أسبوعٌ لأخبار السقوط في العالم العربي: بغداد ورام الله والقاهرة.. تعددت الأسباب والسقوط واحد

حجم الخط
0

أسبوعٌ لأخبار السقوط في العالم العربي: بغداد ورام الله والقاهرة.. تعددت الأسباب والسقوط واحد

هويدا طهأسبوعٌ لأخبار السقوط في العالم العربي: بغداد ورام الله والقاهرة.. تعددت الأسباب والسقوط واحدأسبوعٌ ازدحم فيه الإعلام باحتفاليات وأنباء (السقوط) العربي، حتي أنك لا تستطيع ـ مهما حاولت ـ أن تخرج من أسر ذلك الشعور بما يمكن وصفه أنه (استمرارية التداعي).. كلما تابعت أخبار وبرامج شتي الوسائل الإعلامية، فإلي جانب ذلك الاحتفاء الإعلامي العجيب بذكري سقوط بغداد ـ خاصة في القنوات الإخبارية ـ راحت تتوالي عروض أخري للسقوط.. تتغلغل عبر التليفزيون في عقل المشاهد العربي البائس.. سواء من خلال نشرات أخبار متتابعة تنقل كل دقيقة خبرا عن سقوط ـ أو قرب سقوط عربي جديد ـ في مجال أو آخر.. أو من خلال برامج وثائقية أو حوارية لا تجد نصرا تحكي عنه ولا تلمس نجاحا تعرضه ولا تري ملامح مستقبل تستشرفه فتلجأ إلي مادة عربية الهوية.. متاحة دوما وبغزارة.. السقوط ، صديقة عراقية قالت غاضبة بعد أن أثقل عليها تكرار كلمة (سقوط بغداد) في تغطية خاصة قدمتها قناة الجزيرة طوال نهار الأحد لذكري ذلك السقوط: إيش فيكم.. سقوط بغداد سقوط بغداد.. حرام عليكم بغداد ما سقطت.. النظام سقط ربما.. لكن بغداد ما سقطت ، ألا تلفت ملاحظة تلك الشابة العراقية الانتباه إلي أن العرب.. خير أمة تحتفي بالسقوط؟! نشرات الأخبار بدورها لم تنقل في الأيام الماضية خبرا موجعا كما حملت إلينا خبر قرب سقوط لقمة الخبز من يد الفلسطيني المحاصر.. تحت ضغط ديمقراطية غربية بلا أخلاق.. وأنانية عربية بلا كرامة.. وأوهام حكومة تعيش واقعا افتراضيا.. يُعجن فيه خبز الأحياء بدماء الشهداء علي أبواب جناتٍ من أعنابٍ وزيتون، فالأخبار المتتالية عن قرار أوروبي وأمريكي بوقف المساعدات للشعب الفلسطيني.. لا لشيء إلا عقابا لذلك الشعب علي اختياره الديمقراطي لحكومة من حماس..(ورغم أن البعض لا يتمني أبدا أن تحكم في مكان عربي ـ أيا كان ـ حكومة تطرح نفسها من منظور ديني باعتبارها وكيلة الله علي الأرض والعباد.. ورغم أن التنافر مع طرحهم الذي يخلط حياتنا اليومية بحياة هلامية بعد الموت هو تنافر غير قابل للحل).. فإن موقف تلك الحكومات الأوروبية (الديمقراطية) غير الأخلاقي تجاه تلك الحكومة لتركيعها وتجاه الشعب الفلسطيني لتجويعه عمدا.. هو موقف يثير في النفس شيئا أشبه (بالقرف) من هذه الديمقراطية الغربية التي تتسم بالنذالة.. لكنك تدهش وعلي مدي ذلك الأسبوع الماضي لطريقة الإعلام العربي في معالجة هذا السقوط القريب للقمة الخبز ـ النادرة أصلا ـ في يد الفلسطيني المحاصر، إذ يتم تناول الأمر من حيث كونه (خبرا) ليس إلا.. كخبر انقلاب قطار في بلد ما.. ربما ينتظرها الإعلام العربي حتي تسقط فعلا قبل أن يوليها اهتمامه، فأمام فوقية هؤلاء الديمقراطيين الغربيين في تعاملهم مع الفلسطيني أو العربي وكأنهم يقولون لنا.. الديمقراطية أن تطيعونا لا أن تختاروا ما يحلو لكم ! لم تتبن قناة تليفزيونية واحدة (حملة) لمواجهة هذا الحصار المشين اللا أخلاقي، نحن إذن خير أمة تنتظر حتي تسقط.. ثم تحتفي بالسقوط نفسه!علي قناة الصفوة وفي برنامج علي الهواء كان هناك لقاء مع اثنين من الملتحين المصريين من هؤلاء الذين يعّطشون الجيم علي غير عادة المصريين ولهجتهم.. ويتحدثون نيابة عن الله باعتبارهم الوكيل الشرعي الوحيد.. ويدخلون في معارك إعلامية تكفيرية تمنحك شعورا بأنك ومجتمعك مشرف لا محالة علي السقوط إلي هاوية سحيقة.. فأحدهما تحدث عن (القتل) باعتباره يكون جائزا في سياق معين! بالطبع هو من يحدد هذا السياق لا غيره! فقد راح يمن علي الناس بأنه لا يكفرهم عمّال علي بّطال! شكرا علي هذا الكرم! ما السقوط إذن إن لم يكن إرساء مبدأ (القتل علي الفكرة) كما (القتل علي الهوية).. بل هذا هو السقوط ذاته الذي نعيشه منذ زمن طويل.. ويوشك الآن أن يصل بنا إلي القاع، في مصر يتهيأ قانون الطوارئ للسقوط ، لكن بعد أن ضمن أن قانونا آخر مستنسخا منه اسمه قانون مكافحة الإرهاب سيرثه شرعيا، علي قناة اليوم وفي برنامج القاهرة اليوم تعجبت صحافية من قول أحدهم إن مصر تواجه (مشكلة) أن جيلا بكامله من الضباط تربوا وهم لا يعرفون إلا التعامل بقانون الطوارئ وسوف يصعب عليهم التعامل بغيره! هذه هي (المشكلة) إذن! أليس سقوطا أن (يخشي) الناس الحرية؟!ربما لا تجوز القسوة علي وسائل الإعلام فهي علي كل حال (لا تبتكر السقوط) وإنما فقط تعريه.. علي قناة العربية كان هناك لقاء تليفزيوني مع حاكم (جاهل بالفطرة) أطلق تصريحات غير مسؤولة.. ليدفع ببلده المنهك إلي السقوط في دوامة أزمة دبلوماسية مع شعب.. يتهيأ بدوره هو الآخر للسقوط في شرك الحرب الأهلية! فمن الغبن حقا لشيعة العراق أن يتهموا اتهاما صريحا في لقاء تليفزيوني مع رئيس ـ شاء القدر أن يكون حجمه أقل كثيرا من حجم البلد الذي يحكمه ـ بأن ولاءهم ليس لبلدهم وإنما لطائفتهم، بلدهم هذا هو العراق.. العراق الذي يملأ أرجاء التاريخ بإنجاز حضاري لم يكن ليتم إلا لأن أبناءه يقطرون ولاء لأرضهم.. لكن هؤلاء الأبناء هم أيضا ورغم غضبهم المستحق من هذه التصريحات.. يندفعون اندفاعا أخرق نحو السقوط في شرك الاحتراب الداخلي الذي أعده لهم أعداؤهم.. لتجد نفسك حائرا أمام تلك الدائرة المريعة من أشكال وأنماط السقوط العربي.. من بغداد إلي رام الله إلي القاهرة.. تتعدد الأسباب لكن السقوط واحدُ! تحار كيف يمكن الإفلات منه؟ إذ أن لكل داءٍ دواء يستطبُّ به.. إلا الحماقة.. أعيت من يداويها!أدب السجون والراحل محمد الماغوط لم تكن حلقة عادية من برنامج أدب السجون.. تلك التي سجلت مع الأديب السوري المناضل محمد الماغوط وعرضت علي قناة الجزيرة بمناسبة رحيله منذ أيام، كانت ممتازة فنيا.. ورائعة في درجة اقترابها الإنساني من ذلك الأديب الكهل، فقد يكون عاديا أن تصادف شابا ثائرا، أما المدهش حقا.. فهو أن كهلا يتداعي بدنه أمام عينيك من فرط الشيخوخة ومع ذلك تجده.. فائرا بالثورة، كانت طريقة إخراج وتصوير ذلك اللقاء معه طريقة ممتازة محترفة.. دليل نجاحها أن قرابة الساعة وليس هناك إلا وجه وبدن ذلك العجوز علي الشاشة ومع ذلك تجد نفسك مشدودا حتي اللحظة الأخيرة.. كان يبدأ جملة ثم.. يغفو! الكاميرا معه تنتظر.. حتي يعود بقولٍ مفعم بالثورة.. مرتديا بيجامته متكئا علي أريكته محاطا ببضع لوحات وكتب.. كان محمد الماغوط يضحك ويقرأ فقرات من كتاب ويحكي ويغفو ويتقلب علي الفراش ويروي ما يروي.. من لمحات صراع أديب وشاعر مناضل مشاكس مع سلطة جائرة جاهلة! قال لمحاورته التي لم تفسد هذا الجو المفعم بظهورها وإن سمعنا سؤالها أكثر من مرة: قلت لهم ليست الحرية بل القمع.. هو الأم الرؤوم للشعر ! عاد ليغفو ثم أفاق ليقول: مرة بالسجن جابوا راديو أو ميكروفون من شان الصلاة وما الصلاة بتعرفي.. تعرفي؟ أول غنّية طلعت ع الراديو وهنه بيجربوه كانت (يا ظالم لك يوم) ! ضحك بفرحة.. قبل أن يحاول الاعتدال في جلسته.. ليقرأ فقرة من كتابه بقوة ربما لا تتناسب مع بدن يوشك أن يصبح باردا برودة الموت عما قريب، أنا بكتابتي بحب دايما الشي إللي يلفت النظر.. بكره الشي العادي .. قالها وصمت كثيرا.. لا تعرف أين ذهب.. ثم عاد ليقول: بحب الطويل والقصير اللص والشرطي القس والعاهرة ، يدخن بشراهة مستمتعا بدخان ترسله عدسة المصور إلينا لتثير شجنا لكن بدون شفقة علي هذا الكهل.. الذي ضحك قائلا: إي.. بحب اللبس كتير بكره الكرافات.. لما باكون لابس كرافة ما بافهم إيش عم بحكي ولا أفهم ما أسمع.. أنا مبسوط ببيجاماتي كده.. اليوم عندي اتنين جدد ! لا تعرف بالضبط إن كانت براءة الأطفال تعود مجددا في نهاية العمر! راح يحكي عن نضاله ضد جور السلطة الكريه وأثناء كلامه عرضت صور قديمة له بالأبيض والأسود.. يا إلهي.. هذا الشاب شديد الوسامة والجمال المفعم بالحيوية والنظرة الجريئة الجائعة للحياة هو ذلك الكهل الذي يغفو وسط كل جملة يحكيها؟! كيف كنت سأراه لو صادفته في ذلك العمر؟! ربما كنت أعشقه! إذ لا يتكرر كثيرا رجل وسيم وثائر في آن واحد.. ما علينا.. صادفناه كهلا ويا إلهي كيف سنصير إذن.. إن عشنا! لكنك أبدا تظل مأخوذا بحيوية ما بقي ولم تستطع السنون أن تنال منه، ربما ما أثاره الرجل في النفس من خليط عجيب يشبه ذلك الذي قاله (لا أحب الشيء العادي).. هو ما يجعلك تخاف من الحياة وتحبها.. تصر علي التمرد وتتحسب لعواقبه.. تخشي الموت وتصادقه، ما بتخاف من الموت؟ لا .. صديقي وعم بحبه! أي مسؤول يقول عن قصيدتي أو مقالتي أو مسرحيتي إنها حلوة.. بعرف إن فيه إشي فيّ غلط، ليش طيب عم بيكرموك؟ يا لها من ضحكة تلك التي أطلقها وهو يجيب علي سؤالها هذا، ما بعرف.. يمكن بيحبوا يساهموا فيّ كأني مشروع.. مشروع قبر أنا .. يا له من وصف لحياة توشك علي الانتهاء، ماذا تتمني؟ سؤال طرحته محاورته غير الظاهرة في المشهد.. سؤال لاذع يبدو مؤلما لكهل ثائر يستعد لإنهاء مشروعه! لكن إجابته كانت الأكثر ثورة، الرجل بأكمله أثارني ربما لجرأة الثورة وحزنها عندما لا تملك معها صحة ولا قوة ولا وقت.. قال: الحزن مثل الله موجود في كل مكان، إيش باتمني؟ باتمني ما يبقي علي الأرض جائع ولا سجين يسعل ثم يسعل ثم يعلق: هادي سعلة سجن المزة !، يقرأ من كتابه: فليذهب القادة إلي الحروب.. فليذهب العشاق إلي الغابات.. فليذهب العلماء إلي المختبرات.. أما أنا فسأبحث عن كرسي عتيق.. طالما كل الكتب والدساتير والأديان تؤكد أنني لن أموت إلا.. جائعا أو سجينا .. رحل الماغوط إذن.. ليتركنا نبحث بدورنا عن.. كرسينا العتيق..كاتبة من مصر[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية