الرباط – القدس العربي: “خسروا مباراة واحدة وربحوا ملايين القلوب”، هي واحدة من آلاف إن لم نقل ملايين التدوينات التي غمرت مواقع التواصل الاجتماعي، عقب انتهاء مباراة المنتخب المغربي ونظيره الفرنسي، بانتصار الأخير، في نصف نهائي مونديال قطر 2022.
تدوينة اختصرت المسافات والامكنة والنبض أيضا، وقالت ما أحسه وعاشه كل العرب والأفارقة خلال انجاز حققه أسود الاطلس في أبهى وأجمل وأروع مونديال أهدته دولة قطر العربية للعالم، لتكون البصمة خالص ومميزة ليد واحدة من المحيط إلى الخليج. لكن يبقى تعليق اللاعب الدولي المصري السابق، محمد أبو تريكة، أبلغ ما قيل في وصف الحالة العربية مع انجاز أسود الاطلس، حين قال ما معناه: “جاء الوقت الذي يبكي فيه العرب لأنهم لم يتأهلوا لنهائي كأس العالم”، وفي ذلك دليل على أن الحلم كبر وما عدنا نركن للمراكز الأخيرة ونكتفي بالمشاركة المشرفة فقط.
الأكثر من ذلك، أنه إضافة إلى ما كتب من تدوينات وتغريدات عربية وإفريقية عقب انتهاء مباراة المغرب وفرنسا بانتصار الديوك والمرور إلى النهائي، والتي سارت كلها في طريق واحد وهو التنويه والإشادة بأداء وإنجاز أسود الاطلس، جاءت بعد وقت قصير تدوينات أخرى تشكك في التحكيم وتبحث وتتساءل عن دور “الفار” وغيابه في تلك المباراة وخاصة التركيز على ركلة جزاء قيل إنها مستحقة للمغاربة، لكن الحكم فضل عوض ذلك أن يعطي إنذارا للاعب بوفال دون وجه حق.
مسألة التحكيم صارت حقيقة اليوم، بعد أن قررت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، الاحتجاج رسميا لدى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) على الحكم المكسيكي الذي قاد مباراة الأسود والديكة. وجاء في البيان، أن الجامعة الملكية المغربية عبّرت عن احتجاجها “القوي” على تحكيم مباراة المنتخب المغربي أمام نظيره الفرنسي، بقيادة سيزار أرتورو راموس بالازويلوس.
ووجهت الجامعة رسالة إلى الهيئة المختصة تضمنت “الحالات التحكيمية التي حرمت المنتخب المغربي من ركلتي جزاء واضحتين بشهادة المختصين في التحكيم، مستغربة في نفس الوقت عدم تنبيه غرفة الفار لذلك”. وهنا نعود إلى تعليق أبو تريكة، ونضيف إليه، أننا نستحق ليس كمغاربة فقط بل كعرب وأفارقة، أن نكون في مصاف الفرق الكبرى بالأداء والنتيجة وليس فقط بالمشاركة المشرفة، وجاء الوقت لنحتج على حكم نصف نهائي كأس العالم الذي كنا طرفا فيه. هذا المستجد الاحتجاجي من طرف الجامعة الملكية المغربية، سيأخذ مجراه في دواليب الـ”فيفا”، والمتابعون لا يتوقعون الكثير ولا ينتظرون تغيير واقع ونتيجة المباراة، لكنهم على الأقل ينتظرون انصاف أسود الاطلس لأنهم تعرضوا لظلم لا يستحقونه بعد مسيرة متألقة في مونديال قطر.
وفي شوارع المدن المغربية، اختفت تعابير الفرح وحل محلها حزن “حلو” إن جاز التعبير وهو حزن الكبار في كرة القدم، على خسارة مباراة واحدة أدى فيها الأسود أكثر من الواجب، وكانوا قاب قوسين أو أدنى من التهديف، لكن كرة القدم رفضت الدخول في مرمى الفرنسيين ناهيك عن تراكم الأخطاء خاصة في جانب الدفاع، ما سمح للديوك بأن يسجلوا الهدف الأول والثاني، وتمر الدقائق التسعون بشق الأنفس على رفاق مبابي.
وبقيت الشوارع في أغلب المدن المغربية في حالة صمت مهيب، كل من شاهد المباراة في المقهى غادرها وهو يتحسر على توقف الحلم في نصف النهائي، اما من شاهد المباراة في منزله فقط ركن إلى الصلاة والحمد لله على نعمة اللمة العربية التي صنعها أسود الاطلس ووحدوا الأشقاء على قلب واحد وعلى نغمة فرح واحدة.
لكن في المقابل، الشوارع الرقمية لم تهدأ، كانت ساحة حراك حقيقي، توزعت بين فئة الحامدين لما تم إنجازه، وبين الفئة الغاضبة من النتيجة بسبب التحكيم والتي أمعنت في التحليل والتخمين والتأويل، وبين فئة اختارت أن تبكي على ضياع الحلم. الفنان حسن مكيات، بادر إلى التواصل مع مراسل “القدس العربي”، مذكرا إياه بتصريح سابق ادلى به للجريدة قبيل انطلاق كأس العالم بقطر. وقال الفنان مكيات: “لاحظ أخي ما قلته في آخر تصريحي: هناك أمور أخرى تتحكم في النتائج!”، وأضاف متسائلا: “هل يعقل أن يصبح الظالم مظلوما في حضور الفار في لقطة الخطأ المرتكب على بوفال داخل المربع الفرنسي؟ والأكبر من ذلك أن المظلوم يعاقب بورقة صفراء؟”، وحسب المتحدث، فإن “العالم كله شهد بالظلم التحكيمي السافر في حق المغرب في حالتين اثنتين”.
ذلك هو لسان حال مجموعة كبيرة من المغاربة ومعهم العرب، كما أن محلل قنوات “بي إن سبورت”، أشار بوضوح إلى تلك الحالات التحكيمية التي ظلم فيها “أسود الاطلس”.
بعيدا عن التظلم، نبقى في الإشادة بـ”أسود الاطلس”، وكنموذج ما كتبه حارس مرمى الفراعنة السابق أحمد شوبير كتغريدة في “تويتر” قال فيها: “ارفع رأسك انت مغربي… ارفع رأسك أنت عربي… ارفع رأسك انت إفريقي، تحية شكر وإجلال لكل لاعب في المغرب بعد معجزة مونديال قطر 2022″، اما الفنان النجم محمد هنيدي فقد كتب قائلا: “صنعتم التاريخ للوطن العربي وإفريقيا… تخطيتم الأحلام وتوقعات أي شخص في العالم كله اديتوا كل الوطن العربي وكل إفريقيا أمل كبير وإرادة كبيرة… فخورين بيكم ولسة في قصص كثير جائة هنرويها لعيالنا وأحفادنا زي ما هنروي قصتكم”.
بلاغة التعبير عن المشاعر لدى الأخوة العرب تفوق الوصف، فهم دائما يصيبون القلب ويصلون مباشرة إلى عمق اللحظة بأقل عدد من الكلمات، وهو ما سار عليه كل نجوم الوطن العربي من فنانين وساسة ورياضيين وإعلاميين، كما الحال بالنسبة للمغاربة الذين لم يتوقفوا عن الإيمان بمنتخبهم وبالقدرة على تحقيق الأفضل في المقبل من المنافسات حتى بعد الهزيمة ضد فرنسا.
على أرض اليوميات، إذا كان مطر الفرحة قد توقف في ملاعب المونديال، فقد كان كريما سخيا في أرض المغرب بعد تساقط غيث البركة الذي صلى لأجله المغاربة، فجاءت الفرحة مضاعفة خلال الأيام الماضية زغرودة من قطر وانفراج السماء بعطاء رباني جعل الأرض تبتسم وتخضر في أيام معدودة.
الأكيد أن هذا الجيل سينعم بذاكرة جميلة وصور خالدة، سيحكي بعد سنوات عن أولى بشائر التألق الكروي العربي الإفريقي الذي كانت قطر مسرحا له وكان المغرب بطله، تلك اللحظات لا يمكن اختصارها بالكلمات، بل تعاش في أوقات نشوة مثل تلك التي عاشها جيل الثمانينات مع أول تأهل إفريقي وعربي للدور الثاني من العرس الكروي العالمي في نسخة 1986. وللعرب موعد متجدد في القادم من المنافسات مع صناعة التاريخ بكل تأكيد.