاق صلاح الدين وصلح القدس الشهير، ومنذ الحملة الثالثة، حملت الحرب شعارات سياسية، وليست دينية، لذلك ليس هناك حرب دينية بين الغرب والشرق، منذ نهاية الحملة الصليبية الثانية.
ثانياً:
إن الإسلام أصلا قام على الإقرار بأن هناك اختلاف- من خلال فهمنا للآية- لا إكراه في الدين- وهذا الإقرار بوجود الآخر يلغي منطقيا نظرية المؤامرة من عقولنا، ولم يسمح الإسلام بصناعة الحرب مع الآخر، إلا دفاعا عن النفس، وغير ذلك فتح كل أبواب الحوار.
ثالثاً: إن نظرية المؤامرة عبر التاريخ، لدى العرب وغيرهم كانت فقط تأتي عندما يتعلق الأمر بوجود نزاع على السلطة، عند ذلك يخرج الحاكم ومعه سيفاً كبيراً، ويبدأ بقطع رقاب خصومه الذين بحسب زعمه هم عملاء للخارج.
نقول لهؤلاء المثقفين، إذا كان علينا أن نصدقكم ونؤمن بنظرية المؤامرة التي لم نصدقها يوماً، فهذا يعني أنه لم يعد عندنا مشكلة مع تنظيم القاعدة، وعلينا كعرب أن نعتذر من هذا التنظيم، ونفتح له قلوبنا وبلادنا ليعمل جهارا بغية منع المتآمرين الصليبيين من تخريب بلادنا، باعتبار نظريته صحيحة، وهذا يتطلب من الدول العربية التوقف عن دعم الأمريكان في مكافحة الإرهاب، والعمل على دعم تنظيم القاعدة، وتوسيع ثقافته، ومنحه الحرية الكاملة في تجييش الأمة ضد الصليبيين.
ما أعرفه، وما افهمه، أن الشيخ أسامة بن لادن صنع نظريته الجديدة في مواجهة الغرب، في وقت كان تحت الرصاص، وتحت ضغط أمريكا التي أخرجته من السودان حيث كان يعمل في تعبيد الطرق، ولم يكن محارباً، وأما الأحزاب والدول والمنظمات العربية العلمانية فهي تتبنى هذه النظرية فقط من أجل مواجهة استحقاق شعوبهم.
فإذا كان أسامة بن لادن قد وصل إلى نظريته هذه أثناء تعبيده للطرقات في السودان، فإن الأنظمة وأعوانها، قد اكتشفوا هذه النظرية تماماً وهم يقومون بتعبيد الطرقات، لكن الفرق أنهم كانوا يقومون بتعبيد الطرقات بدماء شعوبهم.’ كاتب فلسطيني