أسلوب ورقة التوت

حجم الخط
0

حسن بن عثمان

هذه ليست قراءة في لوحات المعرض الأول للفنانة التشكيلية التونسية الشابة إكرام مهنّي في فضاء الحبيب بوعبانة الذي يديره الهاشمي غشام، وذلك خلال النصف الثاني من نهاية عام 2006، وهي نهاية صارت مشرقة بفعل توقيع فنانة شابة. وكم هو رائع حين يلتقي الفن مع الشباب في لحظات نادرة وفي توديع زمن مغلق مشرف علي نهايته، نصطلح علي تسميته سنة مثلا. هذه تأملات أو تفاعلات لغوية مع لوحات ورسومات غير مهادنة ولا ساذجة. رسومات لها سطوة ولها صدي عميق بحيث جعلت الثعابين والأفاعي والسماسرة والغاوين يخرجون من جحورهم ومن بياتهم الشتوي، ومن مؤامراتهم الصغيرة، ومن عطالتهم، ومن ريْبَتهم، دون أن يخرجوا من عدوانيتهم وحقدهم الأزلي علي الحياة ومقترحاتها الفنية وغير الفنية.

هل ثمة حياة بلا عري؟ بلا غواية؟

بلا ورقة توت؟

أين ورقة التوت؟

لعلها غابت في النتوءات والتشققات والفجوات والتعرجات والتلوينات.

رسومات لا تعترف بشيء لدي إكرام مهنّي، حتّي بورقة التوت.

ماتت ورقة التوت.

أكلها اللون. أكلها الحجم. أكلها الإصرار. أكلتها الحركة الثابة الباسلة، حركة فيها التهوّر وفيها الاندفاع والحكمة، كما لو أنها أبدية في ثباتها. أكلها الفضاء، ولم يأكلها الوقت الذي يشتاق كل فن أن يكون في مطلق زمانه. الموت، أو الزمن، زمن اللوحة، أكل ورقة التوت. حين حضرت الفنانة الشابة جعلت الموت شيئا مشيئا، جعلت الموت يموت، حتّي لا يتمكّن من أكل التوت. أكل الورقة. ورقة فقط. لكن لم تسمح له أن يأكل ثمرة واحدة من ثمار التوت. وكان سرّها في ذلك تميمة التعرية. رسمت رسومات عارية فزغ منها الموت. مرّة عرّت الرسومات الأنثوية، ومرّة عرّت اللوحة من الرسومات وأبقت بعض اللطخات والتكوينات العارية من المعني والمليئة بالحيرة. تعرّت الرسومات لتكون هي التوت وأوراق التوت.

رسومات في حياة؟

بل هذه حياة. هذا عراء حقيقي. عراء أوّل ليس فيه أدني عورة.

عراء لا دنس فيه، لا بذاءة، لا ابتذال، لا سفاهة ولا قبح. كما ليس فيه طهر ولا تقوي ولا قداسة ولا تبتّل. عراء مثل العراء.

تشبيه الماء بالماء.

فيه الشهوة، نعم. وفيه الإغواء ووعود بالروعة والرعب.

حين يتعرّي الجسد البشري، في الواقع، يتذكّر الماء أو يتذكّر الفراش. يحنّ إلي النظافة والطهر أو يكون حنينه للجنس. أما حين يُعرّي من قبل الآخرين فغالبا ما تكون التعرية إما معالجة أو تعطيبا للجسد وانتهاكا له، سواء بتعذيبه المادي أو الرمزي، بالاعتداء عليه أو بالمتاجرة به. لا جمال للعري إنما له وظيفة. العري أخرس لا يتكلّم. يتحرّك نعم، ويُصدر أصوات وكلمات دون نسق لغوي، بل لعل نسقه شكلي تكويني. العري يلغي وظيفة اللغة، لأنه يستحوذ علي الوظائف كلّها، ولا يرضي إلاّ بأن تتم معاملته مباشرة ودون وسيط. لم يكن العري يوما طفولة بل هو تنهيدة أو صراخ.

العري يستحي من الحياة مثلما يستحي من الموت. ثمة القماطة منذ البداية وثمة في النهاية الكفن. قماطات الثقافة في البداية وفي النهاية.

هل ثمة رسومات ترتدي ملابس؟

طبعا. طبعا. بل ثمة الكثير من القماطات. الكثير من الرسومات ترتدي الحجاب ومنها من يرتدي النقاب وأغلبها يهدد بالموت والعقاب، أو من يَعدُنا منها بحسن العاقبة وبالثواب. كلّها من عمل من كان لهم عمل في الحياة دون أن يُوفُوه حقّه.

لكن الفن كان دائما عمل من لا عمل له.

كان دائما هو العمل. مطلق العمل. مسألة مجانية شأنه شأن الحياة وشأن الموت أيضا، لكن بلا ورقة توت، إنما بقماط أو كفن، بمشيئة الثقافة التي يرغمها الفن الحقيقي أن تتقبل عراءه.

وتذكرنا، إكرام مهنّي، علي يفاعتها و”صغر سنّها” بالفن جامحا ومجانيا وعاريا. ذكاؤها الفني يعود إلي شباب عمرها الذي وضعها في مواجهة نفسها، وليس في مواجهة أحد، لتتعرف علي بديهتها الصائبة والصعبة. التي بقدر ما تثير الدهشة تثير الشفقة من هذه الموهبة التي ألمّت بالرسامة. التفت إلي ما يخصّها بصفتها صاحبة جسد وتحررت من كل الأوهام، متسلحة بالدهشة والبراءة والاحتفاء والشباب.

رسوماتها تحلم بامرأة عارية. امرأة لها قدمان صغيرتان في حذاء جلدي كبير، برغم الفائض الفيّاض في مخيلتها لتكويرات الأنثي وفجواتها.

في رسوماتها ثمة الكثير من تفاصيل المرأة، لكن ليس ثمة امرأة ولا رجل، كمقترحين جنسيين أو اجتماعيين، ولا كالتقاء منظور وحسيّ. ثمة خصوبة الأنثي بصفتها الأنثوية المنزهة من الشهوات والنزوات والمراودات والمرضعات، وأكاد أقول من الحياة. يا لحظّها الابداعي. يا لملاكها الملهم. يا للعذاب الذي لا يعرف عقابا ولا ثوابْ. (ثوابا). ثقافة العين تخاف العري. لماذا؟

هل لأن العري يسفّه الثقافة ويلغيها. العري ليس بحاجة إلي الثقافة، إلي أي نوع من أنواع الثقافة. هل أن العري هو الطبيعة في عنفوانها حيث لا ترغب في أن يسترها شيء. في أن يشوّهها شيء. في أن لا يلتصق بها وفيها شيء إلاّ ما هو من جنسها ومن نوعها. العري لا يطلب ولا يمكن أن يتفاهم إلاّ مع العريّ.

العري ليس فنّا وليس طبيعة، بل لعلّه أسلوب مسلوب من الحياة. أسلوب!

روائي وقاص من تونس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية