أسوأ السيّئين وأفظعهم على الإطلاق

حجم الخط
0

نصر شمالي لا تحتفظ الأوضاع الإنسانية بصفات ثابتة، فما هو تقدّمي اليوم يمكن أن يصبح رجعياً غداً، وما هو رجعي اليوم (بمعنى الانشداد إلى الخلف والجمود والتحجّر) ربّما كان تقدّمياً بالأمس، فالصفات تبقى نسبية وقياسية، وبالتالي فإنّ للمصطلحات مدلولاً نسبياً يقاس بالمتطلبات والاحتياجات الإنسانية العامة المستجدّة.

لقد كان سعي الإنسان ونضاله الدؤوب على طريق التقدّم، ولا يزال، هو المحرّك الذي يصنع التاريخ، وما الثورات سوى ذروة النضال الإنساني، المستمرّ بلا توقّف، في تصديها الميداني الحاسم للرجعية ولكلّ ما يمنع الإنسان من إحراز التقدّم عموماً. غير أنّ الجماعات الأكثر إضراراً بالإنسان، والأكثر فظاظة وإعاقة وسوءاً بما لا يقاس، هي تلك التي ترث الثورات. إنّ ورثة الثورات في أيّ عصر، أولئك الذين يلتحقون بها بعد انتصارها الأول الفكري/الدعوي أو بعد انتصارها الثاني السياسي/السلطوي، ويصبحون فجأة في مواقع المسؤولية الأولى والقيادة المطلقة، هم حقاً وفعلاً أسوأ البشر السيّئين وأفظعهم على الإطلاق. على مدى القرن الماضي شهدت البلاد العربية موجتين أو نوعين من الثورات: الأولى هي الموجة التي انطلقت تحت رايات الثورة العربية الكبرى، من الحجاز بقيادة ملك الحجاز، في الحرب العالمية الأولى، والتي استمرّ ورثتها في مواقع القيادة والسلطة، في هذه الدويلة أو تلك، حتى نهايات الأربعينيات وبدايات الخمسينيات الماضية. والموجة الثانية هي التي تلتها تحت رايات الثورة المصرية الناصرية منذ العام 1953، واستمرّ ورثتها بدورهم في مواقع القيادة والسلطة حتى يومنا هذا. لقد انطلقت الموجتان الثوريتان تباعاً بدعم هائل من جموع الأمة الغفيرة، ومن أجل تحقيق الأهداف العظمى لهذه الجموع، غير أنّ ورثتهما انقلبوا بشراسة ضدّ الأمة بأكثريتها الساحقة بعد أن أداروا ظهورهم عملياً لأهدافهما العظمى.

كان الهدف الأعظم للثورة العربية الكبرى هو إقامة دولة مستقلة، موحدة أو اتحادية، تضم مبدئياً كلاّ من الحجاز والعراق وبلاد الشام، وتحظى إقامتها بموافقة جموع الأمة الغفيرة عن طريق الاستفتاء الشعبي العام، كما تحظى باعتراف ومساعدة الحلفاء مقابل انخراط العرب في الحرب إلى جانبهم ضدّ دول المحور التي تضمّ تركيا الطورانية وقد تخلّت عن عثمانيتها، لكنّها لم تتخلّ عن سيادتها في البلاد العربية. لقد كان اتفاق قيادة الثورة العربية الكبرى مع الحلفاء الغربيين مفهوماً بمعايير ذلك الزمن، بخاصة وأنّ الثورة لم تتسوّل مساعدتهم مجاناً، بل مقابل دورها الحربي الميداني الذي كان حاسماً، وكان الحلفاء بأمسّ الحاجة إليه، فما الذي حدث؟ تنصّل الحلفاء من تعهداتهم، وانقلبوا في نهاية الحرب ضدّ الثورة العربية الكبرى وأهدافها المعلنة المتفق عليها دولياً، بل عزلوا قائدها وحاصروه في معزله حتى الموت، وتحوّلوا إلى الورثة ملوكاً وأمراء ورؤساء، يتعاملون مع كلّ منهم على حدة، وإذا بأولئك الورثة يتخلّون عن قائد الثورة، وعن هدفها الأعظم، وعن جماهيرها الغفيرة، لكنهم لا يتوقفون عن رفع راياتها شكلياً، ولا عن القيادة والحكم باسمها شكلياً، بينما يوغل كلّ منهم في إقامة دويلته (أو إقطاعيته) الخاصة التي حدّد الحلفاء له رقعتها وسكانها، مثلما حدّدوا فلسطين للمرتزقة اليهود. وهكذا رأينا أولئك الورثة يتشبّثون بالتحالف مع الغرب، ويتوسلون مساعدته، مغفلين مبرّر الثورة في إقامة ذلك التحالف، الذي هو إقامة الدولة العربية المذكورة، ومندفعين بمجاراة الأعداء في مخططاتهم التقسيمية، حتى أنّ بعضهم لم يتردّد في الاستجابة لإقامة إمارة أو دويلة من العدم، ولا مبرّر لإقامتها سوى خدمة المشاريع الاستعمارية/الصهيونية. أمّا جموع الأمة الغفيرة فقد أصبحت العدوّ الأول لأولئك الورثة، لا هاجس لهم سوى إخضاعها وتغييبها، لتبلغ خيانتهم لها مداها في حرب عام 1948. وكان تشكيل جامعة الدول العربية قد جاء كذروة من ذرى خيانة الورثة للثورة الوحدوية، حيث ميثاق الجامعة يضفي على التقسيم ودويلاته طابع الشرعية والثبات والديمومة الأزلية!

في مطلع الخمسينيات الماضية كانت الموجة الثورية العربية الثانية، التي انطلقت من القاهرة بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر، والتي تلخصت أهدافها العظمى في إعادة الاعتبار لقضية الاستقلال والتحرّر والوحدة، وفي تحقيق الديمقراطية الاجتماعية /الاقتصادية، وتأجيل قضية الديمقراطية السياسية لصالح الديمقراطية الاجتماعية والاقتصادية، أي، باختصار، مواجهة الاستعمار وحلفائه من الخونة ورثة الثورة العربية الكبرى. وبالفعل مضت الموجة الثورية الثانية في هذا الاتجاه، حيث سرعان ما استجابت ثورات عربية أخرى للثورة المصرية، واستمرّ الحال كذلك، بسلبياته وإيجابياته، حتى نهاية عقد الستينيات الماضي.

لقد تميّز قادة الموجة الثورية العربية الثانية عموماً بالاستقامة والنزاهة والطهارة، وبالإخلاص للأهداف الثورية العظمى، أمّا عن استبدادهم فقد كانوا يبرّرونه (خطأً أم صواباً) بطبيعة المرحلة الانتقالية، المعقّدة المتداخلة، التي ينبغي على الأمة اجتيازها، أي مرحلة التحرّر الوطني، وكانوا يبرّرونه أيضاً (الاستبداد) بطبيعة العلاقات الدولية التي كانت سائدة حينذاك، والتي لم تكن تسمح بأيّ تراخ داخلي يمكن أن يفتح الطريق بسرعة للاختراقات الخارجية السرطانية المدمّرة في بلاد ضعيفة البنية بشرياً ومادياً.

ولكن ما كاد عبد الناصر يوارى الثرى مثخناً بالجراح حتى انقضّ الورثة على التركة بعد إقصاء المخلصين لأهداف الموجة الثورية الثانية، سواء في مصر أوفي غيرها من البلاد العربية. وسرعان ما عبّر هؤلاء الورثة الخونة عن تمسّكهم بالاستبداد و تخلّيهم عن مبرّراته، أي تخلّيهم عن قضية الاستقلال والتحرّر والوحدة، وعن قضية الديمقراطية الاجتماعية/الاقتصادية.

لقد فعل ورثة الموجة الثورية الثانية ما فعله ورثة الموجة الثورية الأولى، إنّما بوقاحة فظيعة وقسوة رهيبة لم تظهر عند أسلافهم، فصار هنري كيسنجر صديقاً عزيزاً، ومناحيم بيغن جاراً قريباً، وشاه إيران أخاً كريماً.. الخ! لم تعد ثمّة ديمقراطية اجتماعية/اقتصادية، بل مجرّد الاستبداد باسم الثورة، فقط لا غير. ولم يعد ثمّة تحالف استعماري صهيوني رجعي عدو، فقد تحوّل الأعداء التاريخيين إلى أصدقاء، ولكن من دون التخلّي عن شعارات الثورة وتشكيلاتها التي تحولت إلى مجرّد أدوات للتحكّم لا أكثر ولا أقلّ. أمّا جموع الأمة الغفيرة، التي انطلقت الثورة بها ومن أجلها، فقد أصبحت العدو اللدود الخطير الوحيد في نظر ورثة الثورة. إنّهم يصفونها اليوم بأنها جموعاً من الرعاع الجهلة، واللصوص والقتلة، والمهرّبين ومدمني المخدّرات، والمهووسين المتعصبين، والعاملين في ركاب الأجانب.. الخ، فكأنّها ليست هي بالذات من نصر آباءهم عند انطلاقة الثورة التي يحكمون اليوم باسمها ويعملون ضدّها في جميع الميادين وعلى طول الخطّ! ‘ كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية