لم يعد العالم يحتمل صور الأطفال الذين جوعتهم إسرائيل في غزة، وعرت مشاهد توزيع «المساعدات» التي تمت بإدارة أمريكية-إسرائيلية وبحراسة مرتزقة أمريكيين وجنود إسرائيليين قتلوا وجرحوا العشرات، حكاية «الخط الأحمر» الذي تحدث عنه بنيامين نتنياهو، وأن سماحه بدخول عدد محدود من شاحنات المساعدات ليس من أجل عيون الفلسطينيين المحاصرين في غزة ولكن لإرضاء حلفائه في الكونغرس، حيث قالوا له إنهم لا يحتملون صور الأطفال الجوعى.
صناعة المجاعة
العالم يشهد ولأول مرة في التاريخ صناعة المجاعة والإبادة، فالنوايا ليست مخفية والأهداف معلنة. وتصريحات وزراء الحكومة المتطرفة في إسرائيل باتت يومية عن تدمير الفلسطينيين وتشريدهم وحصرهم في أماكن صغيرة من القطاع المحاصر والمدمر. ولا تقتصر المشاهد على الجوع والعالم القيامي الذي صنعته إسرائيل في غزة وبدعم من السلاح الأمريكي والغربي، بل واستفزازات المستوطنين المدججين بالسلاح تحرسهم الدبابات في الضفة الغربية، كما أشارت صحيفة «الغارديان» (28/5/2025) ووثقت فيه أفعال المستوطنين الذين باتوا يحملون بنادق أم16 عندما يهاجمون قرى الفلسطينيين. ونقلت عن أحد ناشطي حقوق الإنسان قوله إن الاستفزازات باتت يومية: «هذا كله جزء من مشروع تطهير عرقي في الضفة الغربية. ليس من تنفيذ مستوطنين متهورين. إنه مشروع دولة. الدولة على علم بكل شيء. لو كانت هناك إرادة لوقف هذه الهجمات، لحدثت في لحظة». وبدا واضحا أنه مشروع حكومة مستوطنين في اقتحام الآلاف للمسجد الأقصى، بمعية وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن إيتمار بن غفير، وهي محاولة لتطبيع الهجمات والصلاة اليهودية في الأقصى. وباتت دعوات بناء الهيكل الثالث علنية وظهر نتنياهو في نفق تحت الأقصى. ففي غزة والضفة والقدس تشعر حكومة نتنياهو ومن فيها من المتطرفين أنهم ملوك الأرض وبيدهم قرار الحياة والموت وأنهم لا يهتمون بتهديدات حلفائهم الغربيين طالما لم يترجم ترامب غضبه على نتنياهو بإجراءات عملية. فعندما يقول وزير الدفاع يسرائيل كاتس في رده على الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، بانه سيعترف بدولة فلسطينية على الورق أما إسرائيل فتبني دولة يهودية على الأرض، فإنه يعبر عن حس من الغطرسة وعدم الاهتمام بما يقوله العالم الخارجي، رغم عزلة إسرائيل الظاهرية في العالم وبين حلفائها، وخاصة بعد تهديد بريطانيا وفرنسا وكندا باتخاذ إجراءات ملموسة ضدها إن لم تسمح بمزيد من المساعدات الإنسانية لجوعى غزة.
عسكرة المساعدات
لكن إسرائيل وجيشها أمعنوا في إذلال الفلسطينيين وتجريدهم من إنسانيتهم، وأكدت عمليات القتل ومهاجمة الذين جاءوا لاستلام طرود غذائية من مراكز التوزيع المحدودة كل الخطة البديلة للسيطرة على المساعدات الإنسانية فاشلة، وما تم هو «عسكرة» المساعدات الإنسانية، كما قالت صحيفة «واشنطن بوست» (29/5/2025): «لكن هذه الخطة، غير كافية وخطيرة وفاشلة في النهاية». غير كافية لأنها محصورة في عدد من المراكز في الجنوب من القطاع وخطيرة لأنها تعرض حياة المدنيين للخطر وهو ما بدا في ملاحقة وإطلاق النار على الناس الذين مشوا أميالا للوصول إلى مراكز التوزيع. وهي فاشلة لأنها مرتجلة ولا تدعمها الأمم المتحدة أو المنظمات الإنسانية. واللافت للأمر أن مدير المؤسسة المزعومة والغامضة التي تشرف على توزيع المساعدات، استقال بداية الأسبوع الماضي، بعد انتقاده المؤسسة وأنها تنتهك المبادئ للمساعدات الإنسانية. وما لم يقله هو أن الخطة الجديدة تهدف إلى تهجير فلسطينيي شمال غزة وبالتالي تحقيق خطة «عربات جدعون» التي أعلن عنها الجيش الإسرائيلي لاحتلال غزة بالكامل، وهو ما يخفيه نتنياهو الذي برر تشريد الفلسطينيين في غزة بأنه من أجل سلامتهم، مع أن القطاع كله بات حقل موت مفتوح، فحتى «المناطق الآمنة» لم تعد بعيدة عن القصف والحرق. ورأت صحيفة «نيويورك تايمز» (30/5/2025) أن الجيش الإسرائيلي أمر بإخلاء شامل لمعظم شمال غزة في وقت متأخر من يوم الخميس، محذرا من عملية جديدة وشيكة. ومع نزوح المزيد من الفلسطينيين من منازلهم في المنطقة، تزايدت المطالبات الدولية يوم الجمعة لإسرائيل بالسماح بتدفق عاجل للمساعدات لمنع انزلاق القطاع بأكمله إلى المجاعة. وتصاعدت التوترات بشأن إيصال الغذاء والوقود وغيرها من الإمدادات الإنسانية للفلسطينيين المحتاجين في القطاع بسبب احتمال شن عملية عسكرية إسرائيلية جديدة في الحرب التي استمرت 20 شهرا.
جوع الأطفال
وتأتي الأوامر في وقت يجوع فيه الشمال، وبدا واضحا على الأطفال، وقالت «نيويورك تايمز»(30/5/2025) إنه يمكن قياس جوع غزة في ضلوع طفلة في السادسة من عمرها وفي نحافة ذراعيها التي تشبه غصنا وفي الوزن الذي فقدته هي ومن حولها، وفي حبتي طماطم وفلفل أخضر حار وخيارة واحدة يمكن لطفل معوز أن يشتريها لإطعام أسرته في ذلك اليوم. فحتى الأسبوع الماضي، منعت إسرائيل دخول جميع المواد الغذائية والوقود والأدوية إلى قطاع غزة لمدة 80 يوما، في محاولة للضغط كما تزعم على حماس لإطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين الذين لا تزال تحتجزهم، في حين لا تزال مفاوضات وقف إطلاق النار متعثرة.
ويضطر مئات الآلاف من الناس الانتظار لساعات طويلة للحصول على طعام من مطبخ خيري ينفد ما لديه بسرعة كبيرة، ويضطرون إلى حفر آبار للحصول على مياه الشرب، على الرغم من أنها قد تكون غير صحية.
وفي مقال نشرته «نيويورك تايمز» (29/5/2025) للمديرة التنفيذية للونيسيف كاثرين راسل قالت فيه إنه منذ خرق إسرائيل لوقف إطلاق النار في آذار/مارس قتل 1.300 طفل، فيما أُبلغ عن مقتل ما يقرب من 17.000 طفل وإصابة أكثر من 34.000 – أي نسبة طفل واحد لكل 20 طفلا في غزة، ما يجعل الحرب الإسرائيلية على غزة أعنف صراع يتأثر به الأطفال في الذاكرة الحديثة.
و»مع تزايد خطر المجاعة يوما بعد يوم، من المؤكد أن محنة أطفال غزة ستتفاقم. ووفقا لأحدث التحليلات من التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي، وهي أداة تستخدمها اليونيسف وشركاؤها لتقييم الأمن الغذائي وسوء التغذية، يواجه جميع سكان غزة الآن انعداما حادا في الأمن الغذائي». ويقف ما يقرب من نصف مليون شخص على حافة المجاعة، و«نقدر أن أكثر من 71.000 طفل و17.000 أم سيعانون من سوء التغذية الحاد، الذي يتميز بفقدان سريع للوزن وانخفاض نسبة الوزن إلى الطول، في الأشهر العشرة المقبلة دون الحصول على مساعدات إنسانية وعلاج كافيين». وقالت رسل إن خطة إسرائيل الجديدة التي تهدف لتجاوز الأمم المتحدة لن تخفف الجوع بل ستزيد من مفاقمته. وأشارت إلى نظام توزيع المساعدات واللقاحات والأدوية الأساسية وخدمات التغذية المنقذة للحياة، والمياه النظيفة عبر أكثر من 400 نقطة توزيع، بما في ذلك في مواقع قريبة من ملاجئ العائلات النازحة. بل ذهبت اليونيسف وشركاؤها إلى أبعد من ذلك، حيث أوصلوا المساعدات من باب إلى باب، ووصلوا مباشرة إلى الأطفال والنساء الحوامل الذين يعانون من سوء التغذية في أماكن لجوئهم. وقد «أصبح هذا النظام الشامل مهمشا الآن، وتقلصت عملياتنا بشكل كبير». وعن الخطة الجديدة قالت: «نعتقد أن هذه الآلية الجديدة تتعارض أيضا مع المبادئ الإنسانية، بما في ذلك الحياد والنزاهة والاستقلالية، وتفشل في الوفاء بالتزامات إسرائيل بموجب القانون الإنساني الدولي. يلزم هذا القانون أطراف النزاع بالسماح بمرور المساعدات الإنسانية وتسهيله بسرعة وأمان ودون عوائق». وتشير المسؤولة الأممية إلى مبرر تطبيق الخطة وهو منع حماس من سرقة الإمدادات كما يُزعم «لكن الأمم المتحدة وشركاءها يعرفون بالفعل كيفية فحص المساعدات الإنسانية وتخليصها وتفريغها وتسليمها، بدون تحويل مسارها، بدون تأخير وبكرامة». ويمكن تتبع المساعدات من نقطة التسجيل إلى نقطة التسليم.
ما نراه هو أن إسرائيل تقوم فعلا بعسكرة الطعام لتحقيق أهداف سياسية، وكتب ستيفان بيتشديمالدجي في مجلة «ناشونال إنترست» (27/5/ 2025) مقالا قال فيه إن المجتمع العالمي فشل في إدانة استخدام التجويع كأداة حرب ووقفه. وهي أداة يستخدمها فلاديمير بوتين في حربه مع جيرانه. وباللجوء إلى هذا النوع من الخطط، تلعب إسرائيل لعبة خطيرة جدا إذا حاولت استخدام الغذاء لكسر عزيمة الشعب الفلسطيني. لهم كل الحق في الدفاع عن أنفسهم وهزيمة حماس، لكن تقع عليهم مسؤولية أخلاقية لضمان تحقيق ذلك دون موت شعب بأكمله جوعا.
أصوات عالية
ومع ارتفاع الأصوات في إسرائيل والعالم شجبا للحرب والتجويع إلا أن الخطوات العملية لوقف الحرب ومنع الإبادة المستمرة غير واضحة. فقد كتب رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت مقالا في صحيفة «هآرتس»، وهو نفس ما نشرته «الغارديان» (30/5/2025) شجب فيه حرب نتنياهو وجماعته في غزة وحذر من أنهم يقودون إسرائيل إلى قائمة الدول المنبوذة بل والملاحقة من الجنائية الدولية.
وقال إن حكومة إسرائيل تخوض حاليا حربا بلا هدف وبدون فرص للنجاح.
ولم يسبق لدولة إسرائيل منذ تأسيسها أن خاضت حربا كهذه. وأرست العصابة الإجرامية التي يقودها بنيامين نتنياهو سابقة لا مثيل لها في تاريخ إسرائيل في هذا المجال أيضا. وأضاف أنه لا علاقة للعمليات الأخيرة في غزة بأهداف حرب مشروعة، حيث ترسل الحكومة الجنود للتجول في أحياء مدينة غزة وجباليا وخان يونس في عملية عسكرية غير مشروعة. وقد أصبحت حربا سياسية خاصة، نتيجتها المباشرة هي تحويل غزة إلى منطقة كارثة إنسانية.
وقال إن الحرب كان من المفترض أن تنتهي بداية عام 2024. لكنها استمرت بدون مبرر، وبدون هدف واضح، أو رؤية سياسية لمستقبل غزة والشرق الأوسط عموما. وتصرف الجيش، المكلف بتنفيذ أوامر الحكومة والملزم بتنفيذها، في كثير من الحالات بتهور، وإهمال، وعدوانية مفرطة. ومع أنه كان يفرق بين مصطلحي الإبادة الجماعية وجرائم الحرب ورفض الاعتراف بحدوثهما، لكنه لم يكن قادرا في الأسابيع الماضية على فعل هذا «فما نفعله الآن في غزة حربا كارثية: القتل العشوائي وبلا حدود القاسي والإجرامي للمدنيين. نحن لا نفعل هذا بسبب فقدان السيطرة في أي قطاع محدد، ولا بسبب انفعال غير متناسب من بعض الجنود في وحدة ما. بل هو نتيجة سياسة حكومية – مملاة عن علم، شريرة، خبيثة وغير مسؤولة. نعم، إسرائيل ترتكب جرائم حرب»، مثل التجويع، مشيرا للصورة الشاذة التي يقدمها الإعلام الإسرائيلي عما يسمعه قادة العالم من أصوات داخل غزة. وقال إنه يعرف ماكرون فهو صديق لإسرائيل كما هو الحال مع بريطانيا وألمانيا وإيطاليا وهولندا، وشاهدوا معاناة مئات الآلاف من المدنيين، وسمعوا أصواتا من لقاءات في الحكومة الإسرائيلية وأدركوا ما هو واضح: وزراء الحكومة الإسرائيلية برئاسة زعيم الجريمة نتنياهو ينتهجون وبنشاط وبدون تردد وبخبث متعمد سياسة تجويع وضغط إنساني بنتائج كارثية محتملة. ولكن الحكومة ردت على الأصوات المتصاعدة من الحلفاء بنفس الطريقة وهي أن الأغيار معادون للسامية بالفطرة، فهم دائما ضدنا ويدعمون الإرهاب، مع أننا نحن من نقاتل الإرهاب. وقال أولمرت إن الحكومة الحالية في إسرائيل هي العدو من الداخل وأعلنت حربا على مواطنيها.
هل يغير شجبهم شيئا؟
ورغم الشجب من قادة الدول الحليفة لإسرائيل، فالسؤال هو إن كانوا سيغيرون شيئا؟ وقالت صحيفة «واشنطن بوست» (30/5/2025) إن التوبيخ النادر من ألمانيا لإسرائيل هذا الأسبوع أبرز استعداد أوروبا المتزايد للضغط على حكومة نتنياهو بسبب حصارها وقصفها لقطاع غزة، الأمر الذي يختبر مدى تسامح بعض أقوى حلفاء إسرائيل. وقال المستشار الألماني فريدريتش ميرز إن إلحاق الضرر بالمدنيين «لم يعد يمكن تبريره بمحاربة إرهاب حماس». وفي حين تزايد الإحباط من الحرب على جانبي الأطلنطي، إلا أن التصريحات الأوروبية الأخيرة تناقضت مع دفاع إدارة ترامب الصريح والمستمر عن إسرائيل. وهو جزء من خلاف أوسع مع واشنطن، بشأن الأمن والتجارة، دفع كلا من الاتحاد الأوروبي وبريطانيا إلى توحيد الصفوف ورسم مسارهما الخاص في بعض الأحيان. ووصف متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية إدانة الحلفاء الغربيين بأنها «استعراضية»، ووصف القرار البريطاني الأسبوع الماضي بتعليق محادثات اتفاقية تجارية جديدة مع إسرائيل بأنه «مخيب للآمال للغاية».
ومع ذلك قالت ناتالي توتشي، مديرة معهد الشؤون الدولية في روما ومستشارة السياسة الخارجية السابقة للاتحاد الأوروبي، إن الهجوم العسكري الإسرائيلي، وارتفاع عدد القتلى، والجوع الجماعي، أصبح «مفرطا للغاية» لدرجة لا يمكن للقادة الأوروبيين الارتباط به أو تجاهل الأرقام.
كما أن دعوات المسؤولين الإسرائيليين لإجبار سكان غزة على الخروج، وخطة حكومة نتنياهو «للسيطرة» إلى أجل غير مسمى على جزء كبير من القطاع، جعلت تأييد أوروبا المستمر للحرب غير مقبول وحلفاء إسرائيل يشعرون بالاشمئزاز. وقالت توتشي: «إن ازدياد الصراحة يجعلهم لا يختبئون وراء أي شيء». والمشكلة في عدم الارتياح من أفعال إسرائيل هي أن الاتحاد الأوروبي بات بعيدا عن تحقيق الإجماع اللازم لتعليق العلاقات بالكامل. وعلى الرغم من استعدادهم الآن للتوبيخ واستخدام التهديدات، فإن حلفاء إسرائيل الغربيين يواصلون دعمها عسكريا واقتصاديا، في تحالف يرون أنه يحافظ على مصالحهم في الشرق الأوسط. في الأسبوع الماضي، لم يقدم القادة الأوروبيون سوى دعوات لإجراء تحقيق بعد أن اضطر وفد من الدبلوماسيين الزائرين في الضفة الغربية إلى الفرار من طلقات التحذير الإسرائيلية.
رسائل الإبادة
ومع ذلك، هناك حس بين الناخبين والمثقفين في أوروبا بأن ما يجري في غزة تجاوز الحدود، وبعد صمت 20 شهرا على المجازر، تتزايد يوميا الدعوات لاعتبار ما يجري هناك إبادة جماعية. وبدا واضحا في الرسائل المفتوحة التي يوقعها المثقفون والكتاب منها تلك التي نشرتها صحيفة «الغارديان» (28/5/2025) ووقعها 380 كاتبا وجماعة وصفوا الحرب في غزة بأنها «إبادة جماعية»، وكان من بين الموقعين الروائية زيدي سميث وإيان ماكيوان وراسل تي ديفيس وحنيف قريشي وفرانك كوتريل- بويس وجورج مونبيوت. وقالوا «إن استخدام كلمات إبادة جماعية أو أعمال إبادية لوصف ما يحدث في غزة لم يعد محلا للنقاش بين خبراء القانون الدولي ومنظمات حقوق الإنسان». واستشهد الموقعون في بداية رسالتهم بقصيدة للشاعرة الفلسطينية هبة أبو ندى والتي قتلتها غارة إسرائيلية في تشرين الأول/أكتوبر 2023. وقالوا إن مصطلح «إبادة جماعية» كما جاء في الرسالة: «ليس شعارا، بل يحمل مسؤوليات قانونية وسياسية وأخلاقية». وقالوا: «هذه الإبادة الجماعية تورطنا جميعا، ونحن شهود على جرائم الإبادة الجماعية، ونرفض إقرارها بصمتنا».
وفي جهد مماثل نشرت صحيفة «الغارديان» (27/5/2025) رسالة وقعها أكثر من 800 محام وقاض متقاعد من المحكمة العليا طالبوا فيها بفرض بريطانيا عقوبات على الحكومة الإسرائيلية ووزرائها من أجل أن تفي بالتزاماتها بموجب القانون الدولي. كما دعا الموقعون الحكومة للتفكير في دعم تحرك يعلق عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة. وقالوا إن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وانتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني ارتكبت في فلسطين. وإن هناك أدلة متزايدة عن إبادة جماعية ارتكبت إما في الحد الأدنى أو أن هناك مخاطر لحدوثها، حيث أشار الموقعون عليها إلى وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش والذي قال إن الجيش الإسرائيلي سيقوم بـ«محو» ما تبقى من فلسطينيين في غزة. وهناك تحركات مماثلة في فرنسا حيث شجب 300 كاتب فرنسي في مقال مشترك نشرته صحيفة «ليبراسيون» (27/5/2025) الإبادة الجماعية»في غزة. ووقع على الرسالة كتاب حائزون على جائزة نوبل وروائيون مرموقون. وتعتبر هذه الرسائل اعترافا متأخرا للبعض بما يحدث للفلسطينيين. فيما دعا الكثير من المفكرين والقانونيين لوقف الحرب والمجازر. وبدا هذا واضحا في موقف زيدي سميث، الروائية البريطانية المعروفة التي وقعت على رسالة المثقفين البريطانيين الأخيرة، واتهمت بالنفاق لأنها هاجمت في مقال نشرته مجلة «ذي نيوركر» في 2024 مؤيدي فلسطين في أمريكا ووصفت خطابهم بأنه «أسلحة دمار شامل» وهي اليوم تحاول تصحيح موقفها أو التغطية على مسارها الأدبي بعد اكتشافها أنها كانت شاهدة على إبادة شعب كامل. وتذكرنا هذه الرسائل، بماركيز وروايته «قصة موت معلن» حيث كان الجميع يعلم بأن نصار العربي/ الفلسطيني سيقتل ولم يتحرك أحد، وترك وحيدا ليموت وسط تواطؤ الجميع. وهو ما يحدث اليوم في غزة. الجميع يشجب لحماية ظهره لا إنقاذ شعب يتعرض للمحو، فكما قال أديب إسحق: قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر. وقتل شعب آمن مسألة فيها نظر.