أسباب ترجّح نسبة «سنرجع يوماً» للأخوين رحباني… لكن ماذا يبقى بعدها لهارون هاشم رشيد؟

حجم الخط
9

لا أحد، تقريباً، رثى الشاعر الفلسطيني هارون هاشم رشيد، الراحل أخيراً عن 93 سنة، من دون أن يستذكر قصيدة «سنرجع يوماً» معتبرين إياه «صاحبها» و«مبدعها» فنسبة تلك المغناة الفيروزية للشاعر الراحل تكاد تكون أمراً نهائياً، ما دامت قد وردت في مناهج دراسية رسمية (من بينها منهاج الصف الثامن في سوريا، وفي المنهاج الفلسطيني) بالإضافة إلى صحف، كما في ذكريات الكثيرين.
لكن أصواتاً قليلة خبيرة رفعت صوتها بالاحتجاج والتشكيك بأن «سنرجع يوماً» هي للأخوين رحباني لا للشاعر الفلسطيني.
وفي الأسباب أن القصيدة مسجلة بالفعل كحقوق ملكية باسم الأخوين رحباني (حسب الكاتب فارس يواكيم) كما ظهر توقيع الأخوين رحباني، سواء في الإعلان عن حفلات الأغنية أو على غلاف أسطوانات، كما أظهر الباحث محمود الزيباوي مراراً على مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك من دون أن نشهد اعتراضاً سابقاً من الشاعر هارون هاشم رشيد، لا في الصحافة ولا أمام القضاء، بل إن القصيدة لم تدرج في أي من دواوين الشاعر رشيد التي تقترب من الثلاثين عنواناً، حتى العام 2009 (بعد وفاة منصور رحباني، الذي كان قد ضَمَّنَها هو الآخر في ديوانه «قصائد مغناة» موقعة باسم الأخوين رحباني، والصادر في العام 2007).
بالإضافة إلى ذلك فقد نسبَ الباحث والمؤرخ الياس سحاب، في محاضرة قديمة له، القصيدة إلى الأخوين رحباني، وحسب تغطية صحافية، فقد «قسَّم الباحث فلسطينيات الأخوين (رحباني) إلى إثنين: منها المباشر الواضح، والذي يحكي فلسطين أمثال مغناة «راجعون» و«القدس العتيقة» وأخرى غير مباشرة تنسب للقضية الفلسطينية، مثل «سنرجع يوماً إلى حينا».

مفردات قصيدة “سنرجع يوماً” لا تشبه عوالم هارون رشيد، صحيح أنها تتحدث عن العودة والحنين إلى الوطن، لكنها لن تحوي أياً من مفردات الشاعر الأثيرة عن التشرد والخيمة واللاجئين والقيود وسواها.

لكن أسباباً أخرى قد تساهم في ترجيح نسبة القصيدة إلى الأخوين رحباني، ففي مقابلاته المتوفرة على الانترنت سيتحدث الشاعر مطولاً وتفصيلياً عن أبرز قصائده، سيشير إلى كل قصيدة ومن غنّاها، وغالباً ما سيقرأ أبياتاً منها، وإن جاءت سيرة فيروز سيتذكر الشاعر قصيدته «مع الغرباء» من ديوانه الأول الصادر عام 1954، سيروي قصتها، ويقرأ منها، لكنه سيتجاهل تماماً «سنرجع يوماً»! بل وأكثر من ذلك؛ في مقابلة أجراها الروائي الفلسطيني البارز يحيى يخلف  (في الدقيقة خمسون) سيسأله الأخير مباشرة عن تلك القصيدة، فبعد أن أقنَعَنَا طوال الحلقة بأن لكل قصيدة قصة، سيجيب «واللهِ هذي ما لها قصة» وسيمرّ الرجلان عن السؤال بسرعة البرق. قد تكون ردة الفعل هذه كافية لتشير إلى نسبة القصيدة للرحابنة، فالرجل إن كان قد تورط بالصمت على التباسٍ ما حدثَ قديماً وبسببه شاع أنها قصيدته، لن يكون سهلاً عليه أن يخترع حكاية لولادة القصيدة. وإلا كيف طاوَعَه قلبُه ألا يتحدث عن قصيدة يعبدها الملايين دون سواها، وقد أثبتت الأيام أن أغلبية من أحبوه وحفظوا اسمه إنما فعلوا من أجل «سنرجع يوماً»!
هنالك سبب آخر لا يقلّ أهمية، حيث مفردات القصيدة لا تشبه عوالم هارون رشيد، فصحيح أنها تتحدث عن العودة والحنين إلى الوطن، لكنها لن تحوي أياً من مفردات الشاعر الأثيرة؛ التشرد والخيمة واللاجئين والقيود وسواها.
هل قلت إنها أسباب ترجح؟ إنها، برأيي المتواضع، تحسم نسبة القصيدة المغناة للأخوين رحباني.

في مديح علي عبدالله صالح

لكن ما الذي يبقى لو سحبنا «سنرجع يوماً» من فهرس الشاعر الغزي (نسبة إلى مدينته غزة)؟ ما الذي يبقى، إذا أردنا أن نتحدث عن الشعر الشعر؟!
لن يبقى إلى جانب نبرة ميلودرامية مبثوثة هنا وهناك سوى صراخ ووعود وانتصارات زائفة (من الطريف أن معمر القذافي استخدم إحدى القصائد في مواجهة شعبه!).
ليست مصادفة أن يتذكر المرء هنا المذيع المصري الشهير أحمد سعيد (صاحب البيانات الانتصارية الرنانة، وخصوصاً بيان الانتصار الساحق في حرب 1967) الذي بات اسمه رمزاً لحقبة وأداء إعلامي خشبيّ، فهارون هاشم رشيد كان مدير إذاعة أحمد سعيد، أي «صوت العرب» في غزة، ومنها أذيع له ما يقرب من 150 قطعة شعرية. وعلى غرار نظيره المصري، ظل الشاعر يفاخر برفض الهزيمة، افتخاره مثلاً بسجاله مع نزار قباني إثر قصيدته «هوامش على دفتر النكسة» راح رشيد يدافع بشراسة عن عبدالناصر ويؤكد حتى وقت متأخر من عمره أننا لم ننهزم! ليست المسألة بالطبع في مديحه للزعيم المصري، وهو حُمل بطائرة هليوكابتر إلى دمشق ليلقي قصيدة في مديح الرجل أثناء احتفالات الوحدة العام 1959، فمن منا لم يعجب بعبد الناصر، المصيبة هي في الإصرار على خديعة الخطاب الانتصاري واستمرارها.

مع مديحه لعلي عبدالله صالح نكون أمام مشكلة أكبر من سجال الهزيمة والانتصار. ليس المديح وحده هو المخجل وحسب، إنما هذا الكلام الرديء المسجّل باسم شاعر فلسطين الكبير!

لكن مع مديحه لعلي عبدالله صالح (في العام 2007)، الرئيس اليمني المقتول، نكون أمام مشكلة أكبر من سجال الهزيمة والانتصار: «تهنئة خالصة أزفّها من شعبنا فواحةَ العبيرِ/ إلى عليّ، سيداً وقائداً وفارساً في عيده الأثيرِ/ إلى عليّ يمضي مخلصاً على الطريق المشرق المنيرِ/ يعلي دولة منيعةً بالعلم والإيمان والتعميرِ».
وإذا خطر لك أن تسأل عن سرّ اختيار القافية هنا، فسيأتيك الجواب حين يصل الشاعر إلى القسم الثاني من القصيدة، عندما يستغرق في مديح «السفيرِ» وهو على ما يبدو صاحب دعوة الشاعر إلى ذلك الحفل.
ليس المديح وحده هو المخجل وحسب، إنما هذا الكلام الرديء المسجّل باسم شاعر فلسطين الكبير!

غياب المؤسسات

كيف يحدث أن يستمر التباسٌ حول قصيدة معاصرة فيما كل الأطراف على قيد الحياة*! الرحابنة يستفيدون من حقوق الملكية رسمياً، والشاعر الفلسطيني يستثمرها معنوياً، كما تستمر المناهج المدرسية في تحفيظها للتلاميذ، وفي تدريس حياة الشاعر الفلسطيني كنصٍ موازٍ، وكضرورة لفهم مناخات القصيدة!

إذا كان عسيراً إلى هذا الحدّ إثبات نسبة قصيدة مغناة عمرها أقل من سبعين عاماً، فكيف سنحسم إشكالات الشعر الجاهلي، أو نقش نمارة، وحياة امرئ القيس

هل كان صعباً تقصي أين وقع الالتباس، على الأقل من أجل مناهج أكثر تماسكاً ولا ينقصها إشكال آخر؟ في كبريات الصحف تجد أن هناك مختصين (فوق المحررين) عملهم الانتباه إلى الأرقام والتواريخ، منطقيتها ومصداقيتها ومدى مطابقتها للوقائع. فهل الصحافة (والمشرفون على المناهج قبلها) على قيد الحياة؟
إذا كان عسيراً إلى هذا الحدّ إثبات نسبة قصيدة مغناة عمرها أقل من سبعين عاماً، فكيف سنحسم إشكالات الشعر الجاهلي، أو نقش نمارة، وحياة امرئ القيس، على سبيل المثال لا الحصر.

=============
*سألنا عائلة الشاعر الراحل هارون هاشم رشيد إن كان لديها ما يحسم الجدل حول القصيدة، فجاء الجواب التالي من نجل الشاعر مأمون هارون رشيد: «بداية لا أرى جدلاً في الموضوع، وبعض الأصوات التي تتحدث كان لها أن تتحدث في حياة الرحبانية، ولماذا لم يتحدث الرحبانية بذلك، وكل العالم كانت تعرف أن صاحب الكلمات هو هارون رشيد، ثم لماذا لم يسأل الوالد طوال السبعين عاماً منذ كتابته الكلمات، ثم لماذا الآن بعد وفاة بيومين كثير من علامات التعجب والاستفهام والريبة. نحن كأسرة لا نريد الدخول في جدل بعد رحيل فقيدنا بيومين لنحقق للمتصيدين مأربهم، فلمن يريد أن يتقوّل له ما يريد، نحن لدينا كل شيء، ولكن لكل حديث وقته.

٭ كاتب فلسطيني سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية