ومما كان، قبل سنوات وقبل إقامتي في بلجيكا وذات موقع رسمي، أن كنا في زيارة رسمية إلى كوبنهاغن عاصمة الدانمرك.. وعلى هامش الزيارة وفي جولة خاطفة في المدينة برفقة مرافقنا الرسمي، توقفنا أمام باحة قصر صغير في المدينة، ليخبرنا دليلنا أن القصر هو قصر الملكة مارغريت الثانية.
من قبيل المزاح السمج ضمن عاداتنا التقليدية، سألت المرافق، ماذا يحدث لو قمت بضرب جرس الباب الآن؟ (وكان الوقت مساء متأخرا).. فرد الدانماركي علي بكل هدوء وثقة وجدية: طبعا، ستفتح الملكة الباب، وبانزعاج المستيقظ من نومه ستسألك: بماذا يمكن أن أخدمك؟
طبعا، صعقني الجواب وأدهشني حجم الجدية في كلام الرجل، لأستدرك دهشتي بسؤال حول الخدم والحشم فيجيبني الرجل بأنهم موظفون لهم ساعات دوام محددة وقد غادروا، وأن الملكة نفسها تعمل ولديها وظيفة في دار نشر مهمة في كوبنهاغن!
القصة كلها تداعت الى ذاكرتي حين شاهدت الفيديو لمجموعة من الأصوليين والمتطرفين المقيمين في الدانمرك، وهم يتظاهرون مطالبين بإعلان الخلافة في تلك الدولة الاسكندنافية العريقة!!
خلافة في الدانمارك؟ خليفة حاكم بأمر الله بكل عسسه وطاقم ولاته وجواريه وما ملكت يمينه مع شماله في كوبنهاغن؟
أي منطق يتحدث به هؤلاء؟! وما هي حجم الهوة الفاصلة بينهم وبين الواقع؟ وهل تلك أزمة نفسية جماعية؟ أسئلة كثيرة قد يطرحها الدكتور فيصل القاسم يوما في «إتجاهاته المعاكسة» يوما، لكنني أطرحها هنا، وأتمنى أن أستفيق من تلك «الفانتازيا» بسرعة.
طبعا، أوروبا الآن تغلي، وقد صارت القارة ميدان جدل حول هؤلاء المهاجرين الذين تنطبق عليهم مقولة «ركبناهم على الحمار، فمدوا أيديهم للخرج!».
ولا فض فوك يا أبا القعقاع الكوبنهاغني.
يحارب إسرائيل بثيابه!
وعلى سيرة «الخرج وما تحته»، أعلن العبقري علامة زمانه توفيق عكاشة – قدس الله سره وشافاه وعافاه – أنه سيبيع كل ممتلكاته بما فيها ملابسه التي يرتديها (وقام وخلع جاكيته الله يسلمه)، لينفقها ويمول فيها الحرب المعلوماتية على «المسكينة» إسرائيل!
عكاشة، أبو المعلوماتية أعلن الحرب عبر فضائيته الممسرحة «الفراعين» على إسرائيل وبني صهيون.
وعكاشة، عافانا وعافاكم الله، جاد في حربه، تماما كجدية القادة الفلسطينيين في العملية السلمية، لكن ما لا يعرفه عكاشة – ولا يهونوا القراء- أنه في الحرب المعلوماتية تحديدا مع إسرائيل، فإن «المسكينة» متفوقة إلى درجة أنها لحظة إعلان عكاشة عن حربه عليها، تكون حددت معلومات نوع المطاط المستخدم في ملابسه الداخلية، والتي تمنعها من السحسلة السريعة.
موسيقى الطفل الفلسطيني التي أذلت دمعنا
لكن.. في فقه الفرح الذي يأتيك من حيث لا تحتسب، ذلك الفرح الذي يستقطر بالغصب دمعة وحشرجة في الحلق، فإن غزة هي العنوان.
غزة، والتي استطاع طفل خلف آلة قانون مدوزنة جيدا، أن يوصل الرسالة بشكل واضح مفادها: غزة لا تموت.. و نحب الحياة ما استطعنا إليها سبيلا، رغم ندرة السبل.
في الحلقة الأخيرة من «آرابز غوت تالنت»، حتى عصي الدمع علي جابر أذل دمعه، حين غنت فرقة التخت الشرقي أمام العالم، وقد خرجت من غزة بشق الأنفس.
لا أحد يعرف اسمه، ملامحه مثل ملامح أي طفل يلعب طابة الشرايط في أزقة الحارات، وبراءته تتجاوز الطفولة إلى ما هو أعمق بفعل عوامل التجوية الحربية والتعرية العربية، لكنه وفي لحظة فرح مكبوتة ربما منذ ولادته، انفجر بالبكاء تعبيرا عن فرحه، لم يضحك، بل بكى..
وبكينا نحن، ربما فرحا، لكن لكم نضحك أيضا، لأننا خجلون أمامه، وهو خلف الشاشة الصامتة، محرجون من أنفسنا وقد شاهدنا كيف خرج وكيف نصمت.
حتى علي جابر، فرح للباز الذهبي، وفرح للفرقة، وقد نفضت غبار «الانتماءات الجديدة « عن صدره فعاد قوميا عربيا فلسطينيا ولو للحظة.
الكثيرون كتبوا.. والكثيرون أبدعوا في وصف اللحظة، وأنا أكتب الآن، مكتفيا لا مستطردا، فيكفيني شرف الكتابة عن غزة.
زوج ميا خليفة الذي يصف عملها بالنبيل
وبعد أن أثارت ممثّلة الأفلام الإباحية اللبنانية الأصل، ميا خليفة، موجة عارمة من الإنتقادات، يخرج زوجها عن صمته ليبدي رأيه في عملها. فقال إنّه يتعامل مع مهنة زوجته على أنّها «مجرّد عمل»، وهو يعتبر أنّها «تضحّي بمستقبلها وتقوم بعملٍ نبيل لتأمين لقمة العيش لهما».
نستفيد من هذا الخبر العظيم ذي القيمة العالية ما يلي:
– الله يسلمها الفاضلة ميا، تبين أنها متزوجة «محصنة».
– الرجل «الله يسلمه لرجولته» عنده وجهة نظر لا تمانع ممارسة مهنتها.
– الفاضلة، فوق كل ذلك، صاحبة تضحيات، والنبل صار له تعريفات أوسع .
روح يا «زوجها» الله يستر عليكم، ويا ليتك لم تخرج عن صمتك ولا عرف العالم بوجودك!
كلنا أيضا ناجي العلي
وفي القفلة، وبعيدا عن كل السخرية.. وعلى خلفية الحادث الدموي الإجرامي في باريس والذي ندينه كلنا، نعود إلى بداية البدايات في الإرهاب، لأصرخ وأعلن: كلنا أيضا ناجي العلي.
٭ إعلامي أردني يقيم في بروكسيل
مالك العثامنة