كيف يمكن لطالب العلم التفوق؟ هذا السؤال كثيرا ما يُطْرَح وكثيرا ما نجد الخيبة في الجواب. بادئ ذي بدء، لماذا نتعلم؟ ألأننا مُرْغَمُون من طرف آبائنا فحسب! أم لِنَتَوَظَّف ويقول الناس هذا عالم! وهنا تجدر الإشارة الى أن العبد ـ العالم ـ يُسْأل يوم القيامة عن هذا العلم فإن كان عالما يُعَلِّم غيره ابتغاء مرضاة الله، فذلك خير وجواز لدخول الجنة، أما إن كان عالما يُعَلِّم غيره رياء الناس فذلك شر وجواز لدخول جهنم ـ والعياذ بالله ـ. من هنا نبدأ من خلال تحديد الأهداف المتوخاة وراء التعلم؛ المسلم يتعلم لأن الإسلام فرض عليه طلب العلم، مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم: ”طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة’، وجعله من أولوياته ليُحرر العقول من قيود الجهل والضلال ومن عِقَال التقليد الأعمى، كما تبين العديد من الآيات الكريمة التي تمدح العلم والعلماء وتطرح سؤالا استنكاريا في مساواتهم بالجهلاء. (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون). ويكفي طالب العلم من العلم فائدة أن يُيَسِّر له سبل الوصول إلى مُرْتجى المسلم في الدُّنيا، مصداقا لقوله عليه الصلاة والسلام: ”من سلك طريقا يلتمس فيه علما سَهَّل الله له به طريقا إلى الجنة ”. ثانيا، بعد أن عَلِمْنَا مرتبة العلم والهدف من طلبه، ننتقل إلى الإجابة عن سؤالنا الجوهري، كيف ننجح ونتفوق في تحصيل العلم؟ السبيل إلى النجاح رهين بأمرين بسِيطَين إذا التزم المسلم بهما أكيد أنه سيتفوق بإذن الله تعالى.1/ أولا هو الذي لا علم ولا عمل بدونه وهو التوكل على الله لا التواكل على غيره، والاستعانة به تعالى؛ بافتتاح مجالس طلب العلم والامتحانات باسمه جل وعلا، وقراءة الأدعية المُختارة لذلك مثل: ”اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت إن شئت تجعل الحَزَن سهلا”. هذا بالإضافة إلى الابتعاد ما أمكن عن المعاصي والذنوب التي تَحُول دون نجاح المسلم. ولا تخفى على أحد حكاية الإمام الشافعي الذي رأى عن غير قصد آخِرَ رِجْلِ امرأة، فعاقبه الله تعالى بالنقصان من حدة سرعة حفظه، فشكى ذلك إلى شيخه ”وكيع”، فنَظَم عن ذلك هذين البَيْتيْن الشِّعْريين: شكيت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نــور ونور الله لا يُؤْتى لعاصي إذا كانت هذه المعصية عن غير قصد هي التي أنقصت سرعة الحفظ عند هذا الشيخ الجليل صاحب أحد المذاهب الأربعة الذي يُعْمَلُ به في المشرق، فكيف بنا نحن الذين العصاة لربنا في كل وقت وحين؛ فلولا رحمة الله تعالى الواسعة لَانْعَدَمَ العلم بنفسه وعُدنا إلى التخبط في غياهب الجهل والجاهلية. ولا يغتر كل عاص لربه بعِلْمِه فإن الله يمهل ولا يهمل، أما التاركين لصلاتهم والعَاقِّين لوالديهم فلا مكان لهم بين أحضان العلم! فالعلم رهين بتقوى الله أي الامتثال لأوامره واجتناب نواهيه؛ قال تعالى في أواخر سورة البقرة (واتقوا الله ويُعَلِّمُكُم الله).2/ العامل الثاني في التفوق يدخل ضمنيا مع العامل الأول ـ التوكل على الله ـ ويتجلى في اجتهاد المسلم ليَفْعَلَ ما بوُسْعِه من مراجعة للدروس وحفظ وتثبيت لها وانتباه وتركيز داخل الفصل وتعب وسهر؛ فمن طلب العُلا سهر الليالي، فالسماء لا تمطر ذهبا ولا فضة، كما قال الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. إذ يجب على طالب العلم أن يُبْعِد نفسه عن تفاهات الأمور ومباهج الحياة ويعْقِدَ العزم على التفوق والنجاح في سبيل إعلاء راية ”الله أكبر’ في الكون، في سبيل تَقَدُّم أمَّتِه الإسلامية ووطنه الإسلامي الكبير، في سبيل اختراع صواريخ تحرر فلسطين والشيشان وأفغانستان وكَشْمِير والملايو، في سبيل إعادة المجد للاسلام مَنْهَجُ الله في الحياة؛ لنرفع جباهنا عاليا وننادي بأن الدنيا كلها لله، ليس فيها مُلْكُُُ لقيصر أو غيره. خلاصة القول، أن للتفوق سِرَّيْنِ لا ثالث لهما وله غايات أسمى عند المسلم تدفعُه نحو المزيد.
ايوب صابر المغربي