أسطورة «روبن هود» وأهميتها في التراث الثقافي الإنكليزي

في الإمكان تقييم ثقافة الإنسان بشكل عام عن طريق معرفة ما يحب أن يقرأ، فما يحب الإنسان أن يقرأه يتوافق مع مفاهيمه ومستوى ثقافته، وما يعتبره معقولا أو عادلا. ولا تختلف الشعوب في هذا المضمار، حيث نستطيع معرفة الكثير عن معتقدات أي شعب بشكل عام عن طريق معرفة نوع القصص الشعبية، أو قصص الأدب العالمي الأكثر انتشارا في أوساط ذلك الشعب. وقد تكون أسطورة «روبن هود» أفضل مثال على هذا.
«السرقة من الثري والعطاء للفقير» هذه الصفة التي التصقت بشخصية «روبن هود» في مخيلة الناس جاعلة إياها أهم شخصية أسطورية في التاريخ البريطاني، ولا تنافسها سوى أسطورة «الملك آرثر» في هذا المجال. ويعرف الجميع غابة شيروود التي كان يلجأ إليها «روبن هود» وأصحابه ليجتمعوا تحت شجرة كبيرة معينة، ويواصلوا صراعهم ضد الحاكم الظالم «شريف نوتنغهام»، ولا علاقة لكلمة «شريف» (Sheriff) هنا باللغة العربية، حيث إنها كلمة مشابهة باللفظ فقط، وكانت تعني موظفا حكوميا بارزا في إنكلترا. وقد تطورت شخصية «روبن هود» وتأثرت بالتغيرات السياسية والاجتماعية التي حدثت في بريطانيا، حيث إننا نرى هذه الشخصية تتغير مع الوقت، ولكن السينما كانت العامل المؤثر الأكبر في تشكيل الصورة الحالية لتلك الشخصية التي تمثل دائما رجلا وسيما ورياضيا يحمي الفقراء من ظلم الحاكم المتسلط وتعجب به الفتيات. وتكشف هذه الأسطورة ولع بعض المجتمعات، على مدى التاريخ، بالمجرمين وقطاع الطرق وتحويلهم إلى رموز للعدالة وتحدي السلطة الظالمة وكأنهم ثوار. وإذا تمعنا النظر في مفهوم السرقة من الثري والعطاء للفقـــــير فإنه يخفي جانبا لا يلاحظه الكثيرون، وهو أن أمنية الفقير أن يهبه «روبن هود» ما يسرقه، دون أن يتحمل الفقير نفسه عواقب عملية السرقة، على أساس أنه لم يقم بها، بينما يتحمل «روبن هود» مسؤولية السرقة كاملة، بدون أن يستفيد منها بأي شكل. وقد يمـــثل هذا أمنية خيالــــية للكثير من الفقراء في إنكلترا القديمة والبلدان جميعا.


ويتضمن هذا المفهوم أيضا عدم وجود أي احترام لقدسية الممتلكات، وأن الثري لا يستحق ما يملكه حتى إن كان إنسانا شريفا، فذنبه الحقيقي كونه ثريا. وإذا تم تحقيق هذا المفهوم على أرض الواقع، فلن تظهر حضارة في التاريخ البشري.
لا يعرف أحد كيف بدأت هذه الأسطورة، ولكن المؤرخين يتفقون على أنها بدأت في مناطق شمال إنكلترا في العصور الوسطى. ومما يزيد من صعوبة توثيق تاريخ الأسطورة هو عدم ثبوت الاسم، فهو أحيانا «روبرت» وأحيانا أخرى «روبن»، وهو نسخة أخرى للاسم، الذي كان أحد أكثر الأسماء شيوعا في إنكلترا انذاك. أما اسم العائلة «هود»، فقد كتب بطرق مختلفة نظرا لعدم كون اللغة الإنكليزية قد اكتسبت الصيغة القياسية الموجودة حاليا، وهو اسم شائع أيضا. ولذلك فإنه من المتوقع أن تذكر الوثائق القديمة هذا الاسم. ويعتقد بعض المؤرخين أن «روبن هود» كان اسم كنية يطلق على المجرمين الذين يقاومون السلطة في إنكلترا. وقد تغيرت القصة مع الوقت بالنسبة لتفاصيل كثيرة وأضيفت شخصيات جديدة إليها، كما تغيرت صفات «روبن هود» نفسه كذلك.
ويعتقد المؤرخون أن أسطورة «روبن هود» كانت قد ظهرت لأول مرة في القرن الثالث عشر، حيث أن من أوائل من ذكر الاسم كان قرار محكمة صدر عام 1226 في شمال إنكلترا ضد شخص يدعى «روبن هود» وينص على مصادرة أملاكه لتسديد ديونه، ولكن الأمر قد يقتصر على تشابه في الاسم، حيث لم يكن ذلك الرجل لصا أو قاطع طريق. وكذلك نجد قرار محكمة آخر يعود إلى عام 1262 ويذكر شخصا يحمل اسما مشابها كان عضوا في مجموعة من الخارجين عن القانون، ولا يعني ذلك أنه كان قاطع طريق، لأن كلمة «خارج عن القانون» قد تعني أشياء كثيرة مثل عدم دفع الضريبة. وتستمر الوثائق بالظهور بين فترة وأخرى، ولا يمكن أن تشير إلى الشخص نفسه. وفي القرن الرابع عشر كتب الكاتب الإنكليزي وليام لانغلاند أنه كان يعرف شعر «روبن هود» ولكنه لم يحدد أي شيء عن صفات الرجل التي بدأت في الظهور في القرن الخامس عشر، حيث نجد قصة قتله لقس وخادمه بشكل متوحش. وتبين هذه أن «روبن هود» لم يكن سوى زعيم لعصابة إجرامية عادية لم تكن تتردد في قتل كل من يتحداها وتقتل الشهود الأبرياء لإخفاء الجريمة، وكان ضحاياها من علية القوم. وتصل وحشية «روبن هود» إلى درجة الاستمتاع بالتمثيل بجثث ضحاياه. وتبين القصص في تلك الفترة أن «روبن هود» كان قاسيا مع أتباعه أيضا، حيث إنهم كانوا يركعون أمامه عند تحدثهم إليه. ولا يعني ذلك أنه كان شخصية حقيقية، بل يبين أن الخيال الشائع بين العامة آنذاك كان يدل على مدى حقدهم على النظام الحاكم وحلفائه. وحولت إحدى القصص «روبن هود» حينذاك إلى شخص متدين، على الرغم من وحشيته، بل إن قصة أخرى حولته إلى بطل ديني، وإن انتصاراته تمت لكونه متدينا. وتجمع كل هذه القصص حتى هذه المرحلة على أن «روبن هود» بدأ حياته خادما لإحدى الشخصيات المهمة المحلية. وفي القرن الخامس عشر ظهرت فكرة سرقة الثري وإعطاء الفقير، وكأنها رخصة لقطع الطريق. وقد يكون سبب هذا الاتجاه أن بريطانيا كانت قد عانت آنذاك من اضطرابات داخلية دامت مئتي عام تقريبا، بسبب ثورات الطبقات الفقيرة التي كونت أغلبية الشعب الإنكليزي، وكانت مشاهدة أناس مشنوقين في المدن والريف الإنكليزيين أمرا مألوفا تقوم به السلطات آنذاك.

تغيرت قصص «روبن هود» بعض الشيء في القرن السادس عشر، حيث استقرت الأوضاع السياسية وأصبحت ثورات الفقراء شيئا من الماضي في إنكلترا وأصبحت السلطات بالغة القوة وقادرة على فرض سلطتها في جميع أنحاء البلاد.

وكان الشعب الإنكلـــــيزي في تلك الفترة مكونا من الأنغلوسكسون بينما تكونت الطبقة الحاكمـــــة من النورمانديين الذين قدموا مع الملك وليام الفاتــــح (1028 ـ 1087) عندما احتل إنكلترا عام 1066 قادما من فرنسا، وهذا سبب اعتقاد بعض المؤرخين أن قصص «روبن هود» تمثل مقاومة الأنغلوسكسون للنورمانديين، ولكن هذه النظرة قد تكون غير صحيحة. وفي تلك الفترة كذلك ظهرت غابة شيروود كمسرح عمليات «روبن هود» والشجرة الضخمة التي كان هو وعصابته يجتمعون في ظلها.
تغيرت قصص «روبن هود» بعض الشيء في القرن السادس عشر، حيث استقرت الأوضاع السياسية وأصبحت ثورات الفقراء شيئا من الماضي في إنكلترا وباتت السلطات بالغة القوة وقادرة على فرض سلطتها في جميع أنحاء البلاد، ولذلك أصبحت تلك القصص أقل عنفا وأكثر مرحا، وتحول قاطع الطريق إلى شخصية شعبية محبوبة، كما تغيرت علاقته برجال عصابته الذين تحولوا إلى رفاق النضال، بعد أن كانوا تابعين له.
واتخذت القصص منحى رومانسيا بظهور شخصية حبيبة «روبن هود» وشخصيات أخرى ، كما اخذت تُمَثّل كجزء من احتفالات الربيع في شهر مايو/ أيار، حيث يقوم البعض بتمثيل قصص «روبن هود» أمام الجمهور بحضور النبلاء الذين اعتبروا هذه الاحتفالات مناسبة ترفيهية مهمة، ويكون هناك من يمثل دور «روبن هود» كشخصية أساسية في هذه العروض. واستمر التطور في هذه الشخصية في ذلك القرن حتى دخلت المسرح الإنكليزي حيث قام الكاتب المسرحي أنتوني مَندَي (1560 – 1633) بكتابة مسرحيتين عن «روبن هود»، جاعلا إياه من طبقة النبلاء. ويمثل هذا تغيرا مهما في المجتمع الإنكليزي، حيث إنه يدل على أن الجمهور أخذ يعجب بالقصص التي يكون بطلها من النبلاء، ما يعني أن تغيرا كبيرا قد حدث لنظرة العامة تجاه الطبقة الحاكمة. وهناك احتمال وجود سبب آخر لدى الكاتب المسرحي أنتوني مَندَي لترقية «روبن هود» إلى مستوى النبلاء،، ألا وهو كسب تأييد النبلاء له، فقد كانوا يمثلون الطبقة الحاكمة ومصدرا مهما للأموال بالنسبة للكتاب في تلك المرحلة. وبذلك اقترب «روبن هود» من المفهوم الحالي له، ولكن التغيير استمر حيث أخذت القصص تضم أشخاصا جددا، وأصبح «روبن هود» يرتدي اللون الأخضر الذي اشتهر به بعد ذلك. ولكن التغير الأهم حدث عام 1819 عندما قام الكاتب الأسكتلندي وولتر سكوت (1771 ـ 1832) بكتابة قصة «إيفانهو» التي ضمت الملك «ريتشارد قلب الأسد» (النورماندي) و»روبن هود» (الأنغلوسكسوني) والشخصية الجديدة «إيفانهو» (الأنغلوسكسوني) حيث يشترك الثلاثة معا في تخليص الشعب الإنكليزي من الظلم ويدافعون عن إنكلترا، واصبح الثلاثة رمزا لوحدة الشعب. وقد لاقت هذه القصة رواجا هائلا وحولت «روبن هود» والملك «ريتشارد قلب الأسد» إلى رموز وطنية مهمة في التراث والخيال الإنكليزيين. وقد يكون ظهور تلك القصة ليست محض صدفة، بل جزءا من التطور السياسي والاجتماعي في بريطانيا، حيث كانت قد خرجت من الحروب مع نابليون منتصرة عام 1815 وأصبحت الدولة الأقوى والأغنى و الأكبر في العالم آنذاك، وبدون أي منافس حقيقي. ولذلك فإن قصة «إيفانهو» تمثل نوعا من الدعاية والشعور الوطنيين. وتعتبر نسخة وولتر سكوت لشخصية «روبن هود» النسخة التي تعتمد عليها المخيلة الحالية بكل جوانبها. ونجحت قصة «إيفانهو» نجاحا كبيرا في الولايات المتحدة وتحولت هناك إلى قصص مصورة، ومع بداية القرن العشرين انتقلت شخصية «روبن هود» إلى عالم السينما في هوليوود في الولايات المتحدة بشكل خاص، حيث عرض أول فيلم عنه عام 1908 وكان صامتا وتلاه أكثر من خمسة وستين فيلما ومسلسل تلفزيوني عن هذه الشخصية، وكان آخرها قد أنتج عام 2018. ومثل الشخصية مجموعة من أشهر الممثلين العالميين مثل شون كونري وكيفن كوستنر ورسل كرو وآخرين. ومما ساعد تنوع القصص والأفلام حاليا عن «روبن هود» كونه شخصية خيالية ذات مؤلف غير معروف، ما يعطي المجال لكل كاتب أن يكتب عنها، وبذلك ظهرت مؤخرا أفلام سينمائية ضعيفة العلاقة بالقصة الأصلية. ولا تنتهي قصة «روبن هود» هنا، بل إنها ستستمر لتخدم أغراضا مختلفة وتُمتِع الجمهور.

٭ باحث ومؤرخ من العراق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية