أربع مراحل كاشفة غنية بالتفاصيل والتحولات
رام الله-»القدس العربي»: من دون أن يدري الاحتلال تحولت قضية الأسرى الأربعة (زكريا الزبيدي، محمود ومحمد العارضة ويعقوب قادري) الذين تم إعادة اعتقالهم على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي بعد خمسة أيام من عملية هروب حملت اسم «نفق الحرية» من فعل أمني يعيد ترميم حالة الردع الأمني الإسرائيلي وكي الوعي الجمعي الفلسطيني إلى حدث ملهم للفلسطينيين.
صحيح أن الفلسطينيين عاشوا صدمة قاسية بعد ورود أنباء اعتقال الأسرى الأربعة، لكن وبمجرد أن خرج محامو الأسرى الذين انتزعوا قرار حق اللقاء بمحاميهم تحولت قضيتهم إلى مساحات إنسانية وأكثر رحابة مما كان يُعتقد.
لقد نسي الفلسطينيون مسألة إعادة اعتقالهم ووجعها وصدمتها المؤلمة، وأخذوا يتفاعلون مع كل المعلومات التي تمكن المحامون من الحصول عليها من الأسرى. فغرقت الساحة الفلسطينية بحالة وطنية إنسانية خالصة لم تعشها الساحة النضالية الفلسطينية المرتبطة بالأسرى طوال سبعين عاما.
أربع مراحل في عشرة أيام
يمكن للمتابع أن يجد أن عشرة أيام من عمر الشعب الفلسطيني مرت فيها قضية الأسرى بمنعطفات ثلاثة:
المنعطف الأول: خلال أيام الهرب الأولى (طوال 5 أيام) حيث تم أسطرة الأسير الفلسطيني، بصفته «سوبر مان» قادر على اجتراح المعجزات وتفكيك القبضة الأمنية الإسرائيلية وتهشميها، وبهذه المرحلة عاش الفلسطيني مرحلة الانبهار الخالص بعملية الأسرى الستة.
المنعطف الثاني: وقد بدأ من لحظة اعتقال الأسرى الأربعة وحتى لقاء محاميهم بهم، وخلال هذه المرحلة التي لم تتجاوز ثلاثة أيام عاش الفلسطيني صدمة ووجعا مضاعفا وبدا وكأنه انكسرت أحلامه التي أسقطها على أحلام الأسرى الستة.
المنعطف الثالث: فتمثل من لحظة خروج أول محامي التقى بالأسرى وحتى اللحظة، وخلالها تمت أنسنة الأسرى وأعيد لهم فردانيتهم وأحلامهم الصغيرة، جرى ذلك عبر نشر المحامين أفعالهم وأحلامهم وحقيقة ما فعلوا بعد أن فروا من سجنهم على مدى خمسة أيام.
في هذه المرحلة نقل عن الأسرى مجموعة كبيرة من التفاصيل حول علاقتهم بالبلاد والمشي وتقبيل الأطفال وأكل الصبار والارتماء بالأرض وتحت أشعة الشمس، وخلال هذه المرحلة رُمم وجع إلقاء القبض عليهم، وتم تجاوزه عبر سيل جارف من التفاصيل التي أصبحت محركا لقضية الأسرى برمتها وفي وضعية لم يكن لها سابق مثيل.
حياة عارية
عن ذلك تقول الكاتبة ورسامة الأطفال الفلسطينية أناستاسيا قرواني إن «شهادات الأسرى أبطال النفق الذين عاشوا تجربة الحرية مدة خمسة أيام جعلتني أسترجع الكثير من المعاني المفقودة، الحياة اليومية البسيطة بتفاصيلها التي لم نعد نولي لها اهتماماً كانت لها قيمة مختلفة لدى الأسير الذي قضى ما يفترض أن يكون أجمل سنوات عمره داخل جدران السجان. إنهم معاناتنا المغيبة التي ننساها بحكم أننا لا نحتك كثيراً بآلامهم المحجوبة، ولربما يصدق عنا أحياناً قول (البعيد عن العين بعيد عن القلب)».
وتضيف: «يغيب كثيراً عن وعي الناس العاديين أن الأسير الذي قضى من عمره ما يزيد عن العشرين عاماً، عاش في ظروف قاسية من الحرمان التي تحول الإنسان إلى حياة عارية، بمفهوم الفيسلوف الإيطالي جورجيو أغامبين، حياة بيولوجية لا قيمة وظيفية أو معنوية لها. ما يعانيه الأسرى يفوق قدرة الناس العاديين الذي اعتادوا على الحياة الأكثر رحباً على التصور. فالأسرى محرومون من أبسط الأمور التي لا نحتاج نحن للاستغراق في التفكير فيها. كالمشي مثلاً الذي يمكن أن يتحول إلى سعادة لا وصف لها، مثلما كانت للأسير محمد العارضة الذي قال لأخيه «أنا مشيت». ربما لم يخطر بالبال من قبل أن الأسرى لا يستطيعون أن يمشوا لمسافات طويلة. بعضهم لا يستطيع حتى أن يوسع خطواته إذا كان مكبلاً بالأصفاد. لم يفقد هذا الأسير العضو البيولوجي وهما الساقان، لكنه فقد القدرة الوظيفية، فقد المعنى من وجود هاتين الساقين».
وتؤكد الكاتبة والفنانة قرواني أن الأسرى الأربعة أعادوا قضية الأسرى بقوة، كقضية إنسانية بالدرجة الأولى، تملؤها التفاصيل الصغيرة التي تجعل، عند اكتمالها، الحياة ذات معنى. والغريب والحديث لقرواني «أننا في خضم الحياة السريعة فقدنا الإحساس بهذه المعاني، فقدنا اتصالنا بالحياة».
ومن التفاصيل الصادمة التي أثرت على قرواني فرحة محمد العارضة برؤيته أطفالا في الشارع. في حين أن الأسيرات يتمكن من وقت لآخر من عيش تجربة معايشة الأطفال، في حال ولدت إحداهن في السجن وعاش هذا الطفل مع أمه في الزنزانة. إلا أن الأسرى الفلسطينيين، خاصة من يقضون أحكاماً عالية، قد فقدوا الاتصال بالنسيج الاجتماعي بألوانه، ومنهم من قضى سنوات طويلة من دون أن يرى طفلاً يلعب أو يركض أو يكبر. إنه حرمان لا حدود له للتجربة الإنسانية. هذا الحرمان، الذي لا يختلف عن القتل من حيث أنه أداة لسلب الحياة.
وجاء في رسالة الأسير محمود العارضة، الذي قضى 25 عاما متواصلة في السجن، لوالدته التي نقلت عبر محاميه رسلان محاجنة: «بعد التحية والسلام، حاولت المجيء لأعانقك يا أمي، قبل أن تغادري الدنيا، لكنّ الله قدر لنا غير ذلك.. أنت في القلب والوجدان».
وأضاف: «أبشرك أني أكلت التين من طول البلاد، والصبر والرمان، وأكلت المعروف (نبات بري) والسماق، والزعتر البري، وأكلت الجوافة بعد حرمان 25 عاما».
فتح صفحة المعتقلات
أما دكتور الإعلام في جامعة القدس نادر صالحة فأكد أنه ما زال مرتبكاً أمام تفاصيل روايات الأسرى مُحرري أنفسهم في رحلتهم خارج الأسوار، سمعتها وقرأتها كلها، يحاصرونك بتفاصيل صغيرة وخشنة، كقطع الزجاج في لحمك تارة، وكقطع السكر في فمك تارة أخرى.
وأضاف: «نحن نعجز عن الكتابة، ونغرق في تأمل السياق الكبير الذي عاشوه وصنعوه بأنفسهم».
أما الكاتبة والناشطة الاجتماعية ريما كتانة نزال فتصف العملية بـ«هروب استثنائي مدهش» ومحاولة لتقديم أفضل ما لدى الإنسان في سبيل انتزاع حريته، لقد «منح الأسرى أجمل قصيدة يمكن أن تنظم مفرداتها، أعطونا حلماً بتفاصيل مستحيلة، أهدونا مخيلة ومشهداً جميلاً نتفاخر ونعتز به، منحونا ملحمة تغني وترقص. والأهم أنهم بعثوا الروح ومهدوا لهبّة جديدة للأسرى، تأتي على خلفية تصعيد إدارة مصلحة السجون سياساتها القمعية انتقاماً من عملية الهروب الكبير».
وتضيف نزال: «بعد إعادة الاعتقال لا بد من الاستنفار لفتح صفحة المعتقلات وتجديد خطابها بأسلوب جديد، والانتشار العالمي لقصة الهروب الكبير يُساعد في استنهاض أحرار العالم والتضامن الدولي وفي فتح صفحة السجون الإسرائيلية وقوانينها العنصرية، من خلال حملة لتدويل قضية الأسرى لجعلها قضية رأي عالمي، وتنظيم محاكم دولية للدفاع عنهم على أرضية القانون الدولي واتفاقية جنيف بخصوص الأسرى.
وتسرد نزال الموضوعات التي يجب التسريع بفتحها ومنها: «فتح ملف التعذيب على مصراعيه، فتح صفحة الإهمال الطبي لصحة الأسرى بتنظيم وتركيز أكبر خدمة لحملة الدفاع القانوني عن المعتقلين». وتختم لقد أعادت عملية الأسرى الستة طرح قضية الأسرى بكل أبعادها على جدول الأعمال. ما حدث يشكل حدثاً مفصلياً من أجل إعادة الاعتبار للحركة الوطنية الأسيرة ولملمة الجهد الوطني وتسخيره لأولويات، فمن العار الصمت على ما يحدث في السجون، والمسؤولية تقع على الجميع وفي المقدمة على كوادر القوى السياسية والوطنية.
من يلتقط المبادرة؟
وفي رأي الأسير المحرر والمحلل السياسي في الشأن الإسرائيلي عصمت منصور فإن الفرصة مواتية الآن، أكثر من أي وقت مضى، للعمل من أجل قضية الأسرى، وانتزاع قرارات تنصفهم.
ومن وجهة نظر منصور فإن اتفاق اوسلو الذي مرت ذكراه قبل أيام كان أكبر كارثة على الأسرى حيث مزق نسيجهم وحولهم لقضية حسن نوايا، وقسمهم إلى فئات مقسمة سياسيًا (بين مؤيد ومعارض للاتفاق) وجغرافيًا (قدس وداخل 48 مقابل ضفة وغزة) وعنصريًا وفق التهمة (أيدي ملطخة بالدماء مقابل من تهم بقضايا أخرى) هذا فضلا عن الضرر المعنوي الذي نتج بفعل ترك الأسرى في السجون رغم عودة قيادتهم ومصافحتهم لأعدائهم وإقامة سلطة تحت الاحتلال.
وتابع: «عملية النفق جعلت قضية الأسرى قضية عالمية فلم تعد فلسطينية عربية فقط».
ويؤكد منصور أن هذا الزخم والهاب خيال الملايين من خلال هذه الأسطورة، وتسجيل تفوق على أعقد منظومة أمنية في المنطقة، هو أمر يجب استثماره والبناء عليه، فبين يدينا قصة يمكن من خلالها إحداث اختراق مهم في قضية الأسرى وهذه مسؤوليتنا، وهذا يتطلب ان نكون غير تقليديين وبمستوى الحدث، فأسرى نفق الحرية رفعوا أسهم الحركة الأسيرة، وعلينا ان نلتقط المبادرة.
وتابع منصور: «المغامرة ألهبت المخيلة فلسطينيا وعالميا، لما فيها من أعجاز، هذا تحديدا ما سوقته دولة الاحتلال عن ذاتها مثل الحديث أن لا مهمة مستحيلة أمامها، أو أنها الأقدر على تنفيذ ما يعتقده الآخرون مستحيلا. هنا نرى أن العملية كسرت أسطورة الأمن الإسرائيلي ومنظومته وادعاءات هذه المنظومة من حيث القدرة على الوصول لمن تريد وأنها تعرف كل شيء حتى أنفاس المواطنين».
وأضاف منصور أن ما سرده الأسرى من قصص وأحاديث عن الصبر والبرتقال والتين وهي فواكه مرج بن عامر عززت رمزية وحدة فلسطين، فثمن الحرية هو تجسيد هذه الوحدة التي عاشها الأسرى في مناطق حرموا منها من بلادهم المحتلة.
ويختم منصور أن الحادثة بتفاصيلها تحفل بالأمور المعنوية المرتبطة بوحدة الشعب، معنويا، وتمنح قيما تعزز خيالا وإرادة وتكتم ومقارعة للاحتلال، أما الشيء المادي في كل ذلك فهو الأسير الذي سخر أدواته البسيطة لنيل حريته وعاش تفاصيل الحياة التي يريدها ولو كانت خمسة أيام.
عملية تخدم قضية الأسرى
الأكاديمي والباحث في قضايا التنمية السياسية إبراهيم ربايعة يرى أن عملية «نفق الحرية» جاءت في سياق استمرار هبة الكرامة كحالة مقاومة مستمرة تتراوح بين مد وجزر، أحيت هذه العملية قضية الأسرى وأعادتها إلى الواجهة كحالة اشتباك ومقاومة وقضية اجماع وطني بعد أن اقتصرت على النضال الفردي وحالة الأسير المنفرد خلال الأعوام السابق.
وتابع ربايعة قائلا: «قدمت العملية زكريا الزبيدي كرمز وأيقونة ملأت فراغا في الفعل الوطني الجامع، وذلك في امتداد لحالة للزبيدي التي بناها خارج معتقله، كما قدمت محمود العارضة كمقاوم مشتبك من أجل حريته ومناضل قيمي، أعادت العملية تعريف الأسر عبر شكل السماء وطعم التين ولذة البرتقال.
إن ما قدمته العملية بحسب ربايعة مهم لاستعادة أنسنة قضية الأسرى خاصة في مواجهة الحملة الإسرائيلية الأمريكية وما تلاها من «تجريم» تحويل الأموال للأسرى وعوائلهم، وتراجع حضور قضيتهم على أية مستويات تفضي لتحريرهم.
حالة عاطفية
وكان رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية في حديث صحافي قد وصف قضية الأسرى الستة وعموم الأسرى الفلسطينيين بـ«الحالة العاطفية» التي تمس كل عائلة فلسطينية حيث أسرت دولة الاحتلال من عام 1967 حتى اليوم أكثر من مليون فلسطيني.
واعتبر اشتية الأسرى «ضميرا للحركة الوطنية الفلسطينية» وأكد في حديثه أن السلطة التي كانت تشترط توقف الاستيطان من أجل البدء بمفاوضات سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين أضافت عليها شرطا ثانيا يتمثل بموضوع الأسرى، «هذا ملف سيكون على الطاولة».
يذكر أن عدد الأسرى في السجون الإسرائيلية اليوم يفوق الـ 6000 أسير.
وأكد أن السلطة ضمنت في الملف الذي رفعته لمحكمة الجنايات الدولية قبل أكثر من أربع سنوات قضية الأسرى في السجون الإسرائيلية إلى جانب ملفات العدوان على غزة والاستيطان قضية الأسرى.
وبحسب الاتفاقيات الموقعة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية فإنه كان يجب إطلاق سراح الأسرى على أربع دفعات تم الإيفاء بالدفعات الثلاث الأولى، في حين لم تلتزم إسرائيل بالدفعة الرابعة التي كانت تتعلق بالأسرى من ذوي الأحكام العالية والمؤبدات حيث بقي مصير هؤلاء عالقا رغم مرور 27 سنة على اتفاق أوسلو.
وبحسب ما نقله المحامي رسلان محاجنة عن محمود العارضة فإنه قرر الفرار من المعتقل بطريقته الخاصة لعدم وجود أفق للإفراج عنه، خاصة أن حكم المؤبد غير محدد، والتعامل مع المعتقلين الفلسطينيين لا يتم حسب القانون الدولي أو السجناء الجنائيين الإسرائيليين.
وتبلغ مدة الحكم المؤبد بحق الأسرى الفلسطينيين، 99 عاما، بحسب قدري أبو بكر، رئيس هيئة الأسرى والمحررين الفلسطينية، أما الحكم المؤبد بحق السجناء اليهود، فيبلغ 25 عاما، قابلة للتخفيض إلى 16 عاما.
مرت قضية أسرى سجن جلبوع بمراحل ثلاث، فيما المرحلة الرابعة فهي ماثلة للعيان وترتبط بما يفعله من هم خارج السجن من أجل من هم في داخله، وهي مرحلة يفترض أن تتفجر فيها كل القدرات الإبداعية من أجل نقل قضية الأسرى وإعلاء صوتهم لأوسع مدى في مقابل عملية البحث الأوسع عنهم في تاريخ دولة الاحتلال. وفي مقابل قصص الأسرى الأربعة وآلاف قصص الأسرى في السجون الإسرائيلية تستمر دولة الاحتلال في عملية بحث طويلة ومعقدة عن أسيرين آخرين هما: مناضل انفيعات وأيهمم كممجي، ولهؤلاء قصة أخرى تستحق أن تروى أيضا.