أسعار الفائدة هي ثمن السيولة أو ثمن النقود عندما يتم التعامل مع النقود كواحدة من السلع في البنوك وأسواق المال. ومع أن جوهر هذه العلاقة بين أسعار الفائدة والنقود هو تنظيم الدورة الاقتصادية، بمعني إبطاء النشاط الاقتصادي عندما يحدث الخلل بين الإنتاج والاستهلاك أو العرض والطلب، فإن الفكر الاقتصادي يتجه منذ سيطرة مدرسة شيكاغو بقيادة ميلتون فريدمان على السياسة الاقتصادية العالمية عن طريق صندوق النقد الدولي (إجماع واشنطن) إلى جعل محاربة التضخم الوظيفة الأولى وربما الوحيدة للبنوك المركزية حول العالم، وجعل سلاح أسعار الفائدة هو سلاحها الرئيسي للقيام بهذه الوظيفة، بعيدا عن اعتبارات الدورة الاقتصادية. وقد ترافق تطبيق أفكار هذه المدرسة عن نتيجتين كبيرتين، الأولى هي إبطاء النمو في الدول الصناعية المتقدمة إلى درجة الركود، والثانية هي تعريض الدول النامية التي تتجه إلى التصنيع لأزمات مالية متكررة تجسدت في ظاهرة الزيادة الهائلة في مديونيات هذه الدول الخارجية والمحلية. وحيث أن الاقتصاد العالمي يقترب الآن من عتبات التحول من سياسة التشدد إلى التيسير النقدي بتخفيض أسعار الفائدة المرتقب في النصف الثاني من العام الحالي، على خلفية تراجع التضخم في الولايات المتحدة، وهو ما يتيح تخفيض العائد على أدوات تمويل الخزانة الأمريكية، فإنه قد أصبح من الملائم إعادة النظر في تبعية سياسة أسعار الفائدة في الدول النامية الصاعدة، ومنها الدول العربية، لسياسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.
لماذا؟
السبب الأول لضرورة إعادة النظر في ربط السياسة النقدية، وأهمها استخدام سياسة أسعار الفائدة في كبح التضخم، هو أن الدول النامية تعاني من انخفاض القدرة على تحمل صدمات جانب العرض، مثل تأثير الحروب والتغيرات المناخية والطبيعية الحادة مثل السيول والجفاف والزلازل. هذه الصدمات تترك آثارا سريعة وحادة على جانب عرض السلع، وهو ما يؤدي إلى ندرتها، ومن ثم ارتفاع معدل التضخم. في هذه الحالة فإن لجوء البنوك المركزية إلى استخدام سلاح أسعار الفائدة لكبح التضخم يمثل في حد ذاته عقوبة مزدوجة لجانب العرض، الذي تعرض لصدمة جيوسياسية أو طبيعية؛ فانكمش أو فقد القدرة على النمو، ثم عوقب بواسطة البنك المركزي في البلد المعني برفع أسعار الفائدة، أي بزيادة تكلفة الاستثمار لإعادة بناء ما خربته الكوارث الطبيعية أو الجيوسياسية. وقد يجادل البعض بأنه في مثل هذه الحالات، كما حدث خلال جائحة كورونا، فإن البنوك المركزية تتجه إلى تعويض الأضرار عن طريق تقديم حزم مالية سخية للقطاعات المتضررة. وقد شهدنا مثل ذلك على نطاق واسع في دولة نفطية قائدة مثل المملكة السعودية، وفي دول غير نفطية مثل الأردن ومصر والمغرب. المفارقة هنا هي أن التأثير الاقتصادي النهائي لحزم الدعم السخية، يتوقف على كيفية تمويلها. ففي الدول التي مولت تلك الحزم من فوائضها المالية أو بواسطة هوامش التحرك المالي في ميزانية الدولة، وهو هامش يضيق كلما زاد العجز والمديونية، فإنها تركت آثارا إيجابية. أما في الدول التي مولت حزم الدعم لمواجهة تداعيات كورونا بزيادة العجز المالي، والتوسع في الاستدانة المحلية والخارجية، فإنها تركت وراءها معدلات تضخم قياسية، وزيادة هائلة في المديونية. وبسبب ارتفاع التضخم فإن البنوك المركزية عادت إلى استخدام سلاح أسعار الفائدة مرة بعد مرة من أجل كبح معدل «التضخم العنيد» كما وصفه صناع السياسة النقدية في العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة.
وإذا كانت الولايات المتحدة قد أنفقت على حزم المساعدات المالية لمكافحة تداعيات جائحة كورونا حوالي 5 تريليونات دولار، منها 3 تريليونات من النقود تمت طباعتها، فقد ثبت أن ذلك كان أكبر من قدرة الاقتصاد على سداد الزيادة في الدين العام والعجز في الميزانية بسرعة. وما يزال الاقتصاد الأمريكي يعاني حتى الآن من ارتفاع أسعار الفائدة (حوالي 5.5 في المئة) على الدولار، الأمر الذي لا يحبط التضخم بقدر ما يحبط فرص زيادة النمو الذي من المتوقع أن يصل في العام الحالي إلى حوالي 2 في المئة مقارنة بمعدل متوقع للصين يبلغ 5 في المئة، أي أكثر من الضعف مقارنة بالولايات المتحدة. ورغم حزم الدعم المالي، التي تركت أثرا إيجابيا كبيرا على جانب الطلب، فإن العرض الكلي انكمش بسبب اضطراب سلاسل الإمدادات، وتغيب العاملين بسبب المرض أو الخوف من العدوى وغير ذلك من الأسباب. هذا الانكماش في العرض لم تقابله حلول لمساعدته على النمو بمعدلات تعادل تلك التي كانت من قبل. هذا التناقض بين اتجاه الطلب إلى الزيادة بفضل التدفقات المجانية من حساب الخزانة العامة، واتجاه العرض الكلي للانكماش، شكل صدمة كبيرة في السوق رفعت معدل التضخم بقوة وبسرعة، مما أصاب السوق بعدم التوازن. وعلى الفور فإن البنوك المركزية التي قادت اوركسترا زيادة التوزيعات النقدية وطباعة النقود، وشحذت في الوقت نفسه سلاح أسعار الفائدة، وهو سلاح يؤدي بطبيعته إلى زيادة تكلفة الإنتاج وإبطاء معدل النمو، ما يزيد من حدة التضخم.
ويتوقع صندوق النقد الدولي أن تستمر معدلات التضخم مرتفعة فوق المعدل المستهدف (2 في المئة) ربما لسنوات مقبلة، وإن كان سينخفض بالتأكيد عن مستوياته الحالية في الدول الصناعية المتقدمة. وطبقا لما ذكرته «غيتا غوبيناث» النائب الأول لمدير صندوق النقد الدولي خلال جلسة لمناقشة أسعار الفائدة في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في كانون الثاني/يناير الماضي، فإن أسعار الفائدة لن تعود بسهولة إلى مستوياتها التي كانت خلال الفترة ما بين الأزمة المالية العالمية عام 2008 وأزمة جائحة كورونا منذ نهاية عام 2019. الأهم من ذلك هو أن «غوبيناث» أرجعت احتمالات بقاء التضخم عند مستوى مرتفع نسبيا إلى تهديد «صدمات العرض» بسبب عوامل بيئية وجيوسياسية. وتتسبب هذه الصدمات في إرباك سلاسل الإمدادات العالمية والخدمات اللوجستية على مستوى العالم، ما يدفع الأسعار إلى أعلى، وهو ما نشهده الآن بسبب تداعيات حرب أوكرانيا ثم حرب غزة واضطراب الملاحة في البحر الأحمر إضافة إلى تأثير التقلبات المناخية الحادة في السنوات الأخيرة، خصوصا على أسواق السلع الغذائية. وبسبب ضيق سوق العمل وانخفاض معدلات البطالة، فإن صدمات العرض يصعب تجاوزها بتوسيع طاقات الإنتاج في الأجل القصير، وهو ما يجعل ارتفاع التضخم أمرا خارج نطاق السيطرة، ومن ثم يجعل البنوك المركزية حول العالم أشد حذرا في اتخاذ قرارات بتخفيض أسعار الفائدة، والبقاء دائما في وضع الاستعداد لرفعها إذا تطلب الأمر. وفي هذا السياق فإنها رجحت أن يكون المستوى العام لأسعار الفائدة مرتفعات في السنوات المقبلة، لكنه ربما يكون أقل من المستوى الحالي.
أسعار الفائدة في الدول العربية
من الملاحظ أن الدول العربية تنقسم إلى قسمين من حيث مرجعية سياساتها النقدية، القسم الأول يتبع مرجعية مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والثاني يتبع مرجعية البنك المركزي الأوروبي. ففي دول الخليج العربية، حيث تمثل إيرادات النفط أكثر من نصف الإيرادات العامة للدولة، فإنه من الطبيعي أن تكون قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي هي المرجعية الأولية، وأن يكون سعر الفائدة على الدولار هو المؤشر القياسي لأسعار الفائدة على العملات الخليجية، طالما أن الدولار هو عملة حساب أسعار النفط والإيرادات. ومن ثم فإننا نرى أن البنوك المركزية للدول العربية الخليجية النفطية تقوم برفع أسعار الفائدة عندما يرفعها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وتخفضها عندما يفعل ذلك. ومع أن دولة عربية مثل الإمارات نجحت في تخفيض نسبة مساهمة الإيرادات النفطية إلى حوالي 35 في المئة من الإيرادات العامة، إلا أنه ليس من المتوقع التحول في الأجل المتوسط عن العلاقة الخطية بين أسعار الفائدة على العملات الخليجية وأسعار الفائدة على الدولار. هذا يمكن أن يحدث في حالتين فقط، الأولى أن تتراجع حصة الإيرادات النفطية من إجمالي الإيرادات العامة مع التوسع في تنويع الاقتصاد والانتقال من الاقتصاد النفطي إلى الاقتصاد غير النفطي. والحالة الثانية هو التخلي عن تسعير النفط بالدولار، والتحول عن العملة الأمريكية إلى سلة عملات دولية أو إلى عملة جديدة. ويتم في الوقت الحاضر تطوير نظام لعملة رقمية عالمية جديدة بالتعاون بين الصين والإمارات وتايلاند وبنك التسويات الدولية. ومن المرجح أن تكون العملات الرقمية هي المنافس الرئيسي للدولار وليس اليوان الصيني. فك العلاقة الخطية بين العملات الخليجية والدولار سيكون من شأنه تحرير السياسة النقدية في هذه الدول من التبعية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.
ويدخل في نطاق منطقة الدولار في العالم العربي دول أخرى غير نفطية، ولكنها تعتمد أساسا على موارد دولارية، بما في ذلك الديون الخارجية مثل مصر. لكن علاقة تلك الدول مثل الأردن ولبنان والسودان ومصر بالسياسة النقدية الأمريكية هي علاقة مشوهة، بسبب التشوهات الهيكلية التي تعاني منها، سواء على صعيد الإنتاج المحلي أو تجارتها الخارجية، بما في ذلك تجارة الطاقة والسلع الغذائية. وتحتاج كل دولة منها إلى تقييم مستقل لسياستها النقدية، نظرا للتعقيدات الناتجة عن تشوهات هياكل الإنتاج. ففي مصر على سبيل المثال تستهدف السياسة النقدية جذب المزيد من السيولة لتمويل العجز في الميزانية الحكومية. ومن ثم فإنها تحتاج إلى رفع أسعار الفائدة حتى يكون العائد على الاستثمار النقدي في الجنيه مرتفعا، بصرف النظر عن التداعيات الاقتصادية لذلك على المدى الطويل. ومن المفارقات التي يتعين الإشارة إليها هنا أن رفع أسعار الفائدة في مصر، حتى وإن كان البنك المركزي يقول إن الهدف منه هو كبح جماح التضخم، فإنه في واقع الأمر يمثل واحدا من أهم محركات التضخم وارتفاعه إلى مستويات قياسية. وقد بلغ التضخم إلى أقصاه تاريخيا في حزيران/يونيو 2023 بعد 7 سنوات من الحصول على حزمة تمويلية ضخمة تشمل 12 مليار دولار من صندوق النقد الدولي، مسجلا 41 في المئة، كما أن سعر الفائدة وصل إلى أقصاه تاريخيا في 6 من الشهر الحالي مسجلا 28.25 في المئة، وهذه معدلات لم يشهدها الاقتصاد المصري من قبل. المنطقة الدولارية النقدية في العالم العربي تشمل إذن دول اليسر الخليجية، مثل السعودية والإمارات إضافة إلى عدد من دول العسر العربية أهمها مصر والسودان ولبنان والأردن.
المنطقة النقدية العربية الأخرى هي منطقة اليورو التي تشمل المغرب وتونس والجزائر وليبيا. وتتميز هذه المنطقة عموما بانخفاض معدلات التضخم وأسعار الفائدة. وتشير أحدث الإحصاءات إلى أن متوسط التضخم السنوي حتى نهاية الشهر الماضي، طبقا لتقديرات صندوق النقد الدولي، بلغ 9.8 في المئة في تونس و3.5 في المئة في المغرب، و6.8 في المئة في الجزائر. وبمقارنة ذلك بدول منطقة الدولار العربية نجد فروقا هائلة تتراوح بين معدل التضخم في السعودية البالغ 2.2 في المئة، وفي مصر البالغ 32.2 في المئة. ونظرا لأن البنوك المركزية في المنطقتين تستخدم أسعار الفائدة أساسا لكبح التضخم وليس لتنظيم الدورة الاقتصادية، فإننا نلاحظ أن المستوى العام لأسعار الفائدة في دول منطقة الدولار تتبع خط مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، باستثناء الدول ثقيلة المديونية مثل مصر، في حين أن دول منطقة اليورو العربية تتبع خط البنك المركزي الأوروبي بشكل عام، مع وجود علاوة مخاطرة ترفع أسعار الفائدة عنها في دول الاتحاد الأوروبي. ويبلغ سعر الفائدة على الدينار التونسي حاليا 8 في المئة، وعلى الدرهم المغربي 3 في المئة. وعلى الدينار الجزائري 3 في المئة.
مكافحة الركود والاختلالات الهيكلية
بسبب تنحية دور البنك المركزي عن تنظيم الدورة الاقتصادية في مجملها، والتركيز فقط على كبح التضخم؛ فإن متوسط معدل النمو للولايات المتحدة هبط إلى النصف مقارنة بما كان عليه عام 2000 وكذلك الحال ولكن بشكل أسوأ في الاتحاد الأوروبي وبريطانيا. على سبيل المثال فإن إيطاليا لم تحقق نموا في الناتج المحلي للفرد منذ عام 2007 حتى الآن. ويقول جون كوكرين أستاذ الاقتصاد في جامعة ستانفورد أن إحياء النمو في الأجل الطويل يتطلب أولا وقبل كل شيء تبني سياسة اقتصادية تركز على أولويات العرض، والكفاءة، والإنتاجية، وتحفز على تحقيق النجاح في إحياء النمو المرتفع في الأجل الطويل. هذا يعني الانتقال من النظرة قصيرة الأمد في إدارة الاقتصاد إلى النظرة الطويلة الأجل. بمعنى آخر فإن كوكرين يطالب صانعي السياسة الاقتصادية بأن يفكروا بمنطق آخر غير منطق مديري الشركات المالية التي تستهدف تحقيق الربح في الأجل القصير سنة بسنة، بأقصى قدر يساعد على زيادة أسعار أسهم تلك الشركات في البورصة، وتعزيز قدرتها على التمويل بتكلفة أقل. ويحذر كوكرين من إفراط الحكومات في الاستدانة بمنطق أنه لا يوجد سقف للطلب الحكومي على الاقتراض طالما يجري اعتبارها ديونا «سيادية». ونبه إلى أن زيادة الدين تدفع أسعار الفائدة إلى أعلى كما أنها ترفع التضخم. وأضاف كوكرين معيارا مهما يقضي بألا تقترض الحكومات إلا بمقدار استطاعتها أن تحصِّل في الوقت نفسه إيرادات ضريبية مقابلة لاحتياجات خدمة التوسع في الاستدانة.
الأسوأ في منطق استخدام سياسة أسعار الفائدة للتحكم في جانب الطلب كما يقول جون كوكرين هو أن الحكومات في الدول الصناعية فقدت قدرتها المالية المطلوبة للرد على الصدمات المفاجئة. وذكر أن حكومة الولايات المتحدة التي أنفقت في مواجهة تداعيات كورونا 5 تريليونات دولار، قد تواجه في صدمة تالية تكلفة تصل إلى 10 تريليونات تسبب مزيدا من الاضطراب الاقتصادي والمديونية. وحذر من المبالغة في الإنفاق الحكومي سواء على مشروعات تحسين المناخ، وأن يتم ذلك داخل إطار محكوم باعتبارات الجدوى والكفاءة، قائلا إن اليسار السياسي يطالب بإنفاق تريليونات في دعم هذه المشاريع، في حين أن اليمين يطالب هو الآخر بتخصص موارد هائلة لدعم الصناعة ضد المنافسة وحمايتها. كوكرين أوضح في استنتاجاته من دراسة خصائص ظاهرة التضخم في العالم حاليا أن سياسات وأدوات البنوك المركزية ليست صالحة تماما وحدها للسيطرة على التضخم. وحذر من الإفراط في الاعتماد على التمويل الحكومي المَدين، وتنفيذ سياسات فقيرة العائد أو تجربة أفكار لم يتم اختبارها. بمعنى آخر فإنه دعا إلى اتباع سياسة اقتصادية تقوم على المعرفة، ليس على المصالح الضيقة والأهداف الشخصية للحكام، وأن يتم استخدام سياسة أسعار الفائدة على النحو الصحيح في تنظيم الدورة الاقتصادية على جانبي العرض والطلب، وليس في تنظيم الطلب فقط.