أســرح وفكري معاه!
عزت القمحاويأســرح وفكري معاه!لا أعرف كم مرة وضع عم حسين السائق في طريقنا من أو إلي الجريدة كاسيت أم كلثوم، كمن يقدم هدية.ـ أنا عارف إنك بتحب الست.ورغم أنني أحب الست فعلاً، فمن الصعب أن أقول له إن الوقت قد لايكون مناسباً رغم هذا الحب، كما إنني أعرف أن رفضي لن يغير من الأمر شيئاُ. وهكذا فإنه يتخذ من موافقتي المذعنة مبرراً لرفع الصوت إلي آخر مدي؛ فهو لا يتطلع فقط إلي مشاركتي السماع، بل مشاركة كل جيراننا في السيارات التي تزحف معنا بلا أمل في الوصول إلي أي مكان. ودائماً هو الكاسيت نفسه الذي يحمل الأغنية الجميلة حقاً عودت عيني ودائماً ما تصل الست إن عاجلاً أو آجلاً إلي مناجاة الحبيب: واسرح وفكري معاك فيرفع العم حسين الصوت أكثر وتعيد الست كلامها وتزيد أشجانه، ويعرب عن دهشته كما في المرات السابقة: اسمع، اسمع ماذا تقول؟! واسرح وفكري معاك شايف الإعجاز اللغوي! إزاي بقي؟ إزاي الواحد يسرح ويكون لسة فيه عنده فكر إزاي؟!يترك عجلة القيادة ليخض السؤال بكلتا يديه ويصيب السائقين الآخرين بالفزع من السيارة التي تهم بتقبيل سياراتهم. وكنوع من المشاركة الوجدانية أجدني متورطاً في تقديم قراءة نقدية للنص لأصل معه إلي الحل الذي وصلنا إليه مراراً: كان يجب عليه أن يقول: واسرح بفكري معاك. ثم أحاول الدفاع عن الشاعر الذي تنازل عن قناعاته اللغوية وكتب العامية خصيصاً من أجل عيون الآنسة المحبوبة أم كلثوم، فلماذا لايكون الخطأ المنطقي في البيت من صنع أم كلثوم نفسها بما كان معروفاً عنها من تدخل في الكلمات؟ أقول: يمكن رامي كتبها كده، لكن الست غيرتها.يقول: يمكن!ولا يبدو عليه أنه مقتنع بهذا التحليل الذي يبطل سحر الإعجاز الذي يؤمن به.وفي كل مرة كنت أحاول أن ألعب معه هذه اللعبة، لعبة إبطال السحر، وفي كل مرة كان يدافع عن معجزة مطربته، وربما عن معجزته هو الذي اكتشف هذا الخطأ الفادح، لكنني هذه المرة لم أكن معه، ولم أحاول أن أجد أي عذر للشاعر.كنت أسرح وفكري بعيد عن عم حسين وعن رائعة أحمد رامي وأم كلثوم والسنباطي، كان هناك إعجاز لغوي مختلف، ولم أعرف كيف السبيل إلي إشراك السائق الطيب في الإيمان به. كان الرئيس قد ألقي خطاباً في عيد العمال، مبكراً بعدة أيام كما اعتاد أن يفعل في السنوات الأخيرة في كل المناسبات الوطنية والاجتماعية (لايغير الرئيس مواعيد الاحتفالات الدينية لحسن الحظ). علي كل حال كنت أتأمل الإعجاز اللغوي في الخطاب، وهو كثير، مثل: لن نتخلي عن الفئات محدودة الدخل وسنواصل تقديم الدعم إليها وتطويره . ووجه الإعجاز في العبارة ليس فقط كونها تتكرر دائماً طوال ولاية الرئيس المديدة، علي لسانه وعلي ألسن رؤساء وزاراته، أو أنها عمّرت جمهوريتين متتاليتين، حيث كان الرئيس السادات ـ الله يرحمه ـ يقولها من قبله، لكن وجه الإعجاز الأهم في العبارة أنها علي بساطتها تنفتح علي التأويلات ككل نص خالد، وتنطوي علي غني في المعني رغم أنها تتعلق بالفقراء! عدم التخلي عن الفئات محدودة الدخل، قد يعني المساعدة والمؤازرة، مثلما يعني الملاحقة بمزيد من الإفقار، كما أن عدم تحديد الفئات محدودة الدخل يتيح انفتاحاً آخر للمعني نمت بفضله وترعرعت الفئات التي يشملها هذا الوصف. وبينما أطلق في البداية علي فئة أصحاب المهن الهامشية البسيطة، فقد أصبح التعبير الآن يتسع لكل المواطنين بما في ذلك أصحاب المهن العليا في المجتمع، بمن فيها الأطباء والصحافيون وأساتذة الجامعة وحتي القضاة، أي باختصار: مساواة حقيقية تجمع كل من ليس لصاً في مصر!حقوق العمال ومكتسباتهم مصانة أيضاً، والاقتصاد الوطني استرد عافيته، والاستثمارات في تزايد، وغير ذلك هناك الكثير من آيات الإعجاز اللغوي تضمنها خطاب الرئيس كما تضمنتها خطاباته السابقة، لكن الجديد في هذا الخطاب كانت الدعوة البليغة والمؤثرة حقاً التي وجهها الرئيس إلي قضاة مصر: أنتم سدنة العدالة وحماة القانون.. آمل أن تخلصوا فيما بينكم إلي كلمة سواء.. تصون مصالح الوطن وتعزز ما نحرص عليه من استقلال القضاء، وتحفظ لرجاله هيبتهم ومكانتهم الرفيعة في قلوبنا . بهذا الإعجاز اللغوي صار الرئيس وصار النظام كله مراقباً محايداً لخناقة واختلاف في وجهات النظر وسفسطة بين القضاة أنفسهم! وكأن القضاة في كوكب مستقل، والمشكلة تخصهم وحدهم وتحلها الكلمة السواء، ولا تحتاج إلي سلطة أخري تشرع القانون وثالثة تنفذه. وإذا كان للقضاة هذه الهيبة والمكانة الرفيعة في قلب الرئيس فمن غير المعقول أن يقدم ضابط أو مجند مصري علي إهانة القضاة إلي حد ضرب أحدهم بالحذاء، ولابد أن من فعل هذا متسلل من شرطة بوركينا فاسو، وهذا هو الإعجاز الأمني!0