إزاحة الحكومة الديمقراطية في أرمينيا وسيطرة قادة الجيش المقربين من روسيا قد يحمل آثاراً سلبية على تركيا وتغييرات لن تكون في صالح أنقرة على المدى القريب والبعيد.
إسطنبول-“القدس العربي”: لم تمر ساعات قليلة على إعلان رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان العدو اللدود لتركيا، وجود محاولة انقلاب عسكرية ضده، حتى بادر كبار المسؤولين الأتراك بإصدار سلسلة إدانات للمحاولة الانقلابية، مؤكدين قلق تركيا ورفضها لأي محاولة انقلابية انطلاقاً من موقف أنقرة المبدئي الذي يعارض كافة الانقلابات العسكرية في أي مكان في العالم.
إلا أن الموقف التركي لا ينحصر فقط في “الموقف المبدئي” وإنما تحركه العديد من الأسباب المتعلقة بالقلق التركي من النتائج السياسية والعسكرية والأمنية والاستراتيجية التي قد يخلفها نجاح المحاولة الانقلابية وسيطرة الجيش على السلطة خلال المرحلة المقبلة في أرمينيا.
ويسود اعتقاد عام في تركيا أن المحاولة الانقلابية يقودها قادة كبار في الجيش من الموالين لروسيا وبدعم من موسكو وذلك لمعاقبة رئيس الوزراء على تصريحاته الأخيرة حول صواريخ إسكندر الروسية وفشلها في المعركة الأخيرة، بالإضافة إلى معاقبته على إصراره على التقارب مع الغرب والابتعاد ولو جزئياً عن موسكو.
وفي هذا الإطار، فإن إزاحة الحكومة الديمقراطية وسيطرة قادة الجيش المقربين من روسيا قد يحمل آثاراً سلبية على تركيا وتغييرات لن تكون في صالح أنقرة على المدى القريب والبعيد، بحيث ستعزز موسكو نفوذها في أرمينيا بشكل أكبر وربما لاحقاً لتحريك الجيش الأرميني ضد محاولات أنقرة تعزيز نفوذها في القوقاز.
وفي هذا الإطار، تبرز الخشية التركية من إمكانية عودة تفجر الأوضاع في قره باغ بأذربيجان، حيث تعلم أنقرة جيداً أن موسكو غير سعيدة بما حققته من إنجاز عسكري كبير عبر دعم أذربيجان لتحرير قره باغ، وأن موسكو غير مرتاحة أيضاً من وجود القوات التركية ضمن مركز المراقبة في قره باغ، كون ذلك يصب بشكل عام في خانة تعزيز النفوذ والتمدد التركي بالمنطقة التي تعتبرها روسيا مناطق نفوذ تاريخية لها يجب ألا ينازعها أحد بها.
وبما أن قادة الجيش الحاليين يعتبرون أن باشينيان هو سبب الهزيمة في قره باغ ويعارضون الاتفاق الأخير الذي وقعه مع أذربيجان برعاية روسية، فإن أنقرة تخشى أن تعود التوترات الأمنية والعسكرية إلى قره باغ عبر انتهاكات تدريجية قد تفجر الحرب مجدداً في المنطقة.
ومن جانب آخر، تخشى تركيا أن يؤدي تصاعد الاضطرابات وحصول قادة الجيش على دعم روسي أن يفتح الباب واسعاً أمام حصول تدخلات دولية واسعة للمنطقة وهو ما لا تراه تركيا في مصلحتها والمنطقة بشكل عام، وتخشى بدرجة أساسية أن تحاول فرنسا تعزيز نفوذها في أرمينيا الحدودية مع تركيا.
كما أن تعمق الأزمة السياسية سيعيد شبح الحرب الأهلية والاضطرابات الأمنية إلى الواجهة بقوة وهو ما يدفع أنقرة للخشية من تحول أرمينيا إلى دولة مضطربة على حدودها وهو ما عانت منه لسنوات طويلة من الحدود السورية وقبلها العراقية وما يحمله ذلك من مخاطر الفلتان الأمني على الحدود بين البلدين.
وفي هذا الإطار، فإن أي انفلات أمني كبير وانهيار السلطة المركزية قد يحمل في طياته أولاً شبه انهيار أمن حدود وإمكانية تحول الحدود الأرمينية إلى بؤرة جديدة لتنفيذ هجمات ضد تركيا على غرار الحدود العراقية، ويحمل أيضاً خطر حصول موجات هجرة ولجوء وما يحمله ذلك من أعباء أمنية واجتماعية واقتصادية.
والخميس، أدان الناطق باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن، محاولة الانقلاب التي شهدتها أرمينيا، وكتب في تغريدة على حسابه عبر تويتر: “ندين محاولة الانقلاب في أرمينيا، فالانقلابات عرضت مسيرة الديمقراطية للانقطاع وتسببت بالفوضى على مر التاريخ” وأعرب عن أمله في عودة الأوضاع في أرمينيا إلى طبيعتها في أسرع وقت ممكن.
وأدان وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو، أيضاً المحاولة الانقلابية، وأكد الوزير التركي في مؤتمر صحافي مع نظيره المجري من بودابست أن بلاده ضد أي محاولة انقلابية في العالم، مضيفاً: “نحن على الإطلاق ضد كافة الانقلابات والمحاولات الانقلابية في أي مكان حول العالم، لذلك ندين بشدة المحاولة الانقلابية في أرمينيا.. هذا النوع من المحاولات الانقلابية ما هو إلا خطوات تخل باستقرار البلاد، لذلك نحن ضدها”.
وأشار إلى أنه من الطبيعي في الديمقراطيات أن ينتقد المواطنون حكوماتهم بل وحتى يطالبوها بالاستقالة، مستدركاً: “لكن من غير المقبول للعسكريين أن يطالبوا حكومة منتخبة بالاستقالة، فضلا عن القيام بانقلاب” معتبراً أن ثمة فرصة مهمة متاحة لاستقرار المنطقة، وينبغي تقييمها جيدا.
في السياق ذاته، قال “حزب العدالة والتنمية” الحاكم في تركيا إن بلاده تعارض دائمًا كافة محاولات الانقلاب على الحكومات، وكتب عمر جليك الناطق باسم الحزب عبر تويتر: “تركيا لا ترغب في رؤية أحداث تؤدي إلى حالة عدم الاستقرار في المنطقة. محاولة الانقلاب في أرمينيا لها عواقب تثير عدم الاستقرار في المنطقة”.
وفي وقت سابق الخميس، أصدر رئيس الأركان الأرميني أونيك غاسباريان، وقادة كبار في الجيش، بيانا طالبوا فيه رئيس الوزراء نيكول باشينيان، بالاستقالة، ليعلن الأخير إثر ذلك عزل غاسباريان، وبينما شوهدت طائرات حربية في سماء العاصمة خرج باشينيان في تظاهرة مع مئات من مؤيديه وسط العاصمة.