الخرطوم ـ «القدس العربي» :
أكثر من 200 جثة لا تزال ملقاة على الطريق الرابط بين مدينة الفاشر ومحلية طويلة، شمال دارفور، تعود لمدنيين قضوا أثناء محاولتهم الفرار من نيران الحرب، ما استدعى مناشدة، أمس الثلاثاء، من لجان المقاومة وغرف الطوارئ، للمنظمات الحقوقية والإنسانية، للتدخل من أجل إتمام عمليات الدفن.
وحسب إفادات غرفة الطوارئ، فإن الجثث تعود لأشخاص قضوا عطشاً وجوعاً، أو نتيجة لأعمال قتل عمد، نفذتها قوات «الدعم السريع» أو بعد تعرضهم للاعتقال، أو بعد أن ضلوا طريقهم وسط التضاريس القاسية، بينما لقي البعض حتفهم نتيجة المرض والإرهاق خلال الرحلة الشاقة للفرار من المعارك.
وأكدت الغرفة أن الطريق من الفاشر إلى محلية طويلة، شمال دارفور، تحول إلى «ممر للموت»، واصفة الوضع بـ«الكارثي واللا إنساني»، وسط تجاهل وتقصير فادح في أداء الواجبات الإنسانية.
ودعت المنظمات العاملة في حقوق الإنسان والجهات الدولية المعنية، إلى سرعة التدخل لانتشال الجثث ودفنها، حفاظًا على كرامة الموتى وسلامة الأحياء، ومنعًا لتفشي الأمراض.
وتعاني مدينة الفاشر، آخر عواصم إقليم دارفور المتبقية تحت سيطرة الجيش السوداني، منذ مايو/ ايار الماضي من حصار خانق تفرضه قوات «الدعم السريع».
والحصار، حسب شهادات ميدانية، تسبب في توقف الحركة التجارية، وانقطاع سلاسل الإمداد، وشلل كامل في الأنشطة الاقتصادية، بينما يرزح مئات الآلاف من السكان تحت وطأة الجوع، ويفتقدون أبسط ضروريات الحياة.
وقالت لجان مقاومة الفاشر إن الطريق الرابط بين طويلة والفاشر، أصبح بمثابة «طريق الموت»، بعد العثور على عشرات الجثث لمدنيين لم يعرف مصيرهم منذ مغادرتهم الفاشر.
وأوضح البيان أن الضحايا ليسوا مقاتلين، بل مدنيون هربوا من الحرب باحثين عن النجاة، لكنهم قتلوا فقط بسبب انتمائهم إلى الفاشر، في مشهد يرقى إلى جريمة تطهير عرقي مكتملة الأركان.
وقالت اللجان: «نتابع بقلق بالغ هذه التطورات الدامية، ونحمل قوات الدعم السريع مسؤولية مباشرة عن استهداف المدنيين، وانتهاك أبسط حقوق الإنسان».
وأضافت: « لا يزال العشرات في عداد المفقودين، على الرغم من الوعود بتأمين مسارات خروج آمنة للنازحين».
وفي مخيم نيفاشا للنازحين في الفاشر، وقعت مأساة أخرى هزت وجدان المدينة.
فقد لقيت أسرة مكونة من ستة أفراد مصرعها، بينهم أطفال ونساء مسنات، بعد تناولهم «الأمباز» وهو بقايا طحن الحبوب ومخلفات الزيوت الذي يستخدم عادة كعلف للحيوانات، وذلك بعد أن أعياهم الجوع ولم يجدوا ما يسد الرمق.
لجان المقاومة أعلنت أن الأسرة توفيت بصمت، دون أن يتم اكتشاف وفاتها إلا بعد فوات الأوان.
وأوضحت أن أفراد العائلة المكونة من جدتين والأم وثلاثة أطفال، لجأوا إلى تناول «الأمباز» المسموم، ظنا منهم أنه قد ينقذهم من الموت جوعا، لكنهم سقطوا تباعاً دون أي تدخل أو إسعاف.
يأتي ذلك بعد أيام قليلة من استهداف قافلة مساعدات إنسانية في شمال دارفور، وسط تنديد دولي ومحلي واسع بالهجوم الذي استهدف قافلة برنامج «الأغذية العالمي»، كانت تحمل مواد غذائية مخصصة للمدنيين المحاصرين في شمال دارفور، مما أسفر عن تدمير ثلاث شاحنات واحترقت حمولتها بالكامل.
واعتبر مستشار الرئيس الأمريكي لأفريقيا والشرق الأوسط، مسعد بولس أن «هذا الهجوم حرم آلاف المحتاجين من الغذاء»، داعيًا إلى محاسبة المسؤولين عن عرقلة الإغاثة الإنسانية.
وأكدت منظمات إغاثية أن الوضع في مخيمات النازحين مثل أبوشوك ونيفاشا ينذر بكارثة غير مسبوقة، مع تعمد قطع الإمدادات الغذائية ومنع دخول المواد الإغاثية، وهو ما وصفته منظمات حقوقية باستخدام «التجويع كسلاح حرب».
وفي موازاة الجوع والموت، يواجه سكان شمال ووسط وغرب دارفور تفشيًا خطيرًا لوباء الكوليرا، وسط ضعف الإمكانيات الطبية وغياب شبه تام للمؤسسات الصحية.
وأكد المتحدث باسم منسقية النازحين واللاجئين، آدم رجال، أن حالات الإصابة بالكوليرا وصلت إلى أرقام غير مسبوقة.
وأوضح أن عدد الإصابات المسجلة حتى مساء الثلاثاء بلغ 8,173 حالة، بينها 346 وفاة، مشيرًا إلى أن أعلى معدلات التفشي سجلت في محلية طويلة (4,741 حالة و76 وفاة). وتوزعت باقي الحالات في مناطق جبل مرة، قولو، نيرتيتي، جلدو، فنقا، ديرا، روكيرو، ومخيمات كلمة ودريج وعطاش وسورتوني وغيرها.
وفي بعض المناطق، مثل خزان جديد في شرق دارفور، تجاوزت نسبة الوفيات 20% من عدد الإصابات، وهو ما يعد مؤشرا خطيرا على العجز عن التصدي للوباء.
وتشير تقارير ميدانية إلى أن عشرات الآلاف من المدنيين في معسكرات النزوح يعانون من أوضاع إنسانية مأساوية، حيث لا مياه نظيفة، ولا خدمات صرف صحي، ولا توفر لأبسط العلاجات أو الغذاء.
وقد توقفت معظم المطابخ الشعبية عن العمل في مدينة الفاشر، بعد نفاد الإمدادات، ما دفع السكان لتناول مواد غير صالحة للاستهلاك، مثل «الأمباز»، و«أوراق الشجر»، في محاولة للبقاء أحياء.
في خضم هذه الكارثة الإنسانية، تطلق غرف الطوارئ المحلية، والمنظمات الحقوقية، وممثلو لجان المقاومة، نداءات عاجلة للمجتمع الدولي للتدخل السريع لوقف نزيف الأرواح في دارفور، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان.
ويحملون قوات «الدعم السريع»، بصفتها الطرف المسيطر ميدانيا على المنطقة، المسؤولية عما يجري من قتل وتجويع ممنهج، وعرقلة جهود الإغاثة، مؤكدين أن هذه الانتهاكات قد ترقى لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
ودعت المنظمات المحلية والدولية إلى الضغط من أجل فتح ممرات إنسانية آمنة لنقل الغذاء والدواء والتحقيق الفوري في الجرائم المرتكبة ضد المدنيين الفارين من الفاشر.
وطالبت بإرسال بعثات طبية عاجلة لاحتواء تفشي الكوليرا وضمان الوصول الآمن للمنظمات الإغاثية إلى معسكرات النزوح، فضلا عن تفعيل آليات مساءلة دولية بحق مرتكبي الانتهاكات.