أسعار النفط ترتفع بنسبة 60 في المئة واستقرار السوق يتوقف على الالتزام بتخفيضات الإنتاج

إبراهيم نوار
حجم الخط
1

سجلت أسعار النفط خلال أيار/مايو زيادة بنسبة 60 في المئة عما كانت عليه في نيسان/أبريل من العام الحالي، وهو الشهر الذي شهد انخفاضا تاريخيا في الأسعار، وهبط فيه سعر خام القياس الأمريكي إلى قيمة سالبة. متوسط الأسعار اليومية لخام القياس العالمي برنت خلال معاملات أيار/مايو بلغ 29.38 دولار للبرميل مقابل 18.38 دولار في نسان/أبريل بزيادة 11 دولارا. ومع ذلك فإن متوسط أيار/مايو كان أقل بنسبة 42 في المئة مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي.

كذلك شهد الاسبوع الأول من الشهر الحالي ارتفاع أسعار النفط إلى أعلى مستوى منذ انفجار حرب الأسعار بين السعودية وروسيا في 6 اذار/مارس الماضي، إذ تجاوز خام برنت عتبة 40 دولارا للبرميل. ومع ذلك فإن السوق تتعرض لضغوط لعدة عوامل، أهمها القلق بشأن مدى التزام دول أوبك وشركائها بتخفيضات الإنتاج المقررة في اتفاق نيسان/أبريل الماضي بكمية تبلغ 9.7 مليون برميل يوميا، ومنها أيضا، الطلب على الوقود في الولايات المتحدة، والطلب على النفط الخام في الصين. ونظرا لعدم اليقين بشأن اتجاهات الطلب في الأجل القصير، فإن العامل الأكثر أهمية في تحديد الأسعار في الوقت الحالي يتمثل في كمية العرض أو الإمدادات المتاحة، ومدى التزام أوبك وشركائها بتخفيضات الإنتاج المتفق عليها.

وتشير تقديرات المتابعة التي تعدها وكالات مثل رويترز وبلومبيرغ إلى أن السوق ما تزال حتى الآن تعاني من وجود وفرة في المعروض النفطي بكمية تصل إلى 3 ملايين برميل يوميا. هذا الفائض في العرض سيستمر في الضغط على الأسعار. لكن هذا الضغط سيحد منه التزام الدول المشاركة في اتفاق نيسان/أبريل بتخفيضات الإنتاج المقررة لشهري أيار/مايو وحزيران/يونيو بكمية تبلغ 9.7 مليون برميل يوميا. إذا تعاونت هذه الدول في الالتزام فإن الأسعار قد ترتفع في المتوسط إلى ما يتراوح بين 35 إلى 40 دولار للبرميل في حزيران/يونيو الحالي، بشرط وضوح الموقف بعد نهاية الشهر.

لكن مؤشرات الالتزام بالتخفيضات كما تم رصدها فعلا، تثير قدرا كبيرا من المخاوف لسببين؛ الأول هو أن نسبة الالتزام العام بالتخفيضات تتراوح بين  75 إلى 85 في المئة نتيجة لعدم التزام عدد من الدول مثل العراق ونيجيريا وأنغولا و كازاخستان، وهذه هي أهم المعضلات التي يواجهها اتفاق أوبك وشركائها في الأجل القصير. ولذلك فإن التشديد على أهمية الالتزام بالتخفيضات، والضغط على الدول التي تهاونت في ذلك سيظل هو الموضوع الرئيسي للنقاش داخل لجنة مراقبة السوق التي تتابع تنفيذ الاتفاق، وفي المشاورات بين وزراء المجموعة ككل. أما السبب الثاني فهو أن التخفيضات التي شهدتها السوق خلال أيار/مايو تضمنت تخفيضات طوعية من جانب السعودية والكويت والإمارات بكمية بلغت 1.18 مليون برميل يوميا، وتقول الدول الثلاث أنها لا تعتزم الاستمرار في تقديم هذه التضحية للسوق. إن مجرد توقع زيادة كمية المعروض في السوق بهذه الكمية من الإنتاج اليومي سوف يترك أثره مقدما على الأسعار في الشهر الحالي. ولذلك فإنه حتى مع الالتزام الكامل بالتخفيضات، تتوقع السوق زيادة العرض بكمية تبلغ 1.18 مليون برميل على الأقل. وربما يمكن امتصاص هذه الكمية بدون التأثير سلبا على الأسعار في حال حدوث زيادة مكافئة في الطلب.

حل وسط

في الوقت الحاضر يمثل التفاهم بين روسيا والسعودية حجر الأساس لاستقرار أسواق النفط. وقد بادرت روسيا منذ أواخر أيار/مايو في إجراء اتصالات بالسعودية من أجل الاتفاق على ترتيبات بخصوص تمديد الالتزام بالعمل بالتخفيضات الحالية إلى ما بعد حزيران/يونيو. وتميل روسيا إلى تقييم حالة السوق شهرا بشهر، واتخاذ القرار النهائي بشأن كمية التخفيضات على ضوء كمية الطلب. وعلى هذا الأساس فإن ألكسندر نوفاك وزير الطاقة الروسي اقترح أولا أن يتم تمديد العمل بتخفيض الإمدادات العالمية بكمية 9.7 مليون برميل يوميا حتى الأول من آب/أغسطس. وكان نوفاك قد عقد اجتماعات في موسكو مع رؤساء شركات النفط الروسية لمناقشة الحالة في السوق وطبيعة التزامات الشركات تجاه عملائها، ومنهم عملاء عمالقة مثل شركة جلينكور العالمية لتجارة المواد الأولية والنفط. وطبقا لما تسرب من أنباء عن هذا الاجتماع فإن شركات النفط الروسية ترى أن الطلب يتحسن بسرعة، وأنها لا يجب أن تلتزم بالتخفيضات الحالية لمدة طويلة، نظرا لالتزامها بتلبية طلبات عملائها، مع إعادة تقييم الموقف شهريا.

وبناء على ذلك فإن نوفاك اقترح على الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير النفط السعودي في اتصال هاتفي، تمديد العمل بكمية التخفيضات المقررة في المرحلة الأولى من اتفاق نيسان/أبريل (9.7 مليون برميل يوميا) لمدة شهر واحد فقط بعد الأجل المقرر لانتهائه، وبعد ذلك يتم تقليل التخفيضات إلى 7.7 مليون برميل يوميا حتى نهاية العام الحالي، مع تأكيد الاتفاق بشأن كمية التخفيضات المقررة في العام القادم بنحو 5.8 مليون برميل يوميا حتى نهاية نيسان/أبريل 2022.

السعودية التي تخشى من احتمال انهيار الأسعار مرة أخرى كانت تميل إلى تمديد العمل بالتخفيضات الحالية إلى نهاية العام، مع الاستعداد لإعادة النظر في التخفيضات المقررة لفصل الخريف على ضوء ظروف الطلب. ويسود لدى المتعاملين في السوق اعتقاد بأن المشاورات بين روسيا والسعودية ربما تسفر عن حل وسط، يتمثل في تمديد الالتزام بتخفيض كميات الإنتاج بمقدار 9.7 مليون برميل يوميا لمدة شهرين، وهو ما يمكن أن يمثل أساسا جيدا لاستقرار السوق بشرطين، الأول هو الالتزام الصارم بالتخفيضات، والثاني هو تعافى الطلب العالمي خصوصا في الصين والولايات المتحدة.

وتشير تقديرات الطلب على النفط في الصين، حسب تقرير لمؤسسة وود ماكينزي للاستشارات، إلى أن شركات مصافي النفط هناك رفعت طاقتها الإنتاجية بسبب الزيادة في الطلب على المشتقات النفطية إلى مستويات أعلى بكثير عما كانت عليه في الشهر السابق، وأن الطلب على النفط الخام خلال الربع الثاني من العام (مارس-مايو) قد ارتفع بنسبة 16.3 في المئة عما كان عليه في الربع الأول ليسجل 13 مليون برميل يوميا. ومن المتوقع أن يستمر الطلب على النفط في الارتفاع خلال النصف الثاني من العام ليصل إلى 13.6 مليون برميل يوميا مع ارتفاع نسبة التشغيل في المصافي إلى ما يقرب من 80 في المئة من طاقتها الإنتاجية مقارنة بـ 42 في المئة فقط في شباط/ فبراير.

وتتمتع أوبك والدول الشريكة لها بمزايا القدرة على مواصلة الإنتاج بالمستوى الحالي للأسعار، بسبب انخفاض التكاليف، مقارنة مع المنتجين ذوي التكلفة المرتفعة الذين خرجوا فعليا من السوق، أو هم بصدد تخفيض الإنتاج لتقليل حجم الخسائر التي يسببها المستوى الحالي لأسعار النفط في السوق. ففي منطقة الجرف القاري الذي يضم حقول بحر الشمال في بريطانيا، أصبح الإنتاج غير مجد اقتصاديا لما يقرب من ثلث المخزون المتبقي في باطن الأرض. وهذا من شأنه أن يزيد الطلب الأوروبي على النفط من أوبك وشركائها خصوصا الجزائر وليبيا وروسيا. كذلك الحال في الولايات المتحدة، حيث تتوقف عن الإنتاج عشرات الآبار المنتجة كل شهر بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج.

ومع ذلك، فإن ارتفاع الأسعار هو سلاح ذو حدين بالنسبة للدول المشاركة في اتفاق نيسان/أبريل 2020 من أوبك وغيرها. إن ارتفاع متوسط الأسعار إلى أعلى من مستوى 50 دولارا للبرميل من شأنه أن يعيد تشغيل آلات الحفر ومعدات استخراج النفط في الولايات المتحدة وكندا وبحر الشمال، وهو ما يهدد حصة أوبك في السوق. وعلى الرغم من أن بعض المغامرين العاملين في التنقيب عن النفط الصخري يحاولون استخدام تقنيات متقدمة لتخفيض تكاليف الإنتاج، فإن احتمال إغراق السوق بالنفط الرخيص مرة أخرى يمثل تهديدا يحول بينهم وبين القدرة الفعلية على إحداث توسعات قد تتسبب في خسائر لاحقة إذا تجددت حرب الأسعار.

ولهذا السبب فإن الفارق بين أسعار خام القياس الأمريكي (ويست تكساس) وبين خام برنت البريطاني قد انخفض إلى أقل مستوى منذ نيسان/أبريل الماضي، بسبب تراجع كميات الإنتاج في الولايات المتحدة، وعلى وجه الخصوص إنتاج آبار النفط الصخري، بنسبة تتراوح بين إلى 70 في المئة. وفي حال ارتفاع الطلب على وقود السيارات والطائرات ووسائل النقل خلال موسم الإجازات فإن ذلك سيساعد على زيادة تماسك الأسعار على المستوى العالمي، وهو ما يتطلب آلية دائمة مرنة للتعامل مع السوق من جانب أوبك إذا هي اختارت أولوية المحافظة على نصيبها في السوق.

الكرة حتى الآن ما تزال في ملعب أوبك وشركائها، حيث أن المحرك الرئيسي للأسعار هو العرض وليس الطلب. تجديد الالتزام بتخفيضات الإنتاج وتمديد العمل بها خلال فصل الصيف بأكمله من شأنه أن يرفع الأسعار إلى حدود 50 دولارا للبرميل، لكن الخلافات والتهاون وعدم الالتزام يمكن أن يضغط على الأسعار إلى أسفل خلال الأسابيع المقبلة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية