لوحة للفنان جان باتيست هيوسمان
ما تزال حقبة الاحتلال العثماني غامضة، تشوبها خلافات في الرأي في الجزائر، بين من يبررها من منظور أن العثمانيين تقاسموا مع الغالبية الدين الإسلامي، ومن يضعها في مسارها التاريخي، بحكم أنها حملة عسكرية، بين الطرفين تندلع ـ من حين لآخر ـ نقاشات لم تخرج من السطحية، ومن الخلافات الناعمة، كما لو أن تلك الحقبة، التي استمرت أكثر من ثلاثة قرون، ليست سوى هامش من تاريخ الأمة الجزائرية، مع أنها أدخلت جغرافيا البلد وساكنتها في واحدة من أكثر حقب التاريخ قتامة، ففي تلك القرون سادت تجارة الرق، كانت الجزائر أو أيالة الجزائر، كما سميت، لا سيما في ساحلها ومدنها الشمالية، تعج بأسواق العبيد، كان القراصنة يملأون البحر بغاراتهم، ولا يستثنون أي أسير يقع بين أيديهم من التحول إلى سوق النخاسة، كما كان أصحاب المال والبارود يعترضون سبل قوافل وقبائل الصحراء الكبرى، ويحولون نساء ورجالاً وأطفالاً إلى سلع تُباع وتُشترى.
كل ذلك حصل في عهد الدايات، كان الجزائري يستعبد جزائرياً آخر، بما يتعارض مع ما جاء في الإسلام، ما ينفي أن العثمانيين طبقوا شريعة الدين، وعلى الرغم من هذا التاريخ، الذي تتناساه الذاكرة الجمعية، من سلب ونهب واستعباد للناس، فقد مالت الكفة نحو محوه، نحو طي صفحة كاملة من تاريخ الأمة، كما لو أن شيئاً لم يحصل، ويعود الحديث عن هذه الحقبة المؤلمة من تاريخ البلد بمناسبة مذكرة أكاديمية مهمة، قدمتها الباحثة ليديا سعيدي في جامعة تولوز، عن «الأرشيف المتعلق بالعبودية وإلغائها في الجزائر» وهو عمل بحثي مهم، يحتم علينا أن ننظر إلى أنفسنا في مرآة الماضي، وألا نفر كل مرة صوب الأمام، تناسياً لآلام الأسلاف وما عاناه جزائريون آخرون مثلنا.
ماذا بقي من زمن العبودية؟
بقايا زمن العبودية، في الجزائر، ما تزال واضحة للعين، لحد الساعة، مع أن الجميع يتلافى التوقف عندها، ما تزال عائلات جزائرية تحمل أسماء من تلك الحقبة، تحيل إلى الرق وأسواق النخاسة، ما يزال الجزائريون يتداولون في ما بينهم عبارات وكلمات نابية مستوحاة من قاموس العبودية، الذي رسخه الاحتلال العثماني، والذي كان يفصل بين نوعين من العبيد، ذوي البشرة البيضاء وذوي البشرة القاتمة. الأسرى البيض كانوا، في الغالب، يقعون أسرى غارات بحرية، فقد امتهن قادة الجيش القادمون من إسطنبول وضواحيها القرصنة، يفرضون رسوماً عالية على البواخر التي تعبر المتوسط، من لا يدفع تحتجز سلعه ويصير عبداً في الأسواق.
لم تنس الجزائر فظائع الاستعمار الفرنسي، لم ننس ما فعله في سنواته الأولى واللاحقة، من حرق وسلب وقتل وتعذيب ونهب، ونستحضر، في كل مناسبة، مآسي الجزائريين آنذاك، فلماذا إذن لا نحفظ ذاكرة جزائريين آخرين، عانوا أقسى معاناة، اقتلعوا من أرضيهم ومن أهاليهم في الجنوب، وصاروا عبيداً في الشمال، في حقبة سوداء ورطنا فيها احتلال أجنبي آخر، جعل من الجزائري عدواً لأخيه؟
هؤلاء البيض كانت لهم بعض الصلاحيات، مثل أن يُعادوا إلى وطنهم في حال قررت حكومتهم شراءهم وبالتالي تحريرهم، كما يمكن، بناءً على قرار سياسي، أن تعتق رقابهم، بل من ذوي البشرة البيضاء مَن تسلق سلم المهام والمراتب، على غرار هارك أولوفس، دنماركي وقع في الأسر في سن السادسة عشرة، بيع في سوق الرق في الجزائر العاصمة، وصار خادماً لباي قسنطينة، ونظير حسن سلوكه ووفائه في خدمة الباي ترقى إلى مرتبة أمين خزنة المال، ثم صار قائداً في الجيش، وحمل لقب الأغا. توفي أولوفس عام 1754 مخلفاً سيرته التي كتبها، من العبودية إلى الانعتاق، ثم تسلق الرتب والمناصب العليا. كذلك كان حال الأمريكي جيمس لياندر كاثكارت، الذي وقع في الأسر في سن الثامنة عشرة، وقضى إحدى عشرة سنة في الجزائر، تحت الاحتلال العثماني، رواها في مذكراته، انتقل من عبد في الأسواق إلى كاتب ضبط في المحكمة، ثم مقرباً من الداي حسين حاكم المدينة، وراكم ثروة، إلى درجة أنه اشترى باخرة عاد بها إلى موطنه. ما حصل مع أولوفس أو كاثكارت لم يكن ممكناً أن يحصل مع شخص فرضت عليه العبودية، من ذوي البشرة القاتمة، تعود أصوله إلى الصحراء الكبرى، هؤلاء لم يسمح لهم أبداً الترقي، ولا يعتقون، بل يظلون كذلك إلى آخر أيامهم، وتشير إحصائيات من تلك الحقبة أن أعدادهم كانت تتجاوز بكثير أعداد العبيد من البيض، وقد وصل رقمهم إلى ما يربو على 10 ملايين عبد من الصحراء الكبرى.
نهاية الرق
خريف 1816، شن الأمريكيون حملة عسكرية على العثمانيين في الجزائر العاصمة، ما اضطر الداي علي بن أحمد، الذي لقب بالداي المجنون نظراً لإسرافه في إعدام خصومه، إلى تحرير ما يقارب 1600 عبد من البيض المسيحيين، وكانت تلك أعنف ضربة تعرضوا لها نظير غزواتهم البحرية، وتحويلهم الأسرى إلى أسواق العبيد، ولم تنته الحملة الأمريكية سوى بوساطة من الأمريكي جيمس لياندر كاثكارت، الذي وصل إلى الجزائر أيضاً عبداً.
بعد تلك الواقعة بسنوات سوف يحل الاحتلال الفرنسي في الجزائر، فمن مساوئ قدر الأمة الجزائرية، أن وجدت نفسها محتجزة ـ تاريخياً ـ بين استعماريين لا إنسانيين، الأول عثماني والثاني فرنسي، وقام الفرنسيون بإلغاء العبودية وتحرير كل العبيد، عام 1848، ولم يكن هذا القرار نابعاً من شفقة على حال العبيد، أو عطفاً على حالهم، بل قاموا بتجنيد العبيد السابقين في جيشهم الكولونيالي قصد مواصلة معاركهم، من بينهم العبيد القادمون من الصحراء الكبرى، وقد اهتم الفرنسيون بعتق رقاب الرجال أولاً، قبل الانتباه إلى النساء والأطفال، انتهت بذلك قرون من العبودية في الجزائر، وأقفلت أسواق الرق، التي خلفها العثمانيون، لكن ذاكرتها لم تنته، ونسعى جاهدين في الجزائر إلى القفز فوقها، كما لو أن شيئاً لم يحصل.
لم تنس الجزائر فظائع الاستعمار الفرنسي، لم ننس ما فعله في سنواته الأولى واللاحقة، من حرق وسلب وقتل وتعذيب ونهب، ونستحضر، في كل مناسبة، مآسي الجزائريين آنذاك، فلماذا إذن لا نحفظ ذاكرة جزائريين آخرين، عانوا أقسى معاناة، اقتلعوا من أرضيهم ومن أهاليهم في الجنوب، وصاروا عبيداً في الشمال، في حقبة سوداء ورطنا فيها احتلال أجنبي آخر، جعل من الجزائري عدواً لأخيه؟
روائي جزائري