أصحاب الكهف في تونس: هل تأكلهم الدولة أم ينجحون في ترويضها؟

حجم الخط
0

عادل الحامدي ألا إن لكل شيء أيدز، وايدز الثورات العربية رقم واحد والخلية العربية الحية التي نامت طويلا تحت أبشع الهراوات العربية وأخسها، هو قابلية الاستجابة لما في وعي الخلية الإسلامية النائمة المحرك الثقافي والسياسي الوحيد، الذي يتمتع بشرعية شعبية ومجتمعية لا يغالبها على مجتمعها إفرازات الدولة من كائنات يسراوية تعيش على إفرازات أخطر الخلايا اللئيمة للدولة، واعني به ما تعارف التونسيون على تسميته بأمن الدولة، هذا الكائن الذي من حقه أن يتعامل مع السياسي والصحافي على حد سواء، ويكون هذا التعامل طبيعيا وخادما للمجتمع والدولة وضابطا لأحوال البلاد طالما كان الحزب من نوعية إيدز الثورة الإيجابي (بينيني)، وطالما كانت له القدرة الذاتية على الخروج من المصحة النفسية التي أودع فيها بأمانة البوليس الزيني وضبطيته، ولم يتدحرج من حفرته أصحاب أهل الكهف الذين لبثوا فيها، لا أقول ثلاثمائة سنين، ولكن ثلاثا وعشرين حولا، ولولا جلد سيدي بوزيد الهلالي للبثوا فيه إلى يوم يبعثون.

إن أصحاب الكهف في أمس الحاجة اليوم إلى زيارة زاوية سيدي عبد القادر ليس لافتقارهم إلى التوحيد فهم أساطينه، وإنما للاغتسال من أدران الكهف التاسع الملعون المنقول خارج العاصمة، علهم يعوا أن اللاعودة إلى ما قبل السابع وبخوره وزواياه القرطاجنية وساكنته الجنية، وكتابها ومنجميها وما كان ينتظر أهل تونس من تدجين مرحلة من التاريخ يتم استحضارها من عهود ما قبل الفينيقية لعل أصواتهم تجاوز تلك الحناجر التي خُيّل لهم أنها لا تصلح لغير التلاوة والذكر، أقول هذا ليدركوا أن تفكيرهم يجب أن ينصب على تصدير الكسكسي والهريسة النابلية إلى شوارعنا في لندن التي زينوها بحريق سيدي بوزيد على واجهات حافلاتنا.

لقد آن الأوان أن يدركوا أن الكهف قد ردم صاحب الدار وأن كليوبترا التونسية قد أضاعت المفاتيح ومعه جميع الكوابيس وعناقيد الباوند والليرة وعقود الذهب والحبل الذي شُنق به لطفي الزريدي، فالمعركة معركة كسكسي بعد أن تكفل رب الكسكسي بحماية الكتاب.

إن الإسلاميين في تونس يضعون أنفسهم من موقع الهزيمة النفسية موضع تساؤل، والضربات البشعة التي خُصوا بها محقا وتشريدا قد أقعدتهم حتى وهم أحرار على ما تعودنا منهم ابان الثمانينات، وعندما كانت البلاد بقيادة الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، وإن ما حدث في تونس يعد من الظواهر التاريخية التي أرغمت الجميع على التساؤل المحير، وتبادل طرح ملكية هذه الثورة التي حركت بقدرة الله سواكن ثلاثة ملايين من الموتى العرب في حين لا يزال أصحاب الشعلة يلقون أقلامهم أيهم يكفل ثورة العرب التي ووفق المادي والغيبي والأرضي والسماوي لا يمكن أن تعود ساعاتها إلى فلك 9 نيسان/ابريل. عندما تصبح هذه الحقيقة في قلوب تلك الرؤوس والأفئدة الطيبة والحالمة، فستوجد الحرية حقا وسيتوفر الخبز بإذن الله وسيلزم أمن الدولة حدوده، وبخشوع أمام إرادة ذلك الشعب الصغير الذي سن سنة أتحدى العالمين أن يمحوها ليس من ذاكرة التاريخ والشعوب، ولكن من واقع الأرض. هذا ما لم يدركه الإسلاميون ومن ورائهم الشعب التونسي بعد، وهو ما يجعل الرجعية الحاكمة مترددة في سيرها نحو صنع تاريخ جديد يختلف عن سواد ما غرب من أيام لن تعود.

صحيح أننا نحتاج إلى تسامح فولتير لكي يكون صوت الصادق بن الخطاب مساويا لسارية اليسار كمال الجندوبي، ونحتاج أكثر إلى الصناديق المزيفة والصحف المزيفة والمجلات المزيفة أن تتوب إلى بارئها، ونحن في شهر التوبة، أن تفتح أبوابها لورثة البوعزيزي وأن تدركأم البوعزيزي أن التدليس في التوريث من أكبر الكبائر، وأن الاستعداد مجددا للانقضاض على الصادق هو من الموبقات السياسية الماحقة والماضوية المقبورة.

إن اللحظة التونسية قد تم التقاطها، وهي لعمري أشد مضاء من لحظة اسحق نيوتن، وإذا كانت النيوتنية قد أسست لعلومنا التجريبية فإن البوعزيزية قد أسست لمرحلة اللاعودة إلى ليل ليلى، وأن اللحظة الاكتوبرية مهما كانت نتائجها هي الأولى بالاهتمام. وهي لحظة يُعتبر تحضير المجموعة الإنسانية القادرة على صيانة الثورة بتشجير البلاد وتطوير الفلاحة وعصرنة آلياتها والابداع في صنع الكسكسي والتخصص في ذلك وسهر الحكومة المقبلة على اكتساح أسواق الشرق الأقصى: الصين واليابان والهند خاصة، واعتبار السياحة إحدى مقومات الاقتصاد الوطني ومعاملة السائح بآداب الإسلام وليس بعقلية السلب والاستغلال على رأس أولوياتها.

وبدلا من حديث عم الباجي عن هيبة الدولة بعد أن قامت الثورة لتصحيح هذه الهيبة وانتزاعها من يدي أنثى متهورة صفعت شعبا وتسببت في تسونامي ثوري عالمي واستشهدت آلاف مؤلفة ومازالت تحافظ على وظيفتها لأن هذه الهيبة علت واستعلت على جميع المواطنين بغير حق، وقد آن الأوان لنتفق علنا وفي نقاشات متلفزة على صلاحيات مصالح أمن الدولة وضبط حدودها ومتابعة الصحافة الحرة لأي تجاوز لهذه الحروب المرسومة، فقد حكمت هيبة عم الباجي تونس بلا شريك ولا رقيب إلا من تعين من وزراء، وهذا من اختصاص الأحزاب ومن تنتخب من كبار القضاة للتستر على شذوذها وتجاهلها لقواعد اللعبة والتمتع بالحرية المطلقة في تصريف شؤون الدولة والحزب والرئيس المخلوع إلى آخر لحظة سرياطية.

إن الإصلاحات في بلد شاء الله أن يكون ثوريا على الأقل في صدارة القافلة العربية يستلزم ثقافة سياسية جديدة تكون مؤسسة الدولة خاضعة للقانون راضية بحصتها في الحكم لا تجاوزه بالتدخل في الحياة الحزبية وترهيب رموز الحكم وتركيع رؤساء الأحزاب والتلاعب بكرامة الموقوف وتطويعه لمشيئة مصالح كبار الضباط على حساب هيبة المواطن وبتواطؤ من أعضاء الحكومة التي انتخبتهم هذه الأجهزة نيابة عن الأحزاب والناخبين، وهذه مأساة الدولة العربية ولا شيء يمنع من إعادة انتاجها، إلا يقظة الشعوب بعد أن برهنت جميعها على أن القبول بالدكتاتوريات ليس من مكونات جينات المواطن العربي كما يحلو لبعض الأقلام الغربية أن تتهكم. ما يزال الاقتصاد البريطاني رغم أمراضه يضطلع بمهمات الدول الكبرى، وإذا كانت البطالة تصل رسميا 7.7′ من القوة العاملة إلا أن هذه النسبة تقفز إلى 27′ في صفوف حملة الشهادات العليا من الشباب، أقول هذا من باب الذكرى لأولئك الذين سيضطلعون بأمانة الحكم بعد انتخابات تشرين الاول/أكتوبر المقبل، ورغم أن السيناريو الغالب والمأمول أن يحدث في الساحة التونسية شبيه بما حصل في بريطانيا يوم قدر الناخب البريطاني حرمان أي حزب من تشكيل حكومة بمفرده فاضطر المحافظون إلى الائتلاف مع الديمقراطيين الأحرار، وقد تجد النهضة نفسها في وضع مشابه، ففي هذه الحال يجب أن يستحضر الجميع أن المهم اليوم ليس من سيشكل حكومة الإنقاذ الوطني المقبلة بل الأهم هو تطبيق الحكم الديمقراطي الذي سلم الجميع بوجوبه والتفرغ لبناء الدولة الديمقراطية حجرا حجرا لأن أم المعارك توفير الخبز، وأما اعتناق الثورة والدخول في دين الله والتسليم بثوابت الحكم الديمقراطي والوفاء لأرواح من استشهدوا من أجلنا إن كل ذلك إلا خلال لأية حكومة قادرة على توزيع الخبز بالعدل.’ كاتب وإعلامي تونسي مقيم في بريطانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية