لندن/عواصم – رويترز: تجلى الحجم الكامل للضرر الذي لحق بصناعة الطاقة العالمية يوم الإثنين الماضي، عندما انخفض السعر المرجعي للعقود الآجلة لخام القياس الأمريكي إلى مستوى لم يكن ليخطر على البال، وهو سالب 38 دولاراً للبرميل.
ولم ينخفض السعر قط إلى ما دون العشرة دولارات للبرميل على مدى 40 عاما تقريبا، هي عمر هذا العقد.
ففي غضون بضعة أشهر فقط، وفي ظل توقف مليارات الأشخاص عن السفر، دمرت جائحة فيروس كورونا الطلب على الوقود على نحو عجزت عنه الانهيارات المالية والركود والحروب – إذ صار لدى الولايات المتحدة من النفط ما لا تجد مكانا لتخزينه.
وفي حين أن الظروف غير المعتادة لأسعار النفط السالبة قد لا تتكرر، فإن كثيرين في الصناعة يقولون أنها نذير بمزيد من الأيام الصعبة من التقلبات والخسائر، وأن سنوات الاستثمار المفرط في القطاع النفطي لن تُصحح في غضون أسابيع أو حتى شهور.
وقال فريدريك لورنس، نائب الرئيس للاقتصاديات والشؤون الدولية في «رابطة البترول الأمريكية المستقلة»، أن «ما حدث للعقد الآجل ذلك أمس أشار إلى أن الأمور بدأت تسوء أسرع من المتوقع». وأضاف «شركات خطوط الأنابيب ترسل إشعارات بأنها لا تستطيع أخذ مزيد من النفط الخام. يعني ذلك إغلاق البئر ولو بأثر رجعي».
وخلال الأسبوع الماضي تواترت الأدلّة على تآكل قيمة النفط الذي إصبح منذ أواخر القرن التاسع عشر المُنتَج الأهم لاستمرار دوران عجلة الاقتصاد العالمي.
ففي روسيا، وهي من أكبر المنتجين في العالم، يدرس القطاع اللجوء إلى حرق النفط لحجبه عن السوق، حسبا ذكرته مصادر لرويترز.
وخفضت شركة النفط النرويجية العملاقة إكوينور توزيعات أرباحها الفصلية بمقدار الثُلُثين. وفي الأسبوع المقبل ستصدر تقارير نتائج أكبر شركات النفط في العالم، بما في ذلك «إكسون موبيل» و»بي.بي» و»رويال داتش شل». ومن المتوقع أن تعلن جميعها تفاصيل تخفيضات إنفاق جديدة، وسيراقب المستثمرون عن كثب خطط هذه الشركات لتوزيعات الأرباح.
أما شركة «كونتيننتال ريسورسيز» الأمريكية، المملوكة للملياردير هارولد هام، فقد طواقم فنية إلى حقول في أوكلاهوما ونورث داكوتا منتصف الأسبوع لإغلاق آبار بشكل مفاجئ، وأعلنت أنها لا تستطيع تسليم شحنات خام للعملاء بسبب الجدوى الاقتصادية الضعيفة.
وأحدث قرار الشركة إعلان «حالة القوة القاهرة»، الذي يقتصر عادة على ظروف الحرب أو الحوادث أو الكوارث الطبيعية، صدمة للمستثمرين وأثار انتقادات حادة من اتحاد صناعة التكرير الرئيسي. لكن البعض يقول أن هناك منطقا وراء ذلك، حتى لو لم يكن مقبولا.
وقال أنس الحاجي، خبير سوق الطاقة المقيم في مدينة دالاس في ولاية تكساس «توقيع العقود يكون على أساس الأوضاع العادية للمجتمع على مدى المئة عام الأخيرة. إذا جدَّ جديد خارج عن هذه الأوضاع العادية، فإنه يستدعي حالة القوة القاهرة. هذا ما يقوله هارولد هام وآخرون – هذه ظروف غير عادية».
وحتى قرار البيت الأبيض الذي ترددت عنه الشائعات لفترة طويلة بأنه لم يعد في وسع «شيفرون» العمل في فنزويلا، حيث لها حضور منذ ما يقرب من 100 عام، قوبل بلا مبالاة. وقال شخص مقرب من شركة نفط غربية في فنزويلا «المناخ العالمي رهيب.. لم تعد الرخصة مهمة».
وتفرض السوق كلمتها على جميع المنتجين. ففي جميع أنحاء العالم، تستعد الحكومات والشركات لإيقاف الإنتاج، وربما بدأ الكثير منها بتنفيذ ذلك بالفعل.
والتزمت منظمة البلدان المصدرة للنفط «أوبك» وحلفاؤها بالفعل بتخفيضات غير مسبوقة، قدرها حوالي عشرة ملايين برميل من الإمدادات أمسية، لم تدخل حيز التنفيذ بشكل كامل بعد. لكن لم يكن هذا الالتزام كافيا لمنع هبوط النفط إلى ما دون الصفر.
وقالت السعودية أنها وأعضاء «أوبك» الآخرين على استعداد لاتخاذ مزيد من الإجراءات، لكنها لم تقدم أي التزامات جديدة. ومما يدل على مدى عمق انهيار الطلب أنه حتى إذا توقفت «أوبك» عن الإنتاج تماما، فإن المعروض قد يظل متجاوزا للطلب.
وأُعلن بالفعل عن تخفيضات في الإنتاج في الولايات المتحدة تزيد على 600 ألف برميل يوميا، فضلا عن 300 ألف برميل يوميا جراء عمليات الإغلاق في كندا. وخفضت شركة النفط الوطنية البرازيلية «بتروبراس» إنتاجها 200 ألف برميل يوميا.
وتجبر أذربيجان، وهي جزء من المجموعة المعروفة باسم «أوبك+»، تحالفا يعمل في تشغيل أحد حقولها بقيادة «بي.بي» على خفض الإنتاج للمرة الأولى على الإطلاق. وبشكل عام، كان يجري في السابق استبعاد شركات النفط الكبرى في تلك البلدان من التخفيضات التي تفرضها الحكومات.
وقال مسؤول أذربيجاني كبير «لم نقم بذلك من قبل قط منذ قدومهم للبلاد في 1994 وتوقيعهم عقد القرن».
ولم يعد من الممكن التكيف مع نفاد مساحات تخزين النفط في العالم. وقالت شركة «كبلر» لبيانات الطاقة أن طاقة التخزين البري في جميع أنحاء العالم بلغت لغاية يوم الخميس الماضي 85 في «المئة تقريبا.
وتقدر وكالة الطاقة الدولية» أنه من المتوقع أن ينخفض الطلب العالمي 29 مليون برميل يوميا في أبريل/نيسان وأن يرتفع الاستهلاك في مايو/أيار، لكن الباحثين حذروا من أن توقعها انخفاضا قدره 12 مليون برميل يوميا فقط في الطلب على أساس سنوي قد يكون مفرطا في التفاؤل.
وقال جين مكجيليان، المحلل لدى «ترادشن إنِرجي» والذي كان يعمل في بورصة نيويورك التجارية عند إطلاق العقود الآجلة للخام الأمريكي في 1983 «أنا متأكد من سماع نفس الأرقام عن انهيار الطلب 20 إلى 30 مليون برميل يوميا.. وإلى أن نرى تحسنا في الوضع، للمرء أن يسأل ماذا يخبئ المستقبل».