حفيظة شقير أستاذة القانون العام في كلية الحقوق والعلوم السياسية في تونس، ولها مسيرة تمتد على مدى 40 سنة في النضال الحقوقي والنقابي. انخرطت في الحراك الحقوقي من أجل الدفاع عن حقوق الإنسان كما ساهمت في تأسيس العديد من منظمات المجتمع المدني التي تُعنى بحقوق الإنسان والمرأة، وكانت من مؤسسي نادي «الطاهر حداد» الثقافي. كما ساهمت في تأسيس لجنة المرأة في الاتحاد العام التونسي للشغل وشغلت عدة مناصب هامة، فكانت في سنة 2011 عضوة في هيئة الخبراء في الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي. وفي سنة 2014 تبوأت منصب خبيرة لدى المجلس الوطني التأسيسي لمراجعة الدستور. وفي سنة 2016 شغلت منصب نائبة رئيس الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان وهي عضوة مؤسسة للجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات.
تطرقت د. حفيظة شقير في هذا الحديث مع «القدس العربي» لواقع الحريات والحقوق في تونس في ظل التحولات الراهنة، مشيرة إلى ان مكاسب حقوق الإنسان في تونس باتت مهددة اليوم وانه لا سبيل سوى مواصلة النضال من أجل حماية الحقوق والحريات.
يشار إلى أن د. شقير لديها عديد البحوث والدراسات المنشورة، إضافة إلى العديد من المقالات والمحاضرات، والمؤلفات والبحوث. وهنا نص الحوار.
○ كيف ترين واقع الحقوق والحريات في تونس في ظل الوضع الراهن وماهي التهديدات التي تواجه ملف الحريات باعتقادك؟
•بصراحة لستُ متفائلة بالوضع الراهن، لقد ناضلنا كثيرا من أجل الحقوق والحريات ومن أجل أن يلعب المجتمع المدني دوره الحقيقي في الضغط على سياسات البلاد وفي مراقبة مدى تطبيق واحترام حقوق الإنسان. وكنا قد ناضلنا من أجل أن يتمّ التنصيص على عديد الحقوق وان تكون لها قيمة دستورية. فقد سعينا بكل جهد من أجل إدراج مبدأ المساواة بين الجنسين في الدستور ومن أجل ضمان الحقوق والحريات العامة والفردية ومن أجل الاعتراف بالحقوق السياسية والمدنية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية وكل الحقوق بمختلف أشكالها، وناضلنا من أجل حماية الحقوق من مظاهر التضييق بفعل الإحالة في القانون مثلما كان موجودا في دستور 1959 وتحديدا الضوابط التي يمكن استعمالها للتضييق على مجال الحقوق والحريات. كنا في عهد بن علي نعيش تحت مظلة الديكتاتورية وناضلنا من أجل الحقوق ولكن للأسف بعد الثورة سواء قبل 25 تموز/يوليو أو بعده وجدنا أنفسنا نعيش النضال نفسه. منذ 2011 ومع حكم الترويكا كنا في ظل نظام يكاد يتراجع في مجال حقوق الإنسان بفعل الاختيارات الايديولوجية وإدخال الدين في السياسة. وكل مرة كان يجب علينا كحقوقيين أن نكون يقظين من أجل حماية الحقوق سواء بالخروج إلى الشارع أو بالكتابة لكي لا يتم التراجع عن كل مكتسباتنا. مثلا نرى حاليا عودة لطرح مسألة الزواج العرفي. وأتذكر كيف تقدم أحد النواب قبل سنوات بمشروع قانون من أجل إرساء «المأذون الشرعي» لأنه مدخل للزواج العرفي وتعدد الزوجات.
وهناك في الحقيقة عدة محاولات لتقييد حرية المعتقد وهذه مسائل تخيف أكثر مما تطمئن خاصة أن المؤسسات المُناط بعهدتها ضمان الحقوق والحريات ليست قادرة على أن تقوم بدورها. لأن هناك مشكلة في استقلالية القضاء وهناك فساد ورشوة، وكل هذا يحدّ من استقلالية القضاء. ومن جهة ثانية، المؤسسات الضامنة للحقوق والحريات لم تظهر رغم انه وقع تكريسها وإقرارها في الدستور، مثل المحكمة الدستورية وهيئة حقوق الإنسان وكل الهيئات التي كان من المفروض ان تكون موجودة. ومع الأسف لم يتم انتخاب أعضائها لأن المجلس النيابي إلى حد 25 تموز/ يوليو كان خاضعا للمحاصصات الحزبية التي دمرّت المؤسسات. وبعد 25 تموز/يوليو عام 2021 انتقلنا من مرحلة المحاصصة الحزبية التي كانت مسيطرة ومهيمنة على المجلس النيابي والحياة السياسية إلى الحكم الإنفرادي وشخصنة السلطة. ففقدت المؤسسات كل وجود لها ولم تعد هناك امكانية لتواصل المؤسسات. وهنا أشير إلى المنشور عدد 20 الصادر من قبل رئيسة الحكومة الذي يمنع كل وزير من التفاوض مع النقابيين في إطار قطاعهم، وهذا كله يجعلني أفكر في أن هناك تراجعا كبيرا وتضييقا لكل المجالات والحريات العامة والفردية، وشيئا فشيئا نجد أننا مهددون بفقدان كل المكاسب التي حققناها منذ سنة 2011. ونحن نؤمن بأن الحقوق كاملة غير قابلة للتجزئة وغير مقبول بان يعترف بحق دون البقية.
○ إذن إلى أي مدى ما يحصل في تونس ينسف مكاسب حقوق الإنسان التي أوجدها دستور 2014 أو حتى قبله؟
•بالفعل هناك مكاسب تحققت قبل دستور 2014 مثلا في سنة 2011 تمّ إصدار المرسوم عدد 35 لسنة 2011 وتمّ إقرار التناصف في القاوائم الانتخابية. وهو مكسب مهم وكنا قد ناضلنا من أجله لأننا كنا متواجدين في الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة وضغطنا من أجل إقرار التناصف في المؤسسات. وكنا نتصور ونحلم بان هناك ثورة في العقليات وليس فقط في القانون وفي السياسات. ولكن عندما خرجت القوائم الانتخابية وجدنا ان 7 في المئة فقط منها تترأسها نساء ولم نصل لتحقيق المساواة في المجلس النيابي الثاني. كنا نطالب بإرساء التناصف الأفقي والعمودي في الانتخابات الجهوية والمحلية ولكن سنة 2017 تم تنقيح القانون الانتخابي المتعلق بإرساء التناصف العمودي والأفقي في القوائم الانتخابية ومرة أخرى وجدنا أنفسنا أمام استراتيجيات لتكبيل وتجاوز التناصف. مثلا القوائم المستقلة ليست مُطالبة باحترام التناصف العمودي والأفقي وفي الانتخابات وجدنا ان أكثر القوائم مستقلة.
○ هناك اليوم إشكال دستوري في ظل التدابير الاستثنائية فكيف يمكن الخروج من هذا الوضع وانت المختصة بالدساتير والقوانين الدستورية؟
•الإشكال ان رئيس الجمهورية لا يستمع لأحد. قال انه سينظم استفتاء في 25 تموز/يوليو ولكن لا أحد يعرف على أي أساس ووفق أية مرجعية سيكون الاستفتاء. فالمعلوم انه طبقا للقانون الانتخابي يجب دعوة المواطنات والمواطنين قبل شهرين من موعد الاستفتاء أي قبل يوم 25 أيار/مايو. والاستفتاء في أوروبا مثلا يتمّ حول الموافقة أو عدم الموافقة بنعم أو لا، ولكن لا أحد يعرف مضمون وشكل الاستفتاء المرتقب في تونس. ولا نفهم هنا كيف يمكن دعوة عامة المواطنين للاستفتاء على شكل الدستور مثلا ونحن نعلم ان غالبية الشرائح الشعبية غير مطلعة وغير مؤهلة للحكم بشأن شكل الدساتير أو شكل الحكم ولا تعرف الفرق بين النظام الرئاسي أو البرلماني أو المجلسي وسلبيات وإيجابيات كل طريقة من طرق الاقتراع سواء الفردي أو على القوائم. فالدستور لا يتم تعديله أو وضعه باستفتاء شعبي أو باستشارة إلكترونية نسبة المشاركة فيها تكون متدينة.
هنا أريد أن أشير إلى أن الاقتراع على الأفراد الذي يدعو إليه رئيس الجمهورية يُطّبق في الدول التي لديها تقاليد ديمقراطية وتفترض وجود دوائر انتخابية صغيرة. لكن في عاداتنا وتقاليدنا الراسخة التي يهيمن عليها النظام الأبوي ونظرة الدونية للمرأة، سيتم اختيار الرجال على النساء والأثرياء على الفقراء والوجاهات ولن يختار الناخب مرشحا غير معروف وهذه مشكلة حقيقية. وأعتقد أن الأزمة في تونس ليست في شكل النظام سواء الرئاسي أو البرلماني أو المجلسي، بل في كيفية تحقيق التوازن بين السلط وإرساء عادات وتقاليد ديمقراطية. لقد درّست مادة القانون الدستوري في الجامعة التونسية لأعوام طويلة وكنت أقول لطلابي بأن النظام البرلماني يعني «حزب في الحكم وحزب في المعارضة والمواطن يختار» وهنا المشكلة ان لدينا 250 حزبا نسبة الأحزاب الفاعلة بها قليلة وليست لدينا عادات ديمقراطية لأننا عشنا لعقود تحت سطوة الديكتاتورية ولم نتعود على هذه الممارسات الديمقراطية. في خطاب الرئيس الأخير تحدث عن «جمهورية جديدة» وهذا يعني دستورا جديدا مما ينسف كل الأحكام التي جاءت في دستور 2014 والتي ناضلنا من أجلها. صراحة هناك غموض وليس هناك وضوح في الأفق. وأنا طالبت مرارا ودعوت لتطبيق الدستور وترك زمام الأمور للعبة الديمقراطية وترك المواطنين ليختاروا ما يناسبهم.
○ ماذا عن الحوار الوطني الذي دعا إليه رئيس الجمهورية ويضم المنظمات الوطنية الكبرى مثل عمادة المحامين والاتحاد العام التونسي للشغل ومنظمة الأعراف والرابطة التونسية لحقوق الإنسان، في غياب الأحزاب هل يمكن ان يكون ناجعا برأيك؟
•لا أعتقد انه سيكون ناجعا بغياب ليس فقط الأحزاب بل النساء أيضا، إذ ليس هناك أي تمثيل نسائي في الحوار وليس هناك تمثيل لأية منظمة نسائية. أما فيما يتعلق بالأحزاب السياسية فهي عنصر مهم في المجتمع السياسي فمن يمارس السلطة هي الأحزاب السياسية عادة. وإذا تمّ إلغاء الأحزاب السياسية ولاحقا إلغاء منظمات المجتمع المدني حينها كل النضالات التي قمنا بها من أجل ان يلعب المجتمع المدني دورا فاعلا في مجتمعا ستُنسف. فهذه المنظمات التي يسيمها رئيس الجمهورية بالأجسام الوسيطة، لا يمكن ان نتصور أي شكل للمجتمع من دونها، وحتى البناء القاعدي أو البديل القاعدي الذي يتحدث عنه رئيس الجمهورية غير مفهوم.
○ كيف ترين اليوم وضع الصحافة والإعلام خاصة ان دوره مهم جدا في المجتمع الديمقراطي، فما التهديدات التي تواجهه في تونس؟
•التهديدات تخصّ حرية الإعلام والتراجع عن المرسومين اللذين جاهدنا من أجل إقرارهما أي المرسومان عدد 115 و 116 وهما اللذان يخصّان حرية الإعلام. والهيئة العليا للإعلام السمعي والبصري «الهايكا» والتي من المفروض ان تكون هيئة تعديلية تلعب دورا مهما ولكنها حاليا لا تلعب دورا حقيقيا، وإلى حد الآن قانون الهايكا لم يخرج بعد. المشكلة الأساسية أيضا ان هناك محاكمات لمدونين واعتداء على الصحافيين بسبب تدوينات. وكل ذلك يشكل خطرا داهما وحقيقيا على الإعلام.
○ اليوم في خضم هذا الواقع ما هي الآليات لمجابهة التهديدات التي تواجه حقوق الإنسان والحريات في تونس بشكل عام؟
•لا بديل اليوم عن مواصلة النضال من أجل حماية الحقوق والحريات التي كسبناها بعد سنة 2011. ويجب على المنظمات غير الحكومية -وهي عديدة -ان تلعب دورا في تكوين تحالفات وشبكات لمنظمات غير حكومية وتكون سندا منيعا. ويجب ان نرفع صوتنا ونناضل من أجل الحقوق والحريات ونطالب بإيجاد مؤسسات وهيئات دستورية مكلفة بحماية الحقوق. ونطالب بإحداث المحكمة الدستورية التي لم تتكون منذ سنة 2014 بسبب المحاصصات الحزبية.
○ إلى أين يسير الوضع في تونس؟
•بصراحة الوضع غير مفهوم وما يخفيني اليوم، إضافة إلى الوضع العام، هو ظاهرة هجرة العقول والأدمغة والكفاءات التي تهدّد البلاد وليس فقط الجامعة التونسية، خاصة إذا علمنا ان 90 في المئة من الأطباء المتخرجين حديثا قد هاجروا، وهناك 9000 مهندس هاجر بسبب انعدام الأفق وغياب الرؤية، كل ذلك يجعل تونس مهددة أكثر من أي وقت مضى.