عناية جابر
وصلت مبكرة الي الجنوب، تاركة بيروت وحرها ونذائر انتخاباتها. جلســـــت علي احدي تلك الارائك الخيزرانية المبطنة بالقطيفة الزرقاء خلف بيتنا، واخذت اراقب شجرة الصنوبر الهرمة وقد اثقلتها اعشــــاش العصافير. عدد كبير منها، اكثر من الف عصفور يحلق فوقها ويغل في احشائها. ميزت سقسقات جذلي واخري مذعورة من دون ان افهم السبب. علي كل حال، كان مشهدا لطيفا، وفي الهواء رائحة معدنية حملتها في انفي من بيروت، وظلت ترافقني حتي بيتنا الجنوبي هذا. الشمس ما زالت لاذعة، لاهبة كاحدي بنات الليل، فيما أمي التي كانت سبقتني الي هنا منذ الامس، مسترسلة في حديثها، سواء اصغيت او لم اصغ. يعني اعجبني ذلك او لم يعجبني. لا جدوي من مناقشة الامهات في امور بعينها. شجرة الجوز الضخمة الرابضة بجانب سور الحديقة توشك ان تقتلعه. جذورها امتدت برعونة واحسب انها تقتلع البيت يوما من شروشه. كيف يزرعون هنا اشجار جوز وكينا وتوت وتين وصنوبر، تكبر هذه كثيرا وتهدد كل شيء. استغرقت في تأمل شجرة الجوز فيما اوافق بين الفينة والاخري علي حديث أمي باشارة من رأسي. احيانا باشارتين كتأكيد علي ان ما تقوله اكثر من جيد. اي سؤال من قبلي كان يلهب مخيلتها ويثير ذهنها الذي لا يرتاح للتواريخ الشفهية فتشفع الحديث باختراع الصور والحكايا. انها مثلي ترتبك في الجنوب وتفضل المدن والبحر، وتحتاج الي كامل صبرها لكي تملأ نهارين وليلة في الجنوب، تعاونا معا هي وانا علي تمضيتهم كيفما كان، رغبة في كسر الروتين البيروتي و تغيير الجو. ايضا لكي لا يقال هنا ـ كما يحدث فعلا ـ بأننا هجرنا بيتنا الجنوبي ما ان توفي والدي.
مع اقتراب الليل لم اعد اشعر بالضيق. مال الجو الي البرودة واخذت فجأة احب كل شيء، وكل ما يخطر ببالي. عندي مشكلة مستعصية في مسألة ماذا أحب فعلا وماذا أكره فعلا، وتختلط عليّ الامور. مثلا، هل بدأت أحب كل شيء فعلا وكل ما يخطر ببالي لان الجو مال الي البرودة، ام انها الاشياء التي اكرهها واستعيدها الآن، فينعكس عليها طراوة وبرودة الطقس. اكره واحب في الآن نفسه ولا اعرف سببا لذلك، هذا في الحقيقة شيء مخيف يظل يحدث لي ويوقعني في مشاكل من مثل ان يظن من احبهم بأنني اكرههم، ومن اكرههم فعلا انني احبهم وهذا غير صحيح بالمرة.
نمت في غرفة ابي. علي سريره ومخدته وتحت اغطيته. ومع ان زمنا كافيا مضي علي وفاته، سوي انها رائحته. في العتمة ويلطفها ضوء القمر، رأيت الاوفراول الازرق والقميص الكارو احمر وبيج، معلقين ما زالا علي الشماعة ـ بالعربي الفصيح ـ او الـ بورت شابو علي ما نقول هنا. هذه ملابسه كان يرتديها لتشذيب الحديقة مما كان يعتريها من اشواك، اتي بها معه من امريكا في سفره الاخير. كان يحدس انه سفره الاخير بعد ان امضي سنوات كثيرة في امريكا، وعاد اخيرا ليموت في قريته. نسيت ان اقول بأنني زرت قبره في فترة ما بعد الظهر، وبقيت طويلا بجانب قبره علي تلك الربوة البعيدة نسبيا عن باقي القبور. حكيت له كل الاخبار التي لم يشهدها، احوال البلد وما شابه، من مات ومن بقي. كان يحب العميد. كان من حزب ريمون اده. قلت له قوم شوف ماذا حل بالبلد. قلت له قم وتفرج.
النافذة مفتوحة حيث نمت في غرفة ابي وتستقبل كل ما يقدمه الليل. الشجرة العطرية ولا ادري ماذا يسمونها هنا منتصبة عند طرف الحديقة ورائحتها تئن كما لو انها عانت مثلي من الرائحة المعدنية وتستعيد الآن انفاسها تحت سماء من الكريب الاسود. شجرة الليلك الكثيفة تحتك بدورها بجدار الغرفة. رائحة عطر حاد ما يكفي لتشويه الليل. رائحة ذات عبق علي ألفة وشــــرود معاً. اغلقت النافذة علي العطر خارجا، ونمت.
بينما كنت انتظر أمي في السيارة في صباح اليوم التالي، مر كلب هزيل وتمسح بجانب بابها. سألت أمي ان نصطحبه معنا الي بيروت فلم تبتسم لدعابتي، ولكي اعاقبها سألتها عن دفتر يوميات أبي او مذكراته التي كان يواظب علي كتابتها، وهل بحثت عنها ووجدتها علي ما كانت وعدتني، فأنكرت انها وجدتها. لا بد انها تخفيها لأمر كتبه والدي ولا يروقها ان يراه أحد غيرها.