لوحة «تروبادور» للفنان الفرنسي توماس كوتور (1815 - 1879) مصدر الصورة : Philadelphia Museum of Art
لا أحسب أن الدراسة النقدية الجادّة ترمي إلى أكثر من بيان التشابه إلى درجة أو أخرى بين عمل أدبي وآخر، في حدود ظروف تاريخية واجتماعية متقاربة أو متشابهة. مثل هذه الظروف نجدها في ثمانية قرون أندلسية (711-1492) وبعدها بعقود غير قليلة، حتى بدأت الدراسات الرصينة لبيان تأثر الروائي الإسباني الكبير ثيربانتس في روايته الشهيرة «دون كيخوته» التي يذكر في مقدمتها اسم كاتب عربي أندلسي كان من أوحى إليه بكتابة الرواية، مواربةً لا صراحةً.
لقد تحدّثتُ وكتبتُ كثيراً عن ظهور الشعر الغنائي في أوروبا في نهايات القرن الثاني عشر، وبلغة محلية منسلخة عن اللاتينية، وفي موضوعات وقوالب تختلف عما كان معروفاً في التراث الكلاسي من إغريقى ورومي، ما جعل الباحثين يتساءلون عن مصدر هذا التغيّر. وقد توصّلت أفضل الأبحاث إلى أن مصادر هذا النوع الجديد من الشعر قد تكون من شعر الوافدين على الجزيرة الإيبيرية من مسلمين عرب وأمازيغ، واستقرارهم في تلك البلاد لمدة ثمانية قرون.
ومن أسلم الطرق لإثبات ذلك اختيار أمثلة من شعر الموشح والزجل الأندلسية ومقارنتها بأمثلة من هذا الشعر الجديد، بلغة إقليم أوك في منطقة بروفونس، إلى الجنوب الغربي من فرنسا الحالية والشمال الغربي من إسبانيا. ومما يدعم المقارنة كون المختارات من شعراء معاصرين من الجانبين، وكون أهل الأندلس يتكلمون اللغة العربية وهي لغة آبائهم، كما يتكلمون لغة الرومانث، وهي لغة أمّهات الجيل الجديد.
ولنأخذ مثالاً من أزجال ابن قزمان (ت. 1160) وكان معاصراً للتروبادور الأول كيّوم التاسع (ت.1127) وهو زجل «أم الحكم»:
كيف ليسْ يكون لي في الغُربه هم أ
وخلّيتُ قلبي لأُمّ الحكم أ
بقى معْها قلبي ونا في السفر ب
وغابت لي مُنيا وغاب القمر ب
وشطّ المزار وسار من سهر ب
وبعد فراقْها جاني الندم أ
ونقرأ في القصيدة رقم 7 من شعر التروبادور الأول، قصيدة من سبعة مقاطع سداسية الأبيات تتبع نظام التقفية في سابقتها، القصيدة رقم 4، وتحاكي في قوافيها نظام زجل «أم الحكم» وتفتح مجالاً للموهبة الفردية في نظام بعض القوافي، ولكن الأساس «زجل أم الحكم»:
ونحن نرى الحقول تزهر من جديد أ
والمروج تستعيد خضرتها أ
والجداول والينابيع تجرى صافية أ
والنسائم والرياح، ب
على كل امرئ ان يستمتع بالبهجة أ
التي تروق له. ب
هذه ترجمتي عن الأصل باللغة الأوكسيتانية، ونظام القوافي هو الذي التزمه الشاعر، ويمكن مقارنته مع ما ورد في قوافي الزجل السابق على قصيدة كيّوم، فمن أين جاء هذا التطوّر إن لم يكن من محاكاة الوارد عليه من الزجل والموشحات الأندلسية؟
نلاحظ من هذه الأمثلة التشابه في نظام القوافي الذي لم يكن معروفا أصلاً في أي شعر أوروبي قبل ظهور الشعراء التروبادور. وهذا دليل على تأثير الشعر الأندلسي في الموشح والزجل في ظهور أول أمثلة الشعر الغنائي الأوروبي غير المتطور عن الشعر التراثي الكلاسي من إغريقي أو لاتيني. وهو دليل ليس به حاجة إلى أختام وتواقيع.
مع ظهور الشعراء التروبادور في نهايات القرن الثاني عشر لم يعد التغزّل بصورة العذراء، «وردة العالم» القروسطي، بل غدت وردات العالم كثيرات، لكل شاعر وردتُه التي لا تشبهها وردة. وقد سار على نهج التروبادور الأول الذي وردته «أشدّ بياضا ًمن العاج» الشاعر ثيركامون الذي ازدهر شعره بين 1135- 1145 فيقول:
السيدة التي تسمعونني أتغنّى بها. أ
هي أجمل مما أستطيع وصفه: أ
نضِرة المُحيّا، بهيّة ب
شقراء لا تشوبُها شائبة، أ
ولا أحد يقدر أن يذكُرها بما يُشين أ
فهي بالغة النقاء والنبل… ب
بلى، هذا قد يًذكِّر بعضنا بالشاعر العاشق بتراركا الذي كان يعبُد حبيبته لورا كما نجد في غنائياته، بل قد نجد مثالاً سابقا عليه في شعر العذريين:
أراني إذا صلّيتُ يمّمتُ نحوها
بوجهي وإن كان المُصلّى ورائيا
ولكن التحلّل من القيود الكنسية ما كان ليجرؤ إلى هذا الحد، في زمان اكتسب فيه شعراء التروبادور ومنطقة بروفانس جميعا صفة الوثنية التي دفعت البابا إنوسنت الثالث إلى قيادة حملة «صليبية» على الجنوب الفرنسي «الوثني» فتفرّق الشعراء التروبادور، فساهم عن غير قصد بانتشار الشعر الجديد في أنحاء أوروبا والعالم بعد ذلك.
وقد أسّس الشعراء التروبادور قوانين وثقافةً جديدةً للعشق، كانت صادمةً لقوانين الكنيسة وثقافتها. فعلى النقيض من الموروث عن أوفيد في كتابيه عن الحب وبخاصة «علاج الحب» يكون العاشق في شعر التروبادور مطيعاً وخاضعاً للمحبوبة وهي أعلى منه منزلةً، إذ يخاطبها بصيغة المذكّر كما يخاطب التابعُ سيّده الإقطاعي midon أي «سيّدي». هذا مقطع من قصيده برنار رقم 33:
سيدتي أنا طوع يمينكِ وسأبقى كذلك
جاهزاً من أجل خدمتكِ
أنا تابعُك المُخلص الأمين
وما أزال كذلك منذ زمان.
وفي الجو الثقافي الأندلسي ذي اللغتين نقرأ رأي ابن حزم الذي يقول «إن التذلل للمحبوب ليس دناءةً في النفس»:
ليس التذلل في الهوى يُستنكرُ/ فالحب فيه يخضع المُستكبِر.
والحب ليس خطيئة في رأي ابن حزم:
متى جاء تحريم الهوى عن مُحمّد/ وهل منعُه في مُحكم الذِكر ثابت؟
مثل هذا ما يردّده آخر من نعرف من الشعراء التروبادور برنار دي فنتادورن.
في أربعينات القرن الماضي، على الخصوص، ظهرت محاولات لمعرفة كيفية ظهور هذا الشعر الجديد على الثقافة الأوروبية، وظهر ما يعرف بالنظرية الأوروبية التي تقول إن شعر التروبادور الجديد على أوروبا انما هو تطوّر بطيء عن الشعر الكلاسي من إغريقي ورومي. ولكن الدراسات الرصينة بيّنت الفروق الأساس بين الشعر الكلاسي وهذا الشعر الجديد على أوروبا. ثم ظهر قبالة ذلك ما يدعى بالنظرية العربية وكان أبرز من قال بها هم الباحثون الإسبان وأغلبهم من رجال الدين في كنيسة الكاثوليك، مثل آسين بلاثيوس، وآنخل كونذالث بلانثيا، ورامون منندث بذال. وإذ كان بعض أصحاب النظرية الأوروبية يقولون إن هذا الشعر الجديد تطوّر عن مرحلة سابقة «ضاعت آثارها اليوم» كان أصحاب النظرية العربية يدعمون أقوالهم بأمثلة حقيقية من الشعر تسندها التواريخ والأسماء. ومثل هذا ما حاولت تقديمه في هذه المقالة الصغيرة.