أستراليا اعترفت بغربي القدس وتركت شرقيها!

حجم الخط
0

رئيس وزراء أستراليا، سكوت موريسون، توصل إلى قرار هو: نصف شاي نصف قهوة. فحكومته ستعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ولكن فقط بالقدس التي داخل الخط الأخضر. وهي لن تنقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس ولكنها ستنقل إلى المدينة ممثلية تجارية وعسكرية. أما السفارة فلن تنقلها إلا بعد اتفاق سلام، ولكن البحث عن موقع للسفارة سيبدأ في موعد قريب. حكومة إسرائيل سدت أنفها. فالتوقع هناك كان للاعتراف بالقدس بحدودها الحالية، ونقل السفارة فوراً. في رام الله احتجوا: صائب عريقات، المسؤول في عن المفاوضات غير القائمة، دعا الدول العربية والإسلامية إلى تجميد علاقاتها مع أستراليا. في بيانات الطرفين كان هناك شيء منعش: أخيراً وجدت حكومة إسرائيل وقيادة السلطة موضوعاً واحداً تتفقان عليه.
موريسون سياسي شاذ في المشهد الأسترالي: فهو ينتمي للتيار المسيحي ـ الإنجيلي، شعبوي يميني فظ ومؤيد لدونالد ترامب. كل هذه العناصر كان يفترض بها أن تجعله مؤيداً متحمساً لحكومة إسرائيل. ومع ذلك، عندما أعلن قبل شهرين بأنه سينقل السفارة من تل أبيب إلى القدس كان الدافع دينياً وليس سياسياً. في الدائرة الانتخابية فنتفارت، في جنوب غرب القارة الأسترالية، جرت في تشرين الأول انتخابات مرحلية. 12.5 في المئة من الناخبين في الدائرة يهوداً. مرشح الحزب الليبرالي، حزب موريسون، كان ديف شيرما، السفير الأسترالي السابق في إسرائيل. وسعى موريسون لمغازلة أصوات اليهود. فاعتقد أن الوعد بنقل السفارة هي صيغة مظفرة.
أخطأ. انتخبت مرشحة مستقلة. أسفت لهزيمة شيرما: فأنا أعرفه شخصياً حين كان سفيراً هنا. وقد ترك عندي انطباعاً في حماسته الشبابية، بعطفه الحقيقي على التجربة الإسرائيلية.
لاحق موريسون الإعلان عن نقل السفارة منذئذ. «أسيف»، المؤسسة الأسترالية، حذرت من نتائجه. حكومة اندونيسيا، التي يفترض أن توقع على اتفاق تجارة حرة مع أستراليا، خافت من الرد على القرار في شوارع جاكرتا. هناك انتخابات بعد قليل. مربو الخراف الأستراليون خافوا من أن تبحث السعودية، المستوردة الأكبر للخراف، عن مصادر أخرى. كفين راد، رئيس الحكومة السابق، ذكر بأنه تحت قيادة نتنياهو استخدم الموساد الإسرائيلي جوازات سفر أسترالية مزيفة في عملية الاغتيال في دبي. محظور إعطاء نتنياهو جائزة، قال.
هناك قرارات يكرهها الجميع، ومع ذلك تأتيها فرصة أخرى. كان على دول العالم أن تعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل في السنوات التي سبقت حرب الأيام الستة. وهي لم تفعل ذلك بسبب جمود فكري وضغوط من الدول المعادية، ولأن جدول أعمال حكومات إسرائيل كان مليئاً بمشاكل أخرى، أكثر إلحاحاً. أما بعد احتلال شرق القدس وتوسيع حدودها، فقد علق كل شيء. مستقبل القدس الموسعة أصبح موضوعاً مشحوناً ذا آثار واسعة. الحائط الحجري الذي تحطمت عليه كل مفاوضات.
بقيت إسرائيل بلا عاصمة معترف بها. زعماؤها يكثرون من الخطابة عن القدس كعاصمة الشعب اليهودي إلى أبد الآبدين، ولكنهم لم ينجحوا في تحريك السفارات الأجنبية. وحتى قرار ترامب لم يغير الوضع من أساسه. كل حكومة في العالم عرفت ما الذي حصل عليه ترامب في الانتخابات وما الذي أعطاه بالمقابل. ووفقاً لنبأ نشر هذا الأسبوع في «ديلي بست»، موقع الأخبار الموثوق، فإن فريقاً للمحقق الخاص «روبرت مولر» يفحص الآن العلاقة بين الأموال التي تلقاها ترامب ومصالح الحكومات في الشرق الأوسط، بما فيها السعودية وإسرائيل.
تقترح صيغة الحل الوسط الاسترالي بديلاً معقولاً، نقطة منطلقه بسيطة: إسرائيل، السلطة الفلسطينية، الأسرة الدولية، كلهم على حد سواء يتفقون، عملياً، على أن القدس الغربية هي جزء من دولة إسرائيل. أما الخلاف فهو على شرقي القدس، وبالأساس على البلدة القديمة ومحيطها، ما يسمى الحوض المقدس. وهم يتفقون أيضاً على أن طريق تسوية الخلاف يكون بالمفاوضات.
إذا كانت هذه هي المعطيات، فلا مانع من الاعتراف بقدس الخط الأخضر كعاصمة إسرائيل. دول أخرى، ودودة لإسرائيل ولكنها تعارض الاحتلال، يمكنها أن تسير في أعقاب النموذج الأسترالي: الاعتراف بغربي المدينة، وترك شرقي المدينة للمفاوضات.
وعندها تتمكن حكومة إسرائيل هي الأخرى من أن تبدأ بالتعاطي مع القدس كعاصمة، فتنقل إليها أقسام الحكومة التي هربت إلى الساحل؛ فتحسن البنى التحتية وجهاز التعليم في الوسط العربي، وتجتذب إليها الشبان، وتطور مؤسسات التعليم والثقافة وعلى رأسها الجامعة العبرية، وتعزز الطبقة الوسطى في المدينة. القدس هي المدينة الأفقر في إسرائيل. أنا لا أعرف عاصمة أخرى في العالم تتباهى بهذا اللقب.

ناحوم برنياع
يديعوت 17/12/2018

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية