لندن – “القدس العربي”: تضاعف طموح رجل الأعمال القطري ناصر الخليفي، بعد تخلص باريس سان جيرمان من عقدة دور الـ16 لدوري أبطال أوروبا، بتخطي بوروسيا دورتموند بهدفين نظيفين في موقعة إياب “حديقة الأمراء”، الصامتة، التي لُعبت وراء أبواب مغلقة مع بداية تفشي وباء كورونا في القارة العجوز، ليتقدم العملاق الباريسي خطوة غير مسبوقة في آخر ثلاث نسخ، بالتأهل للدور ربع النهائي، على أمل الذهاب بعيدا في البطولة هذه المرة، ليتحقق الحلم الذي طال انتظاره ومن أجله أنفق الرئيس مبالغ ضخمة في السنوات السبع الماضية.
ورغم النجاح الساحق لمشروع مدير قنوات “بي إن” على المستوى المحلي، بالسيطرة على جُل المسابقات المحلية، خصوصا لقب “الليغ1″، الذي لم يفلت من قبضة أثرياء سوى مرة واحدة في حقبة الإدارة القطرية، إلا أنه لم يحقق هدفه الرئيسي بالتقاط الصور التذكارية مع ذات الأذنين في “حديقة الأمراء”، بل كانت أفضل نتائجه على الإطلاق الوصول للدور ربع النهائي، والأعجب من ذلك، أنه بعد وصول حجم الإنفاق لمرحلة الذروة بانتداب الساحر البرازيلي نيمار جونيور وكيليان مبابي من برشلونة وموناكو في صيف 2017 مقابل رسوم تخطت حاجز الـ350 مليون يورو لشراء الاثنين، لم تتحسن الأوضاع، بالاستمرار في الخروج من الدور ثمن النهائي، وبطريقة أثارت الشكوك حول شخصية وهوية الفريق وكذلك عقلية اللاعبين، خاصة بعد الطريقة الهيتشكوكية التي ودع بها الأبطال الموسم الماضي، بالهزيمة في عقر داره أمام مانشستر يونايتد في إياب دور الـ16 بنتيجة 1-3، بعدما كان الطرف الأوفر حظا من الناحية المنطقية، بأفضلية تقدمه بهدفين نظيفين في ذهاب “مسرح الأحلام”، ما عجل بدخول رئيس النادي على الخط، باتخاذ قرارات صارمة، بهدف إعادة الانضباط في غرفة خلع الملابس، كما فعل بتعيين الرجل الحاد ليوناردو كمدير رياضي بدلا من البرتغالي أنتيرو هنريكي، بعد فشل سياسة الرفاهية المبالغ فيها للاعبين، على غرار ما كان يفعله نيمار، بالتنقل بين البرازيل وفرنسا كما يحلو له في أي وقت، بخلاف الانصياع لأغلى لاعب في العالم، بالسماح له بتلقي العلاج من قبل طبيبه الخاص في وطنه، وليس البروفيسور الخاص بالنادي الباريسي، وغيرها من الأزمات والمشاكل الإدارية، التي أثرت بشكل سلبي على التزام وانضباط اللاعبين في المباريات المصيرية آخر موسمين.
نتائج الانضباط
باستثناء المشاكل التي يفتعلها كيليان مبابي من حين لآخر، باعتراضه على المدرب توماس توخيل كلما استبدله في نهاية سهرات الليغ1 السهلة، فيمكن القول إن ليوناردو ينفذ توجيهات الخليفي على أكمل وجه حتى الآن، يكفي انتصاره في معركة مستقبل نيمار، ليضرب عصفورين بحجر واحد في واحد من أثقل الملفات في بداية ولايته الثانية مع باريس سان جيرمان، وذلك بإحباط محاولة برشلونة من جانب، ومن جانب آخر سيطر على اللاعب وأجبره على البقاء وتقديم أفضل ما لديه بشكل احترافي، وهذا انعكس بشكل إيجابي على سلوك والتزام اللاعبين، الذين ساروا على نهج نجم الفريق الأول، بضغط لا يستهان به بلائحة انضباط تنص على عقوبات رادعة لغير الملتزمين، وقد ظهرت ملامح التغيير، في الروح القتالية التي يؤدي بها كل أفراد الفريق، ووضع مصلحة النادي فوق كل اعتبار، كما تم إقناع إدينسون كافاني بمواصلة التدريب الشاق وعدم التفكير في عرض أتلتيكو مدريد، رغم أنه آنذاك يناير/ كانون الثاني، كان يعاني الأمرين من كثرة الجلوس على مقاعد البدلاء لابن قارته الأرجنتيني ماورو إيكاردي، وهذا يوضح بصمة المدير الرياضي الجديد، الذي يُجيد الإقناع وامتصاص طاقة اللاعبين السلبية وتحويلها إلى إيجابية، ولنا في نيمار خير دليل، بتحويله من لاعب بائس ولا يريد أي شيء في الحياة سوى مغادرة النادي، لمقاتل غيور على الشعار الباريسي، وجسد ذلك بشكل عملي في مباراة بوروسيا دورتموند الأخيرة، بإظهار نسخته الحقيقية التي جاء من أجلها إلى الفريق ليقوده إلى المجد الأوروبي، وشاهدنا كيف لجأ لكل الطرق الشرعية وغير الشرعية ليساعد زملائه في تجاوز أسود الفيستيفاليا، تارة بنثر سحره وإبداعه في دفاعات الفريق الألماني وتارة باستفزاز ذي الأصول التركية إيمري تشان، لينال بطاقة حمراء في آخر دقائق المباراة، وهذا في حد ذاته، واحد من أبرز الأسباب التي تجعل باريس مرشحا فوق العادة لمعانقة الأميرة الأوروبية في عام الكورونا، لكن هذا سيتوقف على مدى سلامته ولياقته وحضوره في مباراتي ربع النهائي بعد انتهاء عطلة الوباء التاجي، وقد وضح تأثيره الكبير على فريقه في المباريات الإقصائية الأوروبية، بتقمص دور البطل أمام دورتموند في هذه النسخة، أما في غيابه، بداعي إصابته التي حرمته من اللعب في 3 مباريات من أصل 4 إقصائية، فكان الأمر مخيبا للآمال أمام ريال مدريد ومانشستر يونايتد.
وقت الحصاد
غالبا ما تكون الأفضلية في مباريات كرة القدم، للفرق التي تملك عناصر متجانسة ومتفاهمة مع بعضها البعض، وللوصول لقمة التفاهم والانسجام بين اللاعبين، فهذا يحتاج سنوات من الصبر، إما بانتظار أبرز مواهب الأكاديمية، بنفس الطريقة التي فرض بها جيل تشافي هيرنانديز وليونيل ميسي وأندريس إنييسا على إسبانيا وأوروبا في ذروة عطائهم في حقبة الفيلسوف بيب غوارديولا، أو بتجميع مواهب نادرة مع الحفاظ عليها لسنوات إلى أن تصل لمرحلة الانفجار، وهذا النموذج جسده جيل كريستيانو رونالدو في حقبة زين الدين زيدان الأولى مع ريال مدريد، والآن يملك الفريق الباريسي هذه الميزة التي لا تقدر بثمن، بامتلاك مجموعة من المواهب وأصحاب الخبرات، الذين وصلوا بالفعل لقمة التفاهم النضج والخبث الكروي داخل المستطيل الأخضر، بالإضافة إلى ذلك هناك وفرة عددية لا بأس بها في كل المراكز بدون استثناء، فقط يحتاجون لقليل من التوفيق في المباريات المعقدة، كما يستفيد البطل في كل عام من هذا العنصر المؤثر، بينما باريس سان جيرمان، فهو بالكاد أكثر الفرق الأوروبية التي جانبها التوفيق وعاندها في السنوات القليلة الماضية، وما ينذر بأن الحظ قد يبتسم للفريق الباريسي هذه المرة، أن فرق النخبة المرشحة للفوز بالبطولة، لم تكن تؤدي بصورة مقنعة حتى توقف كورونا الإجباري، في مقدمتهم برشلونة الذي أفلت من “سان باولو” بتعادل بشق الأنفس أمام نابولي بهدف للكل، ونفس الأمر ينطبق على ريال مدريد، هو الآخر انحنى أمام مانشستر سيتي بنتيجة 1-2 في ذهاب “سانتياغو بيرنابيو”، حتى حامل اللقب ليفربول ودع البطولة على يد أتلتيكو مدريد، ويوفنتوس لم يعبر عن نفسه بعد هزيمته أمام ليون في ذهاب نفس المرحلة، فقط بايرن ميونيخ هو الوحيد من الفرق الكبرى الذي يؤدي بشكل أقرب إلى المثالية، ومن مرحلة لأخرى يكشف عن نواياه وأطماعه الواضحة في الكأس.
مكافأة ما بعد كورونا
مع عودة استئناف النشاط الكروي، سيكون باريس سان جيرمان بحاجة لتسع نقاط فقط لحسم لقب الدوري الفرنسي بشكل رسمي، وهذا سيساعد المدرب الألماني على إراحة أبرز نجومه في ما تبقى من مباريات المسابقة، وذلك ليس فقط للحفاظ على لياقتهم البدنية، بل أيضا لتفادي تعرض أحد الركائز الأساسية لإصابة مزعجة قبل معارك تكسير العظام الأوروبية، وفي نفس التوقيت، سيخوض بايرن ميونيخ معركة حامية الوطيس مع لايبزيغ وبوروسيا دورتموند من أجل الحفاظ على الصدارة، ونفس الأمر بالنسبة لبرشلونة، الذي سيخوض مباراة كل 48 ساعة لتأمين فارق النقطتين مع ريال مدريد في الصراع على صدارة الليغا، وكذلك يوفنتوس، سيدخل نفس الدوامة المحلية حفاظا على صدارة جنة كرة القدم للعام التاسع على التوالي، ما يعني أن أبرز الفرق المرشحة للفوز باللقب ولها باع كبير في البطولة، ستضطر للاعتماد على التشكيلة الأساسية في المباريات المحلية، ما سيضاعف من فرص إصابة اللاعبين أو تعرضهم للإرهاق، الأمر الذي قد يصب في نهاية المطاف في مصلحة باريس سان جيرمان أو مانشستر سيتي، باعتبارهم الأقل اهتماما بالدوري المحلي، والسؤال الآن: هل يكون 2020 عام المجد بالنسبة للخليفي وباريس سان جيرمان؟ أم ستستمر جائحة كورونا ومعها قد يضطر اليويفا لإلغاء الأبطال واليوربا ليغ إذا فشلت محاولات إنعاش الكرة قبل 30 يونيو / حزيران المقبل.