يسأل فيديو تحت عنوان «الملابس القاتلة» من إنتاج «دويتشه فيله»: «هل نحن عادلون في ما نرتدي؟». سؤال رائع بالطبع، وهو يوحي بالجواب، كما يشير إلى تلك الحساسية الفائقة لضمائر البشر، فيما هم يجترحون مفاهيم ومقاييس جديدة لـ «الحرام»، وغير العادل.
تتدفق الأسئلة تباعاً موجهة لمجموعة من الألمان من مختلف الأعمار:
كم قطعة ثياب يشتري الألماني في العام؟
كم لتراً من الماء يُستَهلك لإنتاج سترة قطنية ملونة؟
ما هي نسبة البلاستيك التي تدخل في صناعة ملابسنا؟
ما هي المسافة التي تقطعها السترة كي تصل إلينا؟
كم تكسب الخيّاطة التي تنتج السترة التي تساوي لدينا 25 يورو؟
والأجوبة هي دائماً أعلى بكثير من سقف التوقع. من بينها أن الخيّاطة لا تكسب سوى 18 سنتاً فقط على سترة الـ 25 يورو.
هل نحن عادلون في ما نشتري؟ سؤال رائع، وهو يوحي بالجواب، كما يشير إلى تلك الحساسية الفائقة لضمائر البشر، فيما هم يجترحون مفاهيم ومقاييس جديدة لـ «الحرام»، وغير العادل.
بعد الأسئلة يعرض على المشاركين في الاستطلاع المتلفز فيديو لسقوط مبنى من ثمانية طوابق هو مصنع للنسيج في بنغلاديش ينتج ملابس رخيصة. حادث راح ضحيته أكثر من 1100 قتيل، وضعف هذا العدد من الجرحى.
يؤكد فيديو «دويتشه فيله» أن مثل هذه الأحداث القاتلة يتكرر في مصانع الأنسجة في بنغلادش مخلفاً ضحايا من العمال. كما يعرض من جديد حريقاً في مصنع ملابس آخر يقتل فيه أكثر من مئة شخص.
هنا ستبدأ الصدمة والندم والدموع. تقول شابة «رغم أننا نعرف سوء الوضع نذهب إلى شراء الملابس مجدداً». يسأل الفيديو بالخط العريض: «كيف يمكننا تغيير هذا الواقع؟». فتأتي أجوبة المشاركين: «ليس ضرورياً أن نمتلك الكثير من الثياب»، «اقتناء ثياب أقل وجودة أعلى تدوم طويلاً»، «إذا تمزّق الجينز الخاص بك يمكن إصلاحه بدلاً من رميه»، «ارتداء الملابس القديمة»، «هناك أسواق للملابس المستعملة وأماكن لتبادلها»، «أن نعيد بيع الثياب بدلاً من رميها»، «إهداء الملابس المستعملة»، «علينا الانتباه من أي مكان نشتري الثياب»، «أن نشتري موضة مستدامة».. ثم تختم شابة «مع القليل من الثياب أشعر بسعادة أكبر».
ولكن ماذا عن العمال البنغلادشيين؟! لم يقل الفيديو شيئاً بخصوصهم ثانيةً. لم يقل ما يتوجب فعله إزاء سقوط مباني العمال واحتراقها، والعمال وأسرهم المنكوبة. لقد بدا وكأنه يصل إلى نتيجة تقول «قاطعوا البضائع البنغلادشية» احتجاجاً على هذا العدد الكبير من الضحايا، وإفساد البيئة، والظلم الذي يقع على الخيّاطة، من دون اكتراث لحالها بعد أن خسرت الـ 18 سنتاً جرّاء عدالة «دويتشه فيله». إذ ستبقى السيدة البنغلادشية بلا عمل، عندما تغلق المصانع نهائياً. ستتفشى البطالة أكثر، والجريمة، وظواهر أطفال الشوارع، والتسول!
ولكن ماذا عن العمال البنغلادشيين؟! لم يقل الفيديو شيئاً بخصوصهم ثانيةً. لم يقل ما يتوجب فعله إزاء سقوط مباني العمال واحتراقها، والعمال وأسرهم المنكوبة. لقد بدا وكأنه يصل إلى نتيجة تقول «قاطعوا البضائع البنغلادشية»
فهل الحل في المقاطعة أم في الشراء «العادل» لمنتجات تلتزم بإيفاء العمال حقوقهم واحترام ظروف عملهم؟
«ال» التعريف القاتلة
«الطراطسة سرقوا 1,416 مليون كيلو واط كهرباء في ستة شهور».
مانشيت في صحيفة «تشرين» الرسمية السورية أقام الدنيا ولم يقعدها إلا بعد استنفار شامل للبلاد، حكومةً وإعلاماً ومواطنين، للاعتذار والتوضيح. لعلها واحدة من مرات قليلة يكلّف فيها إعلام النظام نفسه للاعتذار على خطأ مهنيّ. لم تترك وسيلة للتوضيح وتطييب خاطر «الطراطسة» (أهالي مدينة طرطوس الساحلية)، وعلى رأسها ظهور رئيس تحرير الصحيفة على الشاشة الرسمية ليوضح ويعتذر ويعلن إجراء تحقيق وصولاً إلى ترتيب البيت الداخلي في الصحيفة على إثر هذه الهزة التاريخية!
قبل كل شيء جرى تعديل المانشيت بإزالة «ال» التعريف من كلمة الطراطسة، ليصبح «طراطسة سرقوا»، فباتت هذه أشهر «ال» تعريف بعد تلك التي ضيّعت أجزاء من الأراضي العربية المحتلة عام 67، بعد جدل حول ترجمة القرار الأممي الشهير 242 والخلاف حول «أراضٍ محتلة» و «الأراضي المحتلة».
من نظرية «المجتمع المتجانس»، إلى «تطهير الجسم السوري من الجراثيم»، إلى منافَقَة فئات وشرائح دون سواها، يمضي النظام بعناد على طريق التمييز العنصري. ولعله لا يكترث للقب جديد يكسبه بعد كل تلك المجازر والتهجير والتدمير. إنه اليوم بجدارة نظام تمييز عنصري وطائفي.
بدا الذعر واضحاً في الاعتذار. أشار زميل إعلامي إلى مفارقة أن كل إساءات إعلام النظام الفظيعة بحق باقي مكونات السوريين لم تكلفهم مرة عناء الاعتذار. لقد قيلت فيهم أفظع الاتهامات، ولطالما سيقوا إلى الموت أو المعتقلات من دون النظر إلى أي تعريف سوى مسقط الرأس. لطالما قتل سوريون على الكنية، ولطالما حرّض الإعلام على القتل بحق مدن ومكونات بالجملة.
الاعتذار من مدينة (ولا شك أن التعميم ظالم بحقها) لا يبيّض صفحة النظام بقدر ما يشير إلى عنصرية من نوع آخر. فمعروف للجميع أن تلك المدينة هي عظام رقبة النظام، خزّانه من جيش وأمن وميليشا وضحايا، ومكوّن لا يقدر النظام على زعله.
من نظرية «المجتمع المتجانس»، إلى «تطهير الجسم السوري من الجراثيم»، إلى منافَقَة فئات وشرائح دون سواها، يمضي النظام بعناد على طريق التمييز العنصري. ولعله لا يكترث للقب جديد يكسبه بعد كل تلك المجازر والتهجير والتدمير. إنه اليوم بجدارة نظام تمييز عنصري وطائفي.
في غياب الأكفياء
بعد كل الانحياز الذي أعلنه المخرج السوري نجدت أنزور للنظام عبر تصريحات دموية (أشهرها تأييده لإلقاء براميل متفجرة بحجة أنها تستهدف حواضن الإرهاب) وأفلام ومسلسلات، لم يعد المرء يهتم بفحوى خبر عن عمل فني جديد له، إذ لا شك أنه سيكون مصنوعاً لخدمة نظام البراميل. إنما يروح المرء يتأمل هؤلاء القادرين مع كل ذلك على العمل من جديد مع المخرج البراميلي.
هذا ما يخطر في البال إزاء إعلان أنزور عن انتهائه من مونتاج فيلمه الجديد «دم النخيل» الذي «يتناول مقاومة الجنود والمدنيين السوريين لتنظيم داعش الإرهابي عند اقتحامه مدينة تدمر، وعمليات السلب والنهب التي جرت هناك».
كما يدور في جانب منه حول حياة عالم الآثار السوري خالد الأسعد، الذي قتل في تدمر.
بعد كل الانحياز الذي أعلنه المخرج السوري نجدت أنزور للنظام عبر تصريحات دموية وأفلام ومسلسلات، لم يعد المرء يهتم بفحوى خبر عن عمل فني جديد له، إذ لا شك أنه سيكون مصنوعاً لخدمة نظام البراميل.
يفكر المرء في الأسماء المشاركة (وبالمناسبة معظمهم ممثلون مغمورون إذ اعتاد أنزور على أن يكون وحده البطل في أعماله، لا الممثلون): عمار علي، لجين إسماعيل، محمد فلفلة، محمود خليلي (فلسطيني سوري)، مصطفى سعد الدين، جوان خضر. ويشارك فيه الفنان اللبناني بيير داغر بالأداء الصوتي لشخصية الإمبراطور الروماني أورليان، والموسيقا التصويرية للعراقي رعد خلف. أما السيناريو فهو لديانا كمال الدين.
هل يفكر هؤلاء حقاً في وجهة العمل، ووظيفة المخرج، أم أن الحرب، وغياب الممثلين الأكفياء بسببها، فرصتهم الوحيدة الممكنة للظهور؟

الولع بأدونيس
اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي أخيراً بالتعليق والسخرية من صورة للشاعر السوري أدونيس مصافحاً ومقبلاً سفير النظام في لبنان على هامش تكريمه من قبل إحدى الجامعات اللبنانية. مع العلم أن ليس هناك أي مفاجأة في لقاء من هذا النوع، فهو لطالما أعلن موقفه المتحامل على الثورة في بلده، حتى قبل أن تُطلَق رصاصة واحدة.
لكن لن تجد الحميّة نفسها في التعليق حول فنان من وزن صباح فخري، علماً أن الرجل، كمغن، راسخ في وجدان السوريين ولن تجد من يختلف حول أهميته. لكن في مواقفه الأمر مختلف.
فقد أقيم أخيراً احتفال تكريمي لصباح فخري من قبل سفير النظام في لبنان في قلب السفارة بمناسبة منحه جائزة «الجوهرة الثمينة لفسيفساء باليرمو» العالمية من مقاطعة صقلية الإيطالية.
غريب هذا الولع بأدونيس!
كاتب فلسطيني سوري