ربما لا يأتي هذا الموضوع إلى ذهن أحد. لكنه في الحقيقة مسألة تحتاج إلى بحث اجتماعي. معروف أن الآباء يطلقون عادة أسماء المشاهير على أبنائهم. فضلا عن التقليد العادي من إطلاق أسماء العائلة.. الأجداد والجدات.. الأعمام والخالات.. كذلك أسماء الأولياء.
ففي الإسكندرية مثلا شاع اسم «مرسي» تيمنا بالمرسي أبو العباس الولي الصوفي المولود في مدينة «مرسية» في الأندلس، الذي وفد إلى الإسكندرية في القرن الثالث عشر الميلادي، والذي يقع ضريحه في المسجد الذي يحمل اسمه في حي الأنفوشي. وشاع اسم «قباري» تيمنا بسيدي القباري، الذي هو محمد بن منصور بن يحيي القباري السكندري الأصل ويقع ضريحه ومسجده في حي القباري الذي حمل اسمه.. وكذلك شاع اسم «جابر» تيمنا بسيدي جابر أو جابر بن إسحاق بن إبراهيم الأنصاري، الذي يقع ضريحه في المنطقة التي تحمل اسمه، كما تجد كثيرا اسم «بشر» تيمنا بسيدي بشر، وهكذا يمكن أن تجد أسماء الأولياء تتكرر في مدن كثيرة. أما الحسن والحسين فهما اسمان شائعان في مصر كلها، بدون الألف واللام أعني حسن وحسين. مصر سنية المذهب لكنها شيعية الهوى من زمان. تماما كما شاع اسم «زينب» تيمنا بستنا زينب أخت الحسن والحسين على طول التاريخ.
لكنني سأتوقف هنا عند أسماء المشاهير من السياسيين، لأتحدث عن بعض الأسماء التي شاعت في مصر في القرن العشرين وحتى الآن. أول الأسماء التي أخذت مساحة كبيرة هو اسم سعد، تيمنا باسم سعد زغلول. كثير من المولودين حملوا هذا الاسم بعد ثوة 1919 وبعد وفاة سعد زغلول. ولم يتوقف الأمر عند مدينة واحدة. وشاع قبله اسم مصطفى تيمنا باسم الزعيم مصطفى كامل. فضلا طبعا عن أنه أحد اسماء النبي محمد. فهو النبي المصطفى، لكن مصطفى كامل، أعطى الاسم نكهة سياسية استمرت مع سعد وبعده. أكثر الأسماء السياسية التي شاعت بعد ذلك كان اسم جمال، تيمنا باسم جمال عبد الناصر. قبل ظهور جمال عبد الناصر كانت أسماء البنات غالبا تكون صفية تيمنا بصفية زغلول أو فريال أو فوزية أو نازلي أو ناريمان، تيمنا باسماء العائلة المالكة، أو هدى تيمنا بهدى شعراوي.
هذه الأسماء كانت موجودة من قبل، لكنني أقصد الانتشار والاتساع، المهم أنها كانت كلها أسماء حميمة سهلة ليست غريبة علينا، تستطيع أن تضيف إليها اسم فاطمة القديم جدا تيمنا باسم ابنة الرسول، وعائشة زوجة الرسول، وكذلك اسم ليلى تيمنا بحكاية قيس وليلى، وطبعا زينب. المهم الذي أريد أن أركز عليه في حديثي هو سهولة الأسماء. بعد ثورة يوليو/تموز كثير من الناس أطلقوا الاسم المركب جمال عبد الناصر على أبنائهم ناهيك من اطلقوا اسم جمال أو عبد الناصر وحده. كان جمال عبد الناصر هو أكثر الرؤساء الذين انتشر اسمهم. لم ينتشر اسم السادات مثلا، رغم وجود أكثر من عائلة قديمة تحمل الاسم نفسه. ولا أنسى يوما عام 1973 جئت بعد وفاة والدي إلى إدارة المعاشات في القاهرة، حيث لم يكن فيها فرع في الإسكندرية، وكان يعمل فيها الكاتب الرائع المرحوم عبد الحكيم قاسم، ذهبت إليه لأختصر عملية تحويل معاش أبي إلى أمي، رحمها الله في ما بعد.
بعد ثورة يوليو/تموز كثير من الناس أطلقوا الاسم المركب جمال عبد الناصر على أبنائهم ناهيك من اطلقوا اسم جمال أو عبد الناصر وحده. كان جمال عبد الناصر هو أكثر الرؤساء الذين انتشر اسمهم.
جلست مع عبد الحكيم قاسم الذي كنت أعرفه وأحبه حبا كبيرا، بسبب روايته «أيام الإنسان السبعة» وكان هو قد قرأ لي بعض القصص القصيرة القليلة التي نشرتها. فوجئت أنه وزملاءه الموظفين ينادون عاملا يقدم إليهم الشاي ويشتمونه أو يسخرون منه. كان العامل يحمل اسم السادات، وبالطبع من قبل أن يصبح السادات رئيسا أو حتي يعرفه أحد. كان الرجل متوسط العمر، ومن ثم يحمل الاسم من قبل ثورة يوليو.. تعال ياسادات يا… هات شاي يا سادات يا… وهكذا في كل مرة ينادونه يقترن اسمه بالهجاء، ما أدهشني جدا فسألت عبد الحكيم لماذا هذه السخرية من الرجل. ضحك وقال أنهم «يشتمونه لانهم لا يستطيعون أن يشتموا الرئيس السادات. حظه وحش حنعمل إيه». ضحكنا طبعا لكن دهشتي لم تنته. أكثر ما أدهشني في الأسماء هو اسم «هنادي» للبنات. هنادي بالتأكيد اسم جميل نادر، لكنه شاع جدا بعد فيلم «دعاء الكروان» الذي حملت فيه زهرة العلا اسم هنادي، والذي تعرضت فيه إلى الاغتصاب من المهندس أحمد مظهر، الذي ذهبت فاتن حمامة لتعمل عنده لتنتقم لأختها لكنها وقعت في حبه. شاع اسم هنادي بطريقة ساحرة، رغم أن هنادي تم اغتصابها في الفيلم. هذا التعاطف الإنساني رائع جدا يوضح لك إلى أي مدى يتعاطف المصريون مع الأبرياء، كما يتعاطفون مع الزعماء والأولياء. باختصار يتعاطفون مع أصحاب الروايات العجائبية، أو الضحايا للظلم كما يتعاطفون مع أسماء الأقوياء.
كان الاسم الذي شاع إلى حد كبير جدا أيضا بين الذكور هو اسم «شادي». لم يكن اسم شادي منتشرا في مصر رغم وجود عائلة تحمل اسم أبو شادي. لكن اسم شادي انتشر في مصر كلها بعد أن غنت فيروز أغنيتها العظيم «أنا وشادي» عام 1968 في ذكري مرور عشرين عاما على نكبة فلسطين.
شادي الذي ضاع حمل الآلاف من المصريين اسمه، وهذا يؤكد ما قلت من تعاطف المصريين مع الأبرياء أصحاب القصص الجميلة، تماما كما يتعاطفون مع أسماء الأبطال والأولياء. منذ منتصف السبعينيات هلت علينا الأسماء من الجزيرة العربية مع الغزو الوهابي، بعضها اسماء نعرفها مثا محمد اسم النبي الكريم، الذي حدث فقط أن الاسم زاد انتشارا حتى صارت فصول المدارس تقريبا أكثرها يحمل الاسم. اختار المصريون من بينها اسماء جميلة اتسعوا فيها مثل عمر وعمرو للبنين وأريج للبنات، لكن أسماء أخرى لم نكن نتداولها انتشرت، ليس لي أي وجه انتقاد لها، إلا أنها أحيانا تكون صعبة النطق على المصريين أو لم يتعودوا عليها من بينها شاع اسم غريب جدا هو اسم «ريتاج»، أضافوا إليه حرف الياء والرتاج هو الباب المغلق وقالوا إنه باب الكعبة. ومادام هو مقترنا بالكعبة المشرفة فقد حملته بنات كثيرات. لقد دخلت مرة في نقاش مع أب أطلق الاسم على ابنته وحاولت أن أفهمه معنى الكلمة كباب مغلق لكنه لم يقتنع ولم يفكر في تغيير اسم ابنته. وهكذا صار النقل من الجزيرة العربية عشوائيا في كثير من الحالات، أو غير متسق مع لهجاتنا المصرية. أيضا شاعت بعض الأسماء الفلسطينية مثل زياد وإياد. زياد بالذات زاد كثيرا الآن ووصل إلى البسطاء الذين لا يعرفون أنه منتشر في فلسطين والشام فهو اسم عربي في النهاية لكنه جميل موجز. اسم «ريتاج « للبنات صارت تحمله أحيانا بعض المحلات باعتباره اسم من الكعبة ويطلقونه على البنت الجميلة، التي كانت تحمل أجمل الاسماء مثل فاطمة وهدى وليلى وزينب وفريال وأضيف إليها هنادي ولا أحد يقتنع أنه باب مغلق.
٭ روائي من مصر