أشباح فانون: عودة لأعمال المنظر الثوري (2 من 2)

حجم الخط
0

أشباح فانون: عودة لأعمال المنظر الثوري (2 من 2)

ديغول تدخل شخصيا لمنع الحايك/ الحجاب الجزائري والشعب رد بتحويله سلاحا للمقاومة وضد الفرنسةالابيض صنع الزنجي.. والزنجي اكد هويته.. والشعوب تولد ثقافيا وحضاريا أثناء صراعها مع عدوهاأشباح فانون: عودة لأعمال المنظر الثوري (2 من 2)ثائر دوريہ ضرب المجتمع الجزائري واستطاعت الإدارة الاستعمارية تعريف نظرية سياسية محددة، قــــائلة : إذا أردنا أن نضرب المجتمع الجزائري في صميم تلاحم أجزائه،وفي خواص مقاومته،فيجب علينا قبل كل شيء اكتساب النساء، ويجب علينا السعي للبحث عنهن خلف الحجاب حيث يتوارين،وفي المنازل حيث يخفيهم الرجل . ويشرح فانون كيف بدأت الحملة علي الرجل الجزائري لإشعاره بالمهانة لأنه يسجن النساء ويضطهدهن ويبدأ الحصار الفرنسي للنســـاء بالنساء الفقيرات الجائعات، فالجمعيات النسائية توزع الدقيق والسخط علي الحريم والحجاب،وبعدها يأتي دور النصائح العملية ويصار إلي حث النساء علي التمرد ورفض التبعية للرجل وعلي نزع الحجاب…..ويحاصر الرجل أيضا في العمل فيصبح موضع انتقاد زملائه الأوروبيين وموضع انتقاد رؤسائه في العمل ويصبح توجيه أسئلة من نوع : هل زوجتك سافرة ؟ لم لا تصطحب زوجتك إلي السينما وألعاب الكرة والمقهي ؟ . ويتابع فانون أن الأوروبيين يتبعون أساليب السيو في محاصرة الرجل الجزائري وهكذا فإن المدير يدعو الموظف الجزائري وزوجته بمناسبة أحد الأعياد كعيد الميلاد أو رأس السنة أو ببساطة في مناسبة خاصة بأعضاء الدائرة ولا تكون الدعوة جماعية، وإنما يُطلب كل جزائري إلي مكتب الإدارة ويدعي بالاسم للمجيء بصحبة عائلته الصغيرة . وباعتبار أن الدائرة هي أسرة كبيرة فلسوف ينظر نظرة سيئة إلي الذين يحضرون بدون زوجاتهم،إنكم تفهمون اليس كذلك؟ ويعاني الجزائري أمام هذا الإنذار الرسمي للقيام بالواجب لحظات صعبة في بعض الأحيان. فإن المجيء بصحبة زوجته معناه الاعتراف باندحاره وهذا معناه تعريض زوجته للمهانة ، والعمل علي عرضها للأنظار والتخلي عن كيفية المقاومة ويكون الحضور لوحده،علي العكس امتناعاً عن إرضاء رب العمل وهذا ما يجعل البطالة ممكنة. إن دراسة أية حالة تؤخذ بالصدفة ودراسة نمو الكمائن التي ينصبها الأوروبي بقصد حصر الجزائري لكي يتميز ويعلن : زوجتي محجبة ولن تخرج أو لكي يتخاذل ولسان حاله يقول : بما أنكم تريدون رؤيتها، فها هي ذي ، وما في الروابط والعلاقات من طابع سادي وفاسد سوف توضح باختصار،علي المستوي النفسي، مأساة الوضع الاستعماري والتصدي الذي يجري خطوة، خطوة بين نظامين،أي ملحمة المجتمع المستعمر (بالفتح) بخصائصه في الوجود، في مواجهة الأخطبوط الاستعماري.الحجاب لقد أصبحت المرأة محورية في برنامج التدمير الثقافي الذي سنه المستعمر (بكسر الميم) فهي التي ستحول الرجل بعد أن يتمكن من كسبها إلي جانب القيم الغربية، وهي التي ستكون المعول الذي سيفتت الثقافة الجزائرية. يقول فانون عام 1959، أي بعد أربع سنوات من بداية الثورة الجزائرية : إن الحلم بعملية ترويض شاملة للمجتمع الجزائري تجري بمعونة النساء السافرات المعاونات لرجل الاحتلال ، لم ينفك حتي يومنا هذا يراود عقول المسؤولين السياسيين عن عملية الاستعمار .وقد وصلت جدية البرنامج الاستعماري حول موضوع الحجاب أن تدخل الجنرال ديغول شخصياً بالأمر وذلك عام 1958 في قسنطينة، كما يتدخل جاك شيراك اليوم في باريس. ففي تجمع في قسنطينة لاستقبال الجنرال ديغول في تشرين الاول (أكتوبر) 1958 طلبت السلطات الفرنسية من بنت أحد الموظفين في إدارتها أن ترتدي الحجاب وتقف في صفوف المشاهدين الجزائريين، حتي إذا صدر أمر التخلص من الحجاب من قبل ديغول ترمي هي بحجابها علي انه استجابة للطلب الفرنسي، وهذه البنت معروفة في قسنطينة، ولم تكن قد ارتدت الحجاب في حياتها أصلاً قبل ذلك اليوم. وتجدر الإشـــــارة إلي أن عدداً كبيرا من الفتيات الجزائريات كن سافرات آنئذ. وأن عددهن كان في تزايد. لكن طريقة نزع الحجاب هذه جعلت عددا من السافرات يرجعن الي الحجاب حتي لا يتصور الناس أن سفورهن استجابة لطلب الزعيم الفرنسي (الجزائر في سنوات التسعينيات ـ بنيامين سنورا ـ (وجهات نظر العدد 36 كانون الثاني/ يناير 2002). يقول فانون: كل حجاب منزوع يكشف للمستعمرين آفاقا كانت ممنوعة حتي ذلك الحين، يبرز لهم قطعة فقطعة الجسد الجزائري المعري وبعد سفور كل وجه تظهر روح المحتل العدائية وبالتالي آماله، مضاعفة عشرات المرات، وتعلن كل امرأة جزائرية جديدة سافرة، إلي المحتل عن مجتمع جزائري، تأذن نظمه الدفاعية بالتفسخ، وانه مجتمع مفتوح وممهد. وكل حجاب يسقط وكل جسم يتحرر من وثاق الحايك التقليدي وكل وجه يبرز لنظر المحتل الوقح، الجزع يكشف علي نحو سلبي بأن الجزائر قد بدأت بالتنكر لنفسها وتقبل بهتك سترها من قبل المستعمر (بالكسر). ويبدو المجتمع الجزائري مع كل حجاب مهجور، انه يرضي بوضع نفسه في مدرسة السيد وأنه يقرر تغيير عاداته، تحت إدارة وإشراف الاستعمار .فإذا كان المستعمر ينظر إلي نزع حجاب المرأة الجزائرية علي أنه وسيلة لهتك القيم الحضارية والثقافية للمجتمع الجزائري ويبني استراتيجية الغزو والهيمنة والإلحاق علي هذا الأمر فمن المنطقي أن ينظر الشعب الجزائري إلي التمسك بالحجاب علي أنه وسيلة من وسائل المقاومة للحفاظ علي الشخصية الحضارية ولمقاومة التذويب في الثقافة الفرنسية، وبالتالي مقاومة التلاشي حضاريا وسياسيا كما يريد له المستعمر (بكسر الميم). وهنا نصل إلي الملاحظة النافذة لفرانس فانون : وهنا نعثر علي قوانين علم النفس الخاص بالاستعمار وهي أن الفعل ومشاريع المحتل هي التي تحدد في المرحلة الأولي مراكز المقاومة التي تنتظم حولها إرادة البقاء في شعب ما. إن الأبيض هوالذي يخلق الزنجي، لكن الزنجي هو الذي يخلق صفات الزنجية . وهكذا يصبح مفهوماً أن تكون رموز المقاومة العربية ـ الإسلامية رموزاً دينية في هذه المرحلة، طالما أن الغازي الأمريكي يعلنها حرباً صليبية وتشن أجهزة إعلامه ومراكز أبحاثه ومثقفوه وجيوشه حرباً علي مدار الساعة علي الإسلام………… ويتابع فرانز فانون: وردا علي الروح العدائية الاستعمارية من حول الحجاب فإن المستعمر ينمي التعلق بالحجاب وما كان عنصرا لا نصيب له من الاكتراث في مجموع متجانس، اكتسب صفة التابو لذلك فإن موقف تلك الجزائرية من الحجاب سوف يقارن باستمرار بموقفها الكلي من الاحتلال الأجنبي ونتيجة لمجمل السياسة الاستعمارية نمت عادة التعلق بالحجاب وصار من المحرمات التي لا يجوز المساس بها. بل ازداد عدد المحجبات. لكن مع اندلاع الثورة الجزائرية تبدل الموقف من الحجاب جذرياً فلم يعد له طابع التابو، بل حلت نظرة لها طابع براغماتي خاصة بعد انخراط المرأة في جبهة التحرير وقيامها بمهام نضالية كالرجل، وبعد أن أصبحت تسير سافرة في المدينة الأوروبية كي لا تلفت الانتباه بحجابها وهي تنقل الرسائل الشفهية للمناضلين، أو عندما تكون كشافة للطريق،أوعندما تكون حقيبتها محشوة بالقنابل والمسدسات التي ستسلمها لمناضل عند الزاوية. وعندما انتبه المستعمر الفرنسي لدور النساء هذا وصار حذراً من النساء السافرات عادت المرأة لاستخدام الحجاب كي تخفي السلاح تحته.أما الفصل الثاني من الكتاب والمعنون هنا صوت الجزائر فيدرس به فانون موقف الشعب الجزائري من التكنولوجيا الحديثة التي حملها الاستعمار، والتغيير الذي طرأ علي هذا الموقف بفعل اندلاع الثورة الجزائرية، فيختار لذلك دراسة الموقف من المذياع. كان البث قبل اندلاع الثورة يقتصر علي محطة فرنسية تعبر عن المجتمع الاستعماري وقيمه. وكان ما نسبته 95 % من أجهزة الراديو بأيدي الأوروبيين. أما لدي الجزائريين فقد اقتصر اقتناء هذا الجهاز علي البرجوازية المتطورة .كان المجتمع الجزائري يتقبل بصعوبة أجهزة الراديو، بل إنه يرفض هذا الجهاز الذي كانت برامجه منقولة حرفياً عن برامج فرنسية لا تناسب مجتمع الجزائر أوتقاليده. ويحلل فرانز فانون موقف كل من المستوطن ورجل البلد الأصلي الجزائري من الراديو، فيقول : إن الراديو يذكر المعمر، وهو في المزارع، بواقع السلطة، ويعلله، بوجوده ذاته، وبالأمن وراحة البال، فراديو الجزائر يؤسس حق المعمر ويعزز يقينه بالاتصال التاريخي بواقعة الفتح وبالتالي لاستثماره الزراعي، وموسيقي باريس ومقتطفات صحف العاصمة الأم والأزمات الحكومية الفرنسية تشكل لوحة متلاحمة تظهر فيها آخر أنواع الزخرف في البلاد…..إن راديوالجزائر يتعهد غرس ثقافة رجل الاحتلال،وسوء التوزيع اللا ثقافي – بالنسبة لطبيعة المحتل. إن راديوالجزائر أي صوت فرنسا في الجزائر يشكل مركز المعلومات الوحيد علي مستوي الإعلام… وهو دعوة يومية للمعمر لعدم التمازج مع السكان الأصليين وعدم نسيان لاحق لثقافته. إن جماعات المعمرين المنتشرين في أواسط البلاد،المغامرين وراء استصلاح الأراضي البور يعرفون ذلك جيداً ولا ينفكون يرددون أن لولا الخمر والراديو لاستعربنا .لقد وضع فانون الراديو كتفصيل في لوحة الاستعمار الشاملة، فقد ركز في أكثر من مكان علي أنه لا يوجد شيء حيادي في العلاقة بين المستعمر(بالكسر) والمستعمر (بالفتح)، لأن كل الأشياء في الوضعية الاستعمارية تكتسب سياقاً خاصاً بها. فالراديو هو وسيلة للضغط الثقافي علي المجتمع الخاضع وشبه وسيلة صمود لدي المزارعين الأوروبيين أما عند الأسرة الجزائرية فالأوضاع معكوسة فهي لا تقتني الراديو كنوع من عدم الاكتراث الكئيب بهذه القطعة من الوجود الفرنسي . وينبه فانون إلي أن الباحث الذي يسعي إلي جواب حول عدم اقتناء الراديو سيحصل علي أجوبة مختلفة بعضها له طابع تحريمي ديني ولا يُتوقع أن يحصل علي تفسير معقول. إن العالم الاستعماري المغلق لا يترك فرصة للجزائري أن يجد نفسه في هذا الراديو،الذي يمجد المستعمرين،مما دعا بعض الجزائريين للقول عنه بأنه : فرنسيون يتحدثون إلي فرنسيين . لكن هذه الوضعية تبدأ بالانقلاب مع اندلاع الثورة المسلحة،فالجزائري يطور أجهزة استعلامه ليعرف ما يجري في الجبل ويسمع عن الهزائم التي يتلقاها جندي الاحتلال. وهنا برز الراديو بوظيفة جديدة مختلفة كلياً عن وظيفته الاستعمارية السابقة بعد أن أنشأت جبهة التحرير الجزائرية محطة إذاعة، يقول فانون: كان الحصول علي جهاز للراديو، يمثل في الجزائر عام 1955 الوسيلة الوحيدة لحيازة مصدر، غير فرنسي للأخبار، عن الثورة. وتتخذ هذه الضرورة صفة الأمر الملح عندما يعلم الشعب أن هناك كل يوم جزائريين يقدمون من القاهرة، سجلاً بكفاح التحرير وهكذا تعود أمواج الصفحات الكبري المكتوبة في الجبال من قبل الأخوة والأهل والأصدقاء، متدفقة من القاهرة وسورية ومن البلاد العربية جميعها تقريباً . وحدث التحول الكبير عام 1956 عندما وزعت منشورات تتنبأ بوجود صوت الجزائر الحرة، حددت فيها ساعات البث وأطوال موجات البث. ففي أقل من عشرين يوما نفذ جميع ما في المستودعات من أجهزة الراديو وظهرت تجارة الأجهزة المستعملة. ونلاحظ هنا انقلاب الآية فالسلطات الاستعمارية التي كانت تتهم الجزائريين بالتخلف لرفضهم شراء الراديو بل وتحريمه في بعض المناطق فإذ بها تقوم بين ليلة وضحاها بمنع بيع الراديو لأنه صار جزءاً من الشخصية الوطنية، فهو يصل مالكه مع جبهة التحرير الوطني الجزائرية. يقول فانون: فالجزائري الذي يأمل أن يحيا في مستوي الثورة، يملك أخيراً إمكانية الاستماع إلي صوت رسمي، هو أصوات المقاتلين، تشرح له المعركة، وتفسر له تاريخ التحرير في مسيرته وأخيراً تعمل علي اندماجه مع تنفس الأمة الجديد .العلاقات العائليةوفي الفصل الثالث درس فانون التغيرات التي طرأت علي الأسرة الجزائرية بعد اندلاع الثورة، فدرس علاقة الأب بالابن، وعلاقة الأخ الأكبر بأخيه، وتغير وضعية المرأة الجزائرية، وما طرأ علي علاقات الزواج من تغير. فقبل الثورة كان المجتمع الجزائري مجتمعاً بطرياركياً،المقام الأعلي فيه للأب الذي لا يناقش ولا يجوز الضحك بحضرته أو النظر إلي وجهه. كما أن وضع المرأة فيه شديد التعقيد فما إن تصبح البنت امرأة توجب أن تتزوج. ولم تكن الفتاة تسأل في أمر زواجها، كما أنها لا تجلس بحضرة أبيها أبداً. لكن اندلاع الثورة دفع هذا العالم نحو الانهيار فتغيرت وضعية الأفراد داخل الأسرة. إذ بات الابن الذي التحق بجبهة التحرير هو الذي يتكلم والأب هو الذي يصغي. وإذا كان الأب لا يشعر بالراحة تماماً لالتحاق ابنه بهذا المركب الخطر إلا أنه لا يستطيع أن يعبر عن ذلك سوي بشكل موارب فالثورة اقتحمت كل الميادين وباتت لها الأولوية علي كل ما عداها من المشاعر. وما حدث في الجزائر ليس استثناء بل هو أمر يحدث في كل الثورات، فقد حدث أمر مماثل في الثورة الفلسطينية حين ترك الابن صفة لاجيء لأبيه ليتحول إلي فدائي، يقول فانون: …فإن الأب يمحي أمام العالم الجديد ويسلس القياد لابنه. والفتي الجزائري هو الذي يدفع بالأسرة نحو الحركة الواسعة للتحرر الوطني. وبنفس الطريقة لكن بألم أكبر تتغير علاقة الابنة بأبيها. فالذكر في المجتمعات الزراعية له القيمة الأولي لأنه يد عاملة تضاف للأسرة. والرجل وصي علي المرأة ولا يوجد امرأة بدون وصي، زوج أو أب أو أخ..الخ. لكن الثورة تعصف عصفاً بهذا العالم فالجزائرية التي تشارك في الثورة بنقل السلاح أو بتنظيم الخلايا النسائية تكتسب تقاليد ثورية وتنخرط في لجة عمل خطير لم تعد بحاجة إلي موافقة الأب أو لذكر يكون وصياً عليها. فهي تذهب بدون موافقة أحد وبدون علم أحد أو تذهب إلي الجبل وتبقي هناك مع الثوار. كما أن طرق الزواج تتغير فتشترط بعض الفتيات أن يكون زوج المستقبل عضواً في جبهة التحرير أو تقع بعلاقة حب مع رفيق لها بالجبل فتتزوج تحت إشراف مسؤوليها من جبهة التحرير ولا يعمل الأب سوي أن يبارك هذا الزواج وتقوم الأسرة بتربية الأطفال بينما يكون الأبوان في الجبال.. ويغدو سؤال المرأة عما إذا كانت جدية وهي تواجه الموت يومياً، سخرية وهزءا لاذعاً. فالفتاة المناضلة إذ تتبني مواقف سلوكية جديدة، تخلت عن السلوكيات القديمة،وتختفي القيم والمخاوف الجنونية المجدبة التي تبقي علي الإنسان في هالة الطفولة ،ونفس الأمر يحدث في العلاقة الزوجية فغياب الزوج في المعتقل أو في الجبل أو بسبب استشهاده يدفع المرأة إلي لجة الحياة للحصول علي رزقها وتربية أطفالها. كما أن الرجل الذي شاركته زوجته عضوية جبهة التحرير علي استعداد ليتحمل تبعات ذلك. لكن العالم القديم لا يزول بسهولة. ينقل فانون عن أحد الرجال: فليس هناك ما يستثيرك كمثل سماعك شخصاً يطلب زوجتك علي الهاتف. فتناديها وتناولها السماعة،ثم تري نفسك منصاعاً لدعوتها إياك لمغادرة الغرفة… ثم تنصرف زوجتك لتعود بعد أربع ساعات أو بعد أربعة أيام. ولم تكن لتقدم لك أي تفسير،لكنك لا تستطيع أن تجهل العمل الذي انخرطت فيه ما دمت أنت نفسك قد جندتها فيه وأنت نفسك قد لقنتها قواعد السرية .لقد اكتسبت العلاقة الزوجية أبعاداً جديدة فالاختلاط ما بين التجربة المقاتلة والحياة الزوجية يعمق العلاقات بين الأزواج ويوثق روابط الزواج. فثمة انبجاس في ذلك وتفتح يحدثان في آن واحد للمواطن وللوطني وللزوج العصري. وينتزع الزوجان الجزائريان من نفسيهما نقاط الضعف التقليدية في الوقت الذي يكتب فيه تلاحم الشعب في التاريخ…….. .الطب الاستعماري ووضعية الطبيب في المستعمرات قبل وبعد اندلاع الثورةدائماً تخلق التجربة الاستعمارية سياقاً خاصاً بها. إن كل حالة من الحالات في هذا السياق تكتسب وضعية خاصة توجب تحليلها قبل إبداء رأي قاطع حولها، نضرب مثالاً علي ذلك موضوع الصحافيين في العراق. فقد اعتاد الإعلام العالمي علي تصوير الصحافي كقديس أو كمسيح لا هم له سوي الوصول إلي الحقيقة، ونقل أفكار وآمال وعذابات الناس والأحداث الجسام التي تلم بهم، لذلك اعتبر مقتلهم كارثة كبيرة، وتصدر المنظمات الدولية تقارير سنوية تبين أعداد الصحافيين القتلي في كل عام، ويعتبر ذلك مشعراً من المشعرات الهامة لأوضاع الحريات في العالم. لكن كما قلنا من قبل فإنه في إطار التجربة الاستعمارية تبرز سياقات جديدة غير معهودة للأمور، ففي العدوان الأمريكي علي العراق اخترع الأمريكان بدعة الصحافي المدمج مع القوات وهو صحافي يأكل ويشرب وينام في فراش واحد مع الجندي الأمريكي وبالتالي فإن كاميرته وقلمه ينقلان وجهة نظر هذا الجندي، ويصير هذا الصحافي أشبه بناطق عسكري أمريكي ويمكن اعتباره براحة ضمير جزءاً من الإعلام الحربي. فهل يمكن اعتبار هذا الصحافي مسيحاً أو رسولاً للحقيقة ؟ هل يمكن إعطاء مقتله، عندما تتعرض القوات الأمريكية إلي كمين أو عملية تفجير، قيمة مساوية لمقتل صحافي مستقل ؟ أبداً فهذا الصحافي وضع نفسه في أحد جانبي الصراع وتحول إلي صحافي مقاتل.نسوق هذا المثال بغية التدقيق في كل الحالات التي تحدث في أثناء التجربة الاستعمارية التي تخلق سياقاتها الخاصة. ونفس الأمر السابق يقال عن المنظمات الدولية، التي لم تستطع أن تمنع العدوان الأمريكي علي العراق، ثم وقفت موقف المتفرج علي حدوثه، وبعدها شرعنته، ولنا في موقف الأمم المتحدة من العدوان الصهيوني الأخير علي لبنان خير مثال. فالأمم المتحدة التي سارعت إلي إدانة أسر الجنديين لم تنبس ببنت شفة أمام ما يجري من مجازر. هل هناك من يمنع أباً مكلوماً او أماً مفجوعة من توجيه اللوم إلي هذه المؤسسات التي تحولت بنظر الناس إلي شريكة في العدوان؟يحلل فانون وضعية مشابهة هي وضعية الطبيب في المستعمرات، فالتجربة الاستعمارية تخرج كل الأمور عن سياقها الإنساني. الطب والاستعماريعتبر الطب مفخرة التجربة الاستعمارية، كما يقول منظروها لأنه أنقذ حياة المستعمرين (بالفتح) وخفض وفيات الأطفال وأدخل طرقا علاجية حديثة كانت هذه الشعوب لا تعرفها، وهذه أكذوبة أخري من أكاذيب ممتدحي الدور التقدمي للكولونيالية سنتعرض لها في المستقبل بتفصيل أدق. يلاحظ فانون أن الطب في الجزائر لا يمارس كما يمارس في فرنسا. فشخصية الطبيب في باريس الذي حصل علي وضع اقتصادي نتيجة وضعه العلمي هي غير شخصية الطبيب في الجزائر الذي تقترب شخصيته من شخصية المغامر أو المستكشف، ونادراً ما نجد هذا الطبيب الذي يعيش من دخله من الطب إنما هو مزارع أو مالك كروم أو يمارس التجارة. يقول فانون: وعندما لا يكون الطبيب رهين زبائنه فحسب، من حيث الكسب، وإنما تأتيه دخول هائلة من موارد أخري فإنه يكون لنفسه مفهوماً معيناً عن الأخلاق المهنية والممارسة الطبية. إن الغطرسة الاستعمارية واحتقار الزبون والجلافة الحاقدة في تصرفه مع المريض من الأهالي وفقدان الضمير، نجدها كلها في قليل أو كثير في ثنايا الجملة التالية إنني لا أعيش من وراء الزبائن ، وفي المركز الاستعماري يكون الأطباء ذوي انتماء يساري أو ديمقراطي غالباً بسبب احتكاكهم بالألم البشري، أما في المستعمرات فالأطباء جزء من الهيئة المستعمرة ومن الاستغلال. لذلك تجدهم أكثر يمينية لأن هاجسهم ينحصر في بقاء الاستعمار، لذلك كانوا في دائرة الاستهداف من قبل مناضلي جبهة التحرير في الجزائر، وهذا أمر شوش أذهان حتي المتعاطفين مع الجبهة في الغرب فهم لا يفهمون هذه الحقائق ولا يستوعبون كيف يمكن أن يكون الطبيب مجرم حرب. لأنهم لم يسمعوا عن طبيب يساهم بتعذيب الثوار ويعطي للمناضل حقنة الحقيقة بالوريد (وهو أمر محرم في فرنسا) كي يدلي بما يعرفه. كما أن هناك أطباء تابعين لمراكز التعذيب كي يضمنوا أن لا يموت المريض من التعذيب قبل الحصول علي المعلومات منه. لذلك من الطبيعي أن يتخذ الجزائري موقفاً من الطب الحديث ومن الطبيب ويجده امتداداً للمستعمر ويبقي يعالج نفسه بالطب البدائي المتوارث فلا يلجأ للمستشفي الاستعماري إلا مضطراً. لكن كل ذلك يتغير مع اندلاع الثورة وانضمام الأطباء إلي جبهة التحرير، فجميع سكان الأرياف حتي المتخلفة منها يطبقون تعليمات الطبيب بحذافيرها ويبحثون عن حقنة الكزاز للجريح ويعقمون الجروح بالكحول، لكن المفارقة أن المستعمر الآن هو من يمنع هذه الأشياء عن المواطن كي لا تتسرب لمقاتلي جبهة التحرير، ومن جديد نري أن المستعمر هو من يحجز تطور المجتمع. وتتغير أيضاً وضعية الطبيب الأهلي، الذي كان ينظر له من قبل علي أنه سفير رجل الاحتلال، أما بعد التحاقه بالثورة فيندمج مع الجماعة، يصبح قطعة من لحم الجسد الجزائري فلم يعد الـ طبيب ، أي طبيب وإنما أصبح طبيب نا نحن وخبير نا نحن. وتنهار الأوهام القديمة المتعلقة بالسحر وقدرة بعض الرجال علي شفاء الأمراض دفعة واحدة. إن العالم القديم ينهار دفعة واحدة بفعل اندلاع الثورة وتتطهر الأرواح بنار الثورة وتستعد لاستقبال عالم جديد. وهذا ما دعا ديغول لمخاطبة المتطرفين قائلاً إن جزائر بابا قد ماتت.الاوربيون في الجزائرويبقي الفصل الأخير من هذا الكتاب ليتحدث عن التغيرات التي طرأت علي وضع الأقلية الأوروبية في الجزائر. لقد هزت الثورة جميع المجتمعات التي بدا أنها راسخة ومنها مجتمع مستوطني الجزائر. اتخذت جبهة التحرير قراراً ذكرت فيه مناضليها بضرورة عدم دفع هذه الأقلية إلي أحضان المستعمر وذلك عبر فتح حوار مع ممثلي هذه الأقلية. وقد حققت سياسة الجبهة هذه نجاحات بجذب أفراد وقطاعات من الديمقراطيين الأوروبــــيين إلي جانبها بل وتجند بعض الأفراد في جبهة التحرير أو قدموا الدعم اللوجستي لها، وقد أورد فرانز فانون في ملاحق الكتاب شهادات لبعض الفرنسيين يشرحون فيها أسباب انحيازهم لجبهة التحــــرير وكيفية حدوث ذلك. وبالطبع فهناك مجرمو الحرب من المستوطنين الذين لا ينفع معهم سوي العنف. وبالنتيجة خلص فانون إلي أن الأقلية الأوروبية قد تفتت تحت تأثير الثورة الجزائرية والسياسة الواعـــية لجبهة التحرير.في الثقافة الوطنية : امتاز فانون بنظرته العميقة للأمور وقدرته علي النفاذ إلي عمق الظواهر الاجتماعية، وساعده علي ذلك اختصاصه في الطب النفسي فطبق بعض مناهج التحليل النفسي التي تخص الأفراد علي المجتمعات. لذلك لم يقع في النظرة التبسيطية ولم يتوقف عند سطح الظواهر، كما يفعل كثير من كتاب ومثقفي هذه الأيام وهم يدرسون أسباب تأخر مجتمعاتهم ومشكلاتها. فاعتماداً علي القانون الأساسي الذي يحكم العالم الكولونيالي، وهوالانقسام العميق إلي مستعمرين ومستعمرين، استنتج فانون أنه لا يمكن قط أن يتفق طرفا هذا العالم علي احترام قيمة ما في الوقت نفسه. كما أنه أدرك أن كل الظــــــواهر والعادات والتقاليد ما إن تدخل في سياق العالم الاستعماري حتي تكتسب سياقاً ومعاني ودلالات جديدة. لأن العلاقة بين المستعمر( بالكسر) والمستعمر ( بالفتح ) هي علاقة تناحرية علي الدوام. عـــلاقة قائمة علي العنف : عنف المستعمر ( بالكسر)، وعنف المستعمر (بالفتح ).أثناء توصيف فرانز فانون لحال الثقافة الوطنية تحت الاستعمار توصل إلي نتائج بالغة الأهمية قد تكون مفاجئة للبعض، فقد وجد أن للتخلف الذي يصيب الثقافة الوطنية بسبب قيام المستعمر (بالكسر) بحجز تطورها، وجد أن له بعض الفائدة. يقول بهذا المجال : نري البلدان المستعمرة تحيط مجالها الثقافي بأسيجة وأوتاد. وهذا النوع البدائي من الدفاع عن النفس يشبه منعكسات غريزة البقاء في كثير من الوجوه .وهي نفس النتيجة التي خلص إليها الشيخ البشير الإبراهيمي نائب رئيس جمعية علماء الجزائر، حيث ينقل عنه أنه حمد ربه ذات مرة لأن أمه كانت أمية لذلك علمته اللغة العربية، فلو كانت متعلمة لكان يرطن بالفرنسية.إن ردة فعل الجماهير تجاه الهجوم الضاري الذي تتعرض له ثقافتها القومية من قبل المحتل،يكون تمسكاً مبالغاً به بالعادات والتقاليد وهذا يثير حنق المستعمر، يقول فانون: فالمستعمر يري في الاستمرار علي الأشكال الثقافية التي يستنكرها مظهراً قومياً عليه أن يحاربه .ونتيجة هذا الهجوم الضاري من المستعمر لا يحصل تجديد للثقافة القومية أو للعلاقات داخلها، وإنما مجرد انكماش للحفاظ علي النواة. لكن هذا الموات الظاهري، الذي يشبه ما تفعله في الطبيعة بعض الكائنات الحية،حيث تتكيس، أو تدخل في سبات في الظروف الطبيعية الصعبة، فتبدو وكأنها فاقدة للحياة. هذا الموات الظاهري لا يلبث أن يضج بالحياة مع أول طلقة مقاومة، فمع اندلاع شرارة الثورة علي الأوضاع التي جمد المحتل البلد فيها تنشأ آداب جديدة من رواية وشعر ومسرح،وحتي الثقافة الشفوية تصيبها رياح التجديد فنري أن الرواة التقليديين قد أضافوا علي السير والملامح التي يتلونها منذ عشرات السنين بدون تغيير، أضافوا أحداثا وسيراً جديدة تتناسب مع أحداث الثورة، كما أن النساجين يغيرون من زخارفهم ومن ألوانهم. لقد عادت الحياة تدب في الجسد، فإذا بالثورة وقد أحيت الأرض بعد مواتها. وكما حدث في قصة الراديو بعد اندلاع الثورة يعمد المحتل إلي تمجيد التراث الجامد ويحاول ان يثبت فكر المجتمع عنده. إن فانون يربط بين التجديد في المجال الثقافي والفكري وبين امتلاك المجتمع لناصية مصيره، أي باندلاع الثورة، بل هو يعتبر ان محاولة التجديد والشعب قابع تحت السيطرة الاستعمارية خطأ فادح. يقول: إن أحد الأخطاء الفادحة، التي يصعب الدفاع عنها أن نحاول تحقيق تجديدات ثقافية، وأن نحاول رد الاعتبار والقيمة إلي الثقافة الوطنية ونحن ما نزال في ظل السيطرة الاستعمارية. وإني لأنتهي من هذا إلي تقدير نتيجة قد تبدو غريبة مفارقة هي: أن أقوي دفاع وأجدي دفاع عن الثقافة القومية إنما يكون بالأخذ بالعقيدة القومية ولو في أبسط أشكالها وفي أكثر أشكالها بدائية وفجاجة . ويخلص فانون أخيراً إلي قانون هام يقول، إن التحرير القومي وانبعاث الدولة شرط لوجود الثقافة الوطنية. فيقول: ليست الأمة فقط الشرط اللازم لقيام الثقافة وازدهارها وتجددها المتصل وعمقها، فهي أيضا حاجة وضرورة. إن الكفاح الذي تخوضه الأمة هو الذي يطلق الثقافة من عقالها ويفتح لها أبواب الإبداع، كما أن الأمة في مرحلة ثانية، هي التي توفر للثقافة ظروف نمائها وإطار تعبيرها .إن الشعوب تولد ثقافيا وحضاريا أثناء صراعها مع عدوها. يقول : إننا نعتقد أن الكفاح المنظم الواعي الذي يخوضه شعب من الشعوب لاسترداد سيادة الأمة هو أكمل مظهر ثقافي ممكن. ليس نجاح الكفاح وحده هو الذي يهب للثقافة قيمة وصدقاً وقوة، بل إن معارك الكفاح نفسها تنمي، في أثناء انطلاقتها، مختلف الاتجاهات الثقافية وتخلق اتجاهات ثقافية جديدة، فالكفاح لا ينيم الثقافة أثناء اندفاعه. وكفاح التحرير لا يرد إلي الثقافة الوطنية قيمها القديمة وأطرها القديمة، ولا يملك ما دام يهدف إلي إعادة تنظيم العلاقات بين البشر إلا أن يبدل الأشكال والمضامين الثقافية للشعب. إن التحرير لا يزيل الاستعمار فحسب، بل يزيل المستعمر ( بالفتح) أيضاً . إن هذا القانون الفانوني لا زال يعمل حتي اليوم، حيث نشاهد أن المقاومة تكون في الأوساط الأكثر خشونة وتستخدم العناصر الأكثر خشونة من الثقافة الوطنية لأن الثقافة الوطنية تبقي حية داخل هذه الأوساط بأشكال خشنة وبدائية. وكثير من مفكري وكتاب هذه الأيام لا يدركون هذا الأمر بل إنهم يخافون منه، وقد وصل الأمر ببعضهم إلي اعتبار هذه الأشكال الخشنة من المقاومة أشد خطورة من المحتل نفسه!لقد سمعنا وقرأنا كثيراً من الكتابات تدور حول الخوف أو يحركها هذا الخوف،وهذا أمر ينم علي عدم فهم لآليات الصراع ولا للوقائع علي الأرض في ظل السيطرة والاجتياح الغربيين، فالغزو الغربي الماحق جعل البشر يحتمون بنويات ثقافتهم، فيقيمون الأسيجة ويمنعون الغرباء من الاقتراب، لأنهم يريدون الحفظ علي الرشيم من الضياع بعد أن سلبهم الغازي الغربي كل شيء وتركهم عراة لا يملكون سوي هذه النويات التي تحتوي أبسط أشكال الهوية التي باتت مهددة بالضياع. وإن هذه النويات مهما بدت بدائية، متخلفة، خشنة، عنيفة، هي الوحيدة التي تفتح أفق المستقبل، لأنها تحافظ علي هوية وثقافة الأمة، ومن هذه الرشيمات البسيطة البدائية ستنتش نبتة الثقافة القومية عندما يمتلك المجتمع لحظته التاريخية ويبدأ عملية التحرر وإزالة التبعية بكافة أشكالها : سياسية، اقتصادية، وعسكرية. إن افكار فانون تتحاشي الموت بعناد، مثل الجرح النازف الذي يرفض الالتئام، فالمظالم التي يدينها ويرفضها فانون بقوة وحيوية ما زالت معنا حتي اليوم، إن شبح فانون ما زال يحوم حولنا، ليس علي شكل رؤية شيطانية ولكن كشبح ما زال يتحدانا حتي نضع صورة لعالم أفضل ، وأن ننذر أنفسنا لنأتي بهذا العالم الي الدنيا الحقيقية (أشباح فانون ـ ديفيد أوستن).7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية